فإن الفرح والسرور مطلب مُلِحُّ
، وغاية مبتغاة ، وهدف منشود ، والناس كل الناس يسعى
إلى فرح قلبه ، وزوال همّه وغمّه ، وتفرق أحزانه
وآلامه .
ولكن قَلَّ من يصل إلى الفرح
الحقيقي ، ويحصل على السعادة العظمى ، وينجو من الآلام
والأتراح .
والحديث في الأسطر التالية حول
معنى الفرح ، وأسبابه ، وموانعه ...
وبعد ذلك نصل إلى معنى الفرح في
الصيام ، وكيفية كون هذا الشهر الكريم شهر الفرح .
أيها الصائم الكريم : الفرح لذة
تقع في القلب بإدراك المحبوب ، ونيل المشتهى ؛ فيتولد
من إدراكه حالةٌ تسمى الفرح والسرور .
كما أن الحزن والغم من فقد
المحبوب ؛ فإذا فقده تولد من فقده حالة تسمى الحزن
والغم .
والفرح
أعلى نعيم القلب ولذته وبهجته ؛ فالفرح والسرور نعيمه
، والهم والغم عذابه .
والفرح بالشيء فوق الرضا به ؛
فإن الرضا طمأنينة وسكون وانشراح ، والفرح لذة وبهجة
وسرور ؛ فكل فرح راضٍ ، وليس كل راضٍ فرحاً .
ولهذا كان الفرح ضد الحزن ،
والرضا ضد السخط ، والحزن يؤلم صاحبه ، والسخط لا
يؤلمه إلا إذا كان مع العجز عن الانتقام .
ولقد جاء الفرح في القرآن على نوعين : مطلق ،
ومقيد ..... فالمطلق جاء في الذم كقوله تعالى :
والثاني : فرح مقيد بفضل الله
ورحمته وهو نوعان أيضاً ... فضل ورحمة بالسبب ... وفضل
بالمسبب ،
فالأول كقوله تعالى :
"
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ
فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
"
والثاني كقوله تعالى :
"ِ
فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه
"
ولقد ذكر الله - سبحانه - الأمر
بالفرح بفضله ورحمته ، عقيب قوله :
"
يَا
أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ
رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
"
ولا شيء أحق أن يفرح به العبد
من فضل الله ورحمته التي تتضمن الموعظة وشفاء الصدور
من أدوائها بالهدى والرحمة ؛ الهدي الذي يتضمن ثلج
الصدور باليقين ، وطمأنينة القلب به ، وسكون النفس
إليه ، وحياة الروح به .
الرحمة التي تجلب لها كل خير
ولذة ، وتدفع عنها كل شر وألم .
والموعظة التي هي الأمر والنهي
المقرون بالترغيب والترهيب .
وشفاء الصدور المتضمن لعافيتها
من داء الجهل ، والظلمة ، والغي ، والسفه ، تلك
الأدواء التي هي اشد ألماً لها من أدواء البدن .
فالموعظة ، والشفاء ، والهدى ،
والرحمة هي الفرح الحقيقي ، وهي أجلّ من يفرح به ؛ إذ
هو خير ٌ مما يجمع الناس من أعراض الدنيا وزينتها ،
فهذا هو الذي ينبغي أن يفرح به ، ومن فرح به فقد فرح
بأجل مفروح به ، لا ما يجمع أهل الدنيا فيها ؛ فإنه
ليس بموضع للفرح ؛ لأنه عرضة للآفات ، وشيك الزوال ،
وخيم العاقبة ، وهو طيف خيال زار الصبَّ في المنام ،
ثم انقضى المنام وولى الطيف ، وأعقب مزاره الهجران .
فالدنيا لا تتخلص أفراحها من
أتراحها ، وأحزانها البتة ، بل ما من فرحة إلا ومعها
طرحة سابقة ، أو مقارنة ، أو لاحقة .
ولا تتجرد الفرحة ، بل لابد من
طرحة تقارنها ، ولكن قد تقوى الفرحة على الحزن ،
فينغمز حكمه وألمه مع وجودها وبالعكس .
فالفرح بالله ورسوله ،
وبالإيمان ، وبالقرآن ، وبالسنة ، وبالعلم من أعلى
مقامات العارفين ، وأرفع منازل السائرين ، وضد هذا
الفرح الحزن الذي أعظم أسبابه الجهل ، وأعظمه الجهل
بالله ، وبأمره ، ونهيه ؛ والعلم يوجب نوراً ، وأنساً
، وضده يوجب ظلمه ويوقع فيه وحشة .
ومن
أسباب الحزن تفرق الهم عن الله ؛ فذلك مادة حزنه كما
أن جميعة القلب على الله مادة فرحه ونعيمه ، ففي القلب
شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله ، وفيه وحشة لا
يزيلها إلا الأنس به في خلوته ، وفيه حزن لا يذهبه إلا
السرور بمعرفته ، وصدق معاملته ، وفيه قلق لا يسكنه
إلا الاجتماع عليه ، والفرار منه إليه ، وفيه نيران
حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه ، وقضائه
ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه ، وفيه طلب شديد
لا يقف دون أن يكون وحده مطلوب ، وفيه فاقة لا يسدها
إلا محبته والإنابة إليه ، ودوام ذكره ، وصدق الإخلاص
له ، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تُسدَّ تلك الفاقة
منه أبداً .
هذا هو الفرح الحق ، وهذا هو
فرح أهل الإيمان لا فرح أهل الأشر والبطر والطغيان .
هذا وإن
للصائمين من هذا الفرح نصيبا غير منقوص ، كيف وقد قال
النبي في الحديث المتفق عليه "
وللصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه
"
قال
ابن رجب
- رحمه الله - : أما فرحة الصائم عند فطره فإن النفوس
مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ، ومشرب ،
ومنكح ؛ فإذا امتنعت من ذلك في وقت من الأوقات ، ثم
أبيح لها في وقت آخر فرحت بإباحة ما منعت منه ، خصوصاً
عند اشتداد الحاجة إليه ؛ فإن النفوس تفرح بذلك طبعاً
؛ فإن كان ذلك محبوباً لله كان محبوباً شرعاً .
والصائم عند فطره كذلك ؛ كما أن الله - تعالى - حرم
على الصائم في نهار الصيام تناول هذه الشهوات فقد أذن
له فيها في ليل الصيام ، بل أحب منه المبادرة إلى
تناولها من أول الليل وآخره ؛ فأحب عباد الله إليه
أعجلهم فطراً ، والله وملائكته يصلون على المتسحرين ؛
فالصائم ترك شهواته في النهار تقرباً إلى الله ، وطاعة
له ، وبادر إليها بالليل تقرباً إلى الله وطاعة له ،
فما تركها إلا بأمر ربه ، ولا عاد إليها إلا بأمر ربه
، فهو مطيع في الحالين ؛ ولهذا نُهِيَ عن الوصال ،
فإذا بادر الصائم إلى الفطر تقرباً إلى مولاه ، وأكل
وشرب وحمد الله ؛ فإنه ترجى له المغفرة ، أو بلوغ
الرضوان بذلك الى أن قال رحمه الله : "
ثم إن ربما استجيب دعاؤه عند فطره
" .
وعن
ابن ماجة : "
إن للصائم عند فطره دعوةً لا
تُرد " .
وإن نوى بأكله وشربه تقوية بدنه
على القيام والصيام كان مثاباًَ على ذلك ، كما أنه إذا
نوى بنومه في الليل والنهار التقوي على العمل كان نومه
عبادة .
ومن فهم هذا الذي أشرنا إليه
لم يتوقف في معنى فرحه عند فطره ؛ فإن فطره على الوجه
المشار إليه من فضل الله ورحمته ويدخل في قوله تعالى :
"قُلْ
بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ
فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
قُلْ
بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ
فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
"
وقال
ابن رجب
رحمه الله : " وأما فرحه
عند لقاء ربه ففيما يجده عند الله من ثواب الصيام
مدخراً ؛ فيجده أحوج ما كان إليه
" كما قال تعالى : "
وَمَا
تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ
عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً
وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ
"
وقال
تعالى :
"
يَوْمَ
تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ
مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ
أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ
بِالْعِبَاد
"
قال تعالى :
"
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
خَيْراً يَرَهُ
"
اللهم أفرح قلوبنا بالإيمان ،
والقرآن ، والسنة ، والعلم ، والصيام ....وصلي الله
وسلم علي نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ....