وعدت اخيرا لموطني..بعد غربة عشرون عاما..احمل ثروتي التي حلمت بها..وشيب الرأس يطغى..حقائبي بها هدايا لأحبائي اهلي واخوتي..في طريقي في مسير السيارة انظر الى صدر وطني التي تركت حين سلمت نفسي لراحات غربتي تلك.....بيوت شيدت وقصور طرزت بأشكال الديكور....الشمس في الافق تأكل من بشرتي لون الصفاء وتعيد الي لوني الاسمر الذي ولدت به لون العروبة..وميزة الشرق...وبدأت ارتب نفسي للوصول اذ اني وصلت المكان الذي به ترعرعت..وصلت بيتي..لم يكن في انتظاري احد..فلقد كان مجيئي سرا..وعودتي غير معلومة ..
نزلت من السيارة(التاكسي).. وأول شيء فعلته بدأت بتلمس الحي الذي كنت اقطنه..كانت الاراضي المحيطة ببيتي قفرا بدون زرع..والان الله!!!!!!! تنفث اريجها في المنطقة فتبعث الترحيب لمن زارها..حدقت اكثر في شجرة زيتون..اقتربت منها
وانحنيت..وجثمت على ركبتاي.. لاأعرف شدني حنين قاتل ..شعور غريب سيطر على انفاسي..وتعطلت افكاري..وانا احدق فيها جذوعا واوراقا....وتوقف تحديقي بها حين ربت على كتفي شخض لم اتبين من هو في باديء الامر..وادرت وجهي نحوه ملامح شرقية لم اعتد منذ زمن رؤيتها..ابتسم ابتسامة عريضة!!! والحقها بقوله عدت اخيرا..فكان ردي سريعا مع اني لا ازال اجهل من هو..اهلا فيك.. كيف حالك..وبعد كلام الترحيب..قال لي كم انت مخلص..وأنا ذات السؤال في نفسي من هو.؟؟!!....فقلت له مخلص في ماذا ..فرد علي ولمعان عيونه يبرق ينظر الي تارة ويعيد عينيه الى الشجرة تارة اخرى...اتذكر عندما زرعناها سويا..تلك الشجرة شجرة الزيتون التي تقف بجانبها...بدأت استعيد ذكريات ....تراخت يدي وسقط (الجاكيت )من يدي..سبقتني سواعدي في الانقضاض عليه احضنه متمتما بعبارات الاشتياق واللوعة..مخترقة دموعي ذكرياتي معه..انه سمير..صديق طفولتي..تبا للغربة..كنت احدث اصدقائي في غربتي عنه وها هو امامي واجهله..واخذنا نتحدث عن ذكرياتنا وكانت تلك الشجرة من زرع يدي انا ..قبلت اوراقها..احتضنت جذوعها....نظرت حولي ..فقال لي لا تطيل النظر خيم ضباب واختطف الموت الواحد تلو الاخر...وتغيرت اشياء كثيرة ..قلت له الموت...مثل من؟
فقال لي اتعرف ابو ماجد..فقلت ذكرني ارجوك..فرد وهو ينظر الى الارض..اتذكر ذلك الرجل الذي كان يعطينا الحلوى ونحن صغار وعندما كنا نلعب لعبة الاستخفاء كان يخبئنا عنده..فقلت له اتعني؟؟؟؟؟؟؟؟ ابو ماجد الذي كان في وجهه اثار لعملية من حرب الكرامة..فقال لي بلا هو ذاته.....فترحمت عليه....
ودعت صديقي سمير على امل ان القاه قريبا فانا ..لا غربة بعد اليوم لي..
وطرقت الباب..ودفعته بدون ان اصبر ..لأجد امي قد وجهت نظراتها نحو الباب..لا اعلم كيف كانت شفاها صامتة وكيف سمعت زغرودة الفرحة بعودتي..نادت على اخوتي كأن هنالك لص يريد سرقة اشياء..فضممتها..وقبلت يدها..وجاء ابي لأجد في عيونه نظرة تقول لي أين انت اشتقنا لك....وضمني اليه..وضمني كل اخوتي.. وذهبت لأستريح ..وغطيت في نوم عميق...
وفي المساء..ذهبت الى شجرة الزيتون ووقفت بجانبها....سمعت صوت حفيف اوراقها...وكأنه يحادثني.. يعاتبني.. يؤنبني..بسؤال.. أين عهدنا افتقدت يدك التي كانت تسقيني في كل يوم..أين كنت حين جفت اوراقي وتبخر ماءي تحت اشعة الشمس الحارقة........فلم انطق ببنت شفه..وذهبت واحضرت الماء وسقيتها وقلت لها عهدا علي أن لا افارق يوما ظل اوراقك الوارفة.....قبلت التراب تحتها..وقلت لها نامي واستريحي..يكفيك انك عشت ببعدي عنك غريبة وانت مزروعة بأرضك..يكفيني انا غربة السفر ..وأنتي يكفيكي غربة الهوية..غربة العطش الى حنو يدي....يكفي ما ضاع من عمري في معسكر المغتربين..فالحرية في الغربة عنوان الاسر اللعين..هذه الليلة انام في سريري..وعلى وسادتي..واستيقظ على شدو العصافير..وشمس النهار..توقظ املي قبل عيوني ...وتمنيت للشجرة ليلة سعيدة..وذهبت لأبدأ طفولتي في وطني من جديد...........
عبدالكريم
7\10\2004
|
 |