الأخوة الأفاضل هذه نبذة تقدمية للكتاب بعد القراءة يرجى الاسم
لم
يدون في التاريخ قط مثلما دون عن امبراطورية الفرس في تبديلهم الأقنعة مسايرة ومواكبة للمستجدات الأممية من حولهم بما يضمن لهذه الامبراطورية الاستمرار والبقاء إن لم يكن في حال القوة والازدهار، ففي حال الكمون والانتظار، واستمرت هذه الأمة على مدى تاريخ الحضارات الانسانية المكتوبة أمة فاعلة مؤثرة في التاريخ الإنساني كله ان لم يكن بقدرتها العسكرية المسيطرة على الواقع الجغرافي فبثقافتها وعلومها واساطيرها التي تتغلغل في ذاكرة ووعي الأمم المعاصرة مسيطرة على الواقع العقلي والثقافي ، فهذه الأمة التي لا ينكر أحد ما لها من جوانب الخصوصية والتفرد عن سائر الأمم هي تماما كالعنقاء، ما تلبث ان تعود إلى الحياة من تحت الرماد.
وليس من السهل التحقق من بدايات ونشأة هذه الامبراطورية التي ما كانت تنهار إلا لتنهض على انقاض امبراطوريات أخرى بعد أن تستعمل كل ما في جعبتها من مؤامرات ودسائس وفتن لتقوض تجانس وتماسك شعوب تلك الامبراطوريات بما يضمن انهيارها من الداخل وهو انهيار لا قيام من بعده ولا يمكن تحقيق نصر معادل له بأعتى الوسائل العسكرية أو الخطط الحربية، ان تلك الأمة هي الوحيدة التي تمكنت من احتواء طموح الاسكندر المقدوني وتقويض امبراطوريته ووقف تمدد رقعتها فبمجرد استشعارهم للخطر القادم واحساسهم بعدم القدرة على المواجهة مع القوة العسكرية القادمة التى اكتسحت من امامها الدول والامبراطوريات لم يكن هناك بد من سياسة الاحتواء والمهادنة واظهار الانضواء تحت لواء الاسكندر المقدوني، والذي لم يكن في حقيقته إلا ابتلاعا للأسكندر وامبراطوريته معا ، فيذكر التاريخ ادعاؤهم ان له حقا موروثا في عرش فارس ، وما قدومه عليهم الا أن له " إرث أتى لكي يأخذه" ، فقد زوروا له تاريخا ونسبا فجعلوه ابنا لداراب من اباطرتهم والأخ الأخير لدارا الذي اخذ الإسكندر عرشه ، وبالفعل لم يكد الاسكندر يتجاوز حدود أرض فارس نحو كابل وما ورائها من بلاد الهند حتى اندحرت جيوشه وذاق الهزيمة لأول مرة في تاريخه العسكري وتاريخ امبراطوريته الناشئة ، فقد كان من ورائه من وروثوه عرشهم طوعا ، ليرثوا هم مستقبل امبراطوريته بالتبادل ، وما لبث الاسكندر أن مات كمدا وتبددت امبراطوريته بين قواده وملوك الطوائف مما سهل على الفرس ان يستردوا ميراثهم في ما يزيد قليلا عن الخمسين عاما فتمكن ملكهم ارشاق الفارسي من وضع حجر الأساس للأمبراطورية الفارسية الجديدة في دارا وفي غضون خمسين عاما أخري بسطوا نفوذهم على سائر تراب فارس في عهد ملكهم ميتريداتس الأول ، ثم ما لبثوا من جديد أن دخلوا في صراعهم القاري الأزلي مع الشمال الروماني ثم البيزنطي في سبيل السيطرة على قلب العالم القديم .
وبدخول الاسلام إلى بلاد فارس استشعرت هذه الأمة ما للاسلام من قدرة ساحقة على صهر الأمم في بوتقته الخالدة لتتشكل في نسيج واحد متعدد الألوان هو نسيج الأمة الإسلامية، فكان لابد من التفرد داخل هذا النسيج بلون مميز يحفظ لهذه الأمة خصوصيتها ويتيح أن يتوارث أجيالها رماد العنقاء الفارسية في قلوبهم جيلا وراء جيل فكان من افرازات هذا الواقع ان اصبحوا أمة ذات رسالة خاصة داخل مسار رسالة الاسلام الخالدة، رسالة مليئة بالغموض والكهنوت و أساطير التميز، فاحتواء هذه القوة الاسلامية الناشئة لن يكون إلا من داخلها باجتياح ميراثها ليكون ميراثا فارسيا خالصا مرجعه إيمانهم العميق بالحقوق الملكية الموروثة التي أساسها التفويض الإلهي لملوكهم بتدبير هذا الكون الموروث لهم ميراثا خالصا من رب العالمين ، والذي سطره شاعرهم العظيم الفردوسي في رائعته الشاهنامة التي تتناول تاريخ ملوك فارس عبر جو سحري من الاساطير التي تأخذ بالألباب والعقول انبهارا ، وتدفع كل من تجري في عروقه الدماء الفارسية المقدسة ان يتيه فخرا على سائر اجناس المعمورة بما له من مجد تالد وعز مقدور وسلطان قادم
وكان استيلاؤهم على ميراث محمد صلى الله عليه وسلم وآل محمد عليهم السلام العرب القرشيون الهاشميون أول الخطط وأولى المقامات في مدرجة تسطير التاريخ الفارسي الجديد في شاهنامة مقدسة لا يجرؤ أحد من بني الإسلام على النطق بخلاف ما فيها وإلا عد ناصبيا كافرا يحل دمه ويخمس ماله لأنه يناصب آل البيت العداء ويجاهر باجتياح حقوقهم المشروعة في وراثة ملك محمد عليه الصلاة والسلام ، فكان العداء والاستعداء على الخلفاء الراشدين الثلاثة الأول الذين أسسوا لدولة الشوري التي لا وراثة فيها للملك ولا فيها من الحقوق الملكية الوراثية شئ ، الدولة التي قوامها "ان اكرمكم عند الله اتقاكم" ، دولة فتح الله على ثاني راشديها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلاد فارس ، وقوض في عهده ملك الأكاسرة ومات شهيدا بطعنة مجوسي حاقد ، دولة استمر ثالث راشديها عثمان رضي الله عنه في فتوح بلادهم ، فاستحق رضي الله عنه هو وقائده عبد الله بن عامر بن كريز الذي اجتاح خراسان وسجستان وبلاد ما وراء النهر وكابل حيث لم يفلح الاسكندر المقدوني، استحقا ومن قبلهما عمر رضي الله عنه اقذع السباب وأشنع التهم التي لم تطل من قبلهم أحدا حتى ذهب عثمان رضي الله عنه ضحية لأحقاد وتارات فارس ، ودخلت أمة الإسلام كلها في أتون فتنة طالت الأخضر واليابس وخضبت بدماء الطاهرين من اصحاب محمد صلى الله ليه وسلم بطاح دولة الاسلام ، وكان ضحيتهم الأخيرة فيها امام المتقين علي رضي الله عنه الذي اظهروا له التشيع والولاء والمناصرة وفي باطنهم الخذلان وأسمى أمانيهم استمرار الفتنة ، فلم يبتلى نبي مرسل ولا امام راشد في اصحابه وأتباعه مثلما رزأ علي رضي الله عنه في أصحابه وشيعته ، ولم يلق أحد من الخذلان مثلما لقي كرم الله وجهه منهم ومثلما لقي من بعده ابنه الإمام الحسن رضي الله عنه الذي لم يجد مع الخذلان بدا من أن يسلم الأمر لمعاوية ليخرج الأمر من دولة الإسلام الراشدة إلى الملك الأموي العضوض وإلى الأبد ، ولا لقي أحد من صنوف الخذلان ما لقيه سيد الشهداء حسينا رضي الله عنه من أهل الكوفة الذين تاجروا بدمه أخس التجارة ، فقد أرادوا أن يصنعوا شهيدا لهم يتباكون عليه ويبكون الأمة معهم ، وليخصوا ذريته من زوجته الفارسية شهربانو بنت يزدجرد بن شيرويه بن كسرى بالملك والإمامة والوصاية والولاية دون ذرية الحسن رضي الله عنه ، ليعود كرسي الملك من جديد في الأمة الفارسية ويستمر في ذرية الوريثة الأخيرة لملك كسرى ممثلا في الإمام علي زين العابدين رضي الله عنه ، ولم يكن آل محمد رضي الله عنهم جميعا العرب القرشيون الهاشميون الأئمة الهادون المهتدون باللقمة السائغة لأطماع هؤلاء المتربصين من الفرس على مر تاريخهم ، فقد كانوا رضي الله عنهم جميعا معصومين حقا من التردي لتلك الدركات ، فلما استيأسوا من استمالة أي منهم ليدور في رحاهم نحلوا ابنا للحسن العسكري رضي الله عنه الذي لم يكن له من عقب ، لا ابنا ولا بنتا ، وأسموه محمدا وجعلوه الإمام الثاني عشر، ومن ثم ادعوا غيبته في السرداب ، وحكموا باسمه حتى اليوم كأوصياء على آل محمد وعلى سائر أمة محمد ، وعلى سائر الأمم فمن مروياتهم أن أمرأة الحسن العسكري رضي الله عنه التي هي أم محمد " المهدي المنتظر" كانت حفيدة شمعون الصفا وصي عيسى بن مريم عليه السلام وابنة ملك الروم في عهد الحسن العسكري رضي الله عنه ، فهم الأوصياء على سلالة ملوك الفرس وملوك الروم وخلاصة آل المسيح وآل محمد ، فماذا بقي للعالم بعد من حجة ليسلم الملك لأهله والأوصياء عليه ، ماذا بقي للعالم من حجة ليدفعوا رقابهم وأخماس أموالهم راضين مستبشرين لآيات الله في قم .
ان تاريخ سدنة وكهان ومنظري هذه الأمة الفارسية المتشيعة وسط محيطها العربي الاسلامي تاريخ كله لم ينبئ عن خير نال الأمة العربية المسلمة من جيرانها حراس ملك الأكاسرة ، والذين ينبغي لهم بحكم رابطة الدين أن يكونوا ناصحين لهذه الأمة التي هم جزء من كيانها الأكبر، لا مترقبين منتظرين هلاكها ، وتاريخ المؤامرلت حافل دائم بدءا من اغتيال عمر رضي الله عنه "إله الناصبة" بزعمهم على يد أبي لؤلؤة المجوسي "رضي الله عنه" بزعمهم أيضا ، مرورا باغتيال عثمان رضي الله عنه والفتنة الكبرى ، ثم خيانة الحسين رضي الله عنه ، مرورا بما كان بين الأمين والمأمون من حرب هلك فيها الكثير من المسلمين ، وما كان من ابن العلقمي الفارسي ونصير الدين الطوسي الذان أغريا التتر باجتياح بلاد الاسلام واسلما لهم بغداد ورقبة آخر خلفاء بني العباس ، وما كان من الشيعة الباطنية في الشام من تسليم الثغور للصليبيين والعدوان على حياة محمود زنكي ومحاولاتهم المستميتة للنيل من صلاح الدين الأيوبي ، وانتهاء بما فعله الأحفاد من حركة أمل بلبنان ووأدهم للجهاد الفلسطيني وقتلهم الأبرياء من الفلسطينيين في صابرا وشاتيلا الأولى ، وانتهاءا ببيعهم العراق بأخس الأثمان التى لم ينالوا منها إلا الفتات في سلم الحكم الموعود فجعلوا همهم وواجبهم هو التطهير العرقي لكل من هو سني ناصبي من أهل العراق وجعلو ذلك جهادهم الأقدس وقربتهم إلى خالق البشر بقتل اخوانهم من البشر .
لقد ورث الكهنة والسدنة الكسرويون الفرس أتباعهم من الشيعة في كل مكان من العالم كراهية كل ما هو عربي وكراهية كل مذهب اسلامي نشأ في المحيط العربي الذي يعيشون فيه متدرعين بما سنه لهم أئمتهم من سنة الخداع والمداهنة والكذب معتدين على ما شرعه رب العالمين للمؤمنين حماية لدينهم من طغاة الكفر إذا ما فتنوهم في الدين من رخصة التقية فجعلوها مذهبهم مع من يفترض اشتراكهم معهم في الدين من إخوانهم المسلمين من المذاهب الأخري وسموا أتباع هذه المذاهب بالنواصب وهم سائر مذاهب أهل السنة وغيرهم من مذاهب الاسلام وحكموا على عوامهم وخواصهم وأعيانهم وشمولهم بالكفر لا يستثنون أحدا وزعموا أن قتل الناصبي قربة إلى الله تعالى وماله طيب حلال الأكل شريطة أن يطهره مجتاحه فيرسل خمسه إلى المرجعيات الدينية نواب الإمام المهدي الأتقياء الأنقياء الأوصياء على آل محمد، آيات الله في قم .
إن الأمر جد خطير، ويزداد خطورة مع ما يحيكه أعداء الإسلام الحقيقون بالعداوة من اشاعة الفوضى الهدامة أو "الخلاقة" بزعمهم عن طريق اذكاء الثورات التي تنتهي ببلاد المسلمين بلا حكومات والتي عمادها أن يصطرع المسلمون فيما بينهم بسائر مذاهبهم وأطيافهم منطلقين من تلك النقطة التي توقفوا عندها منذ الفتنة الكبرى ، فيصطرعون فيما بينهم كرافضة وناصبة وخوارج ، ويفني بعضهم بعضا في جهاد مقدس ينتهى لا بأقامة دولة للإسلام بل بمن سيبقى على قيد الحياة حينئذ ليكون جديرا بالركوع عند قدمي المنتصر الحقيقي بلا حرب خاضها .
هذه المؤامرة التي سلاحها الأخطر هو جهل ابناء الإسلام بما يحاك لهم ويدبر هي ما يشغل بال كل ذي لب من هذه الأمة وكل حريص على مستقبل هذا الدين ، الدين الواحد الكامل دين الإسلام الذي جاء به محمد عليه وعلى آله الصلاة وأتم التسليم بلا فرقة وبلا تشتت ولا عصبية مذهبية كانت أو عنصرية ، ذلك الدين المفترق الذي سلكنا به مذهب الأمم السابقة فتفرقنا أمرنا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون يرون ما انشعبوا عليه هو وحده الاسلام ويعدون انفسهم الفئة الناجية المنصورة وكلهم في التهلكة سقطوا بما استباحوا من دماء وأموال وأعراض اخوانهم من المسلمين.
والحق أنه لن تنتصر هذه الأمة إلا بما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل أن يكسر الباب الذي كان بيننا وبين الفتنة المظلمة وذلك يوم أن نكون أمة ترى في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الأبرار الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا بين يدي نبيهم حتى أعلوا كلمة الحق نجوم الهدى بأيهم اقتدينا اهتدينا فهم الصالحون الراشدون ومنهم خلفاء المصطفى صلى الله عليه وسلم ، أمة ترى في آل محمد الأبرار الأتقياء الأنقياء الأطهار الأخيار الأعلام مصابيح الدجي التي يتبدد ظلام الجاهلية من حولها ، متخذين طريق امام المتقين على نبراسا ، وتراث الحسنين منهاجا، وما صدع به السجاد في وجه الطغيان نشيدا ، وما نطق به جعفرالصادق المصدوق رضي الله عنه حكمة وهدى ، وما دان به موسى الكاظم تاريخ أمة باعت دينها بدنياها فداما لكلاب بني أمية النابحون حتى اليوم في عرصات الحكم السرمدي ، وكل ذلك لا يستدعي من الأمة تشيعا لآل كسرى ، فمال آل كسرى بتراث آل محمد عليه الصلاة والسلام الذي قال عن يهود نحن أولى بموسى منهم ، فنحن المسلمون من العرب أولى بتراث آل محمد العرب القرشيون الهاشميون من الفرس الذين أجتاحوه منا ونصبوا أنفسهم سدنته وحرسه على مر التاريخ طالبين الباطل بدعوى كلها حق .
لن ننتصر أبدا بمن يسبون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويصفونهم بالكفر ، لن ننتصر أبدا بمن لا يرون دينهم كاملا إلا بسب ابي بكر وعمر رضي الله عنهما ، لن ننتصر أبدا بمن يتهمون أمهات المؤمنين في أعراضهن ، لن ننتصر بلاعني عثمان الشهيد البار الذي لم يكن في مثل حلمه مع مروجي الفتنة القادمة من بحر اليمن أحد ، والذي تركهم حتى قتلوه ونهى أن يقاتلهم دونه أحد من المسلمين فتستعر الفتنة ، بل تصدق عليهم بما نالوه من عرضه في حياته وبدمه بعد مماته ، لن ننتصر أبدا بمن يسبون عليا رضي الله عنه ولا بمن يغلون فيه غير الحق .
لن ننتصر بمن يحتكرون الدين والسنة والجماعة والسلف والخلف ويصدرون فتاوى التكفير من غرفهم مكيفة الهواء على سائر مذاهب المسلمين وطرقهم ومشاربهم ، ويضلون شباب الأمة ليخرجوا بالسلاح على أوطانهم وإخوانهم وذوي أرحامهم ، ثم يرون الاستعانة بالكفارعلى قتال إخوانهم من المسلمين من المباحات ، وتسليم أوطانهم لجند الصليب من الكرامات ، لن ننتصر بكل هؤلاء فما هم إلا رموز الفتنة الكبرى يلتحف كل فريق منهم بعباءة فئة ممن ساروا فيها ، يعيشون على أحقادها ويتكسبون من ضغائنها حتى اليوم ،
أيها الناس ان دينكم كل متفرق ، فلا يجرمنكم شنآن قوم أن تنكروا ما تفرق لديهم من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم وحرمتم علمه والعمل به بدعوى المخالفة المذهبية ، فلا عذر لأحد اليوم في عصر يمكنك فيه أن يجتمع أمامك كل تاريخ أمتك بل كل تاريخ العالم وكتبه وتراثه وما علمه اسلافك وما لم يعلموه في طرفة عين ، لا عذر لأحد لأن يصم أذنيه ويغشى عينيه عن أن يطالع هدي محمد عليه الصلاة والسلام أينما كان ومع من كان ، حتى لا يبقى أحد من أشياع التحزب والتفرق يدعي لنفسه ولأتباعه الاستئثار بالحق ، ويرمي من عداه بالضلال .
أيها الناس إن دينكم كل متفرق ، فكونوا كما أثنى عليكم ربكم تستمعون القول فتتبعون أحسنه ، وثقوا أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة أبدا ، فاخلعوا ربقة التقليد ودين العادة وما أفرغه أساطين التحزب والتفرق الفرحون بما أوتوا في عقولكم وأقفلوها عليه وأوحوا إليكم أن لا زيادة على ما أعطيناكم ولا نقصان لما آتيناكم ، الذين جعلوا أنفسهم الفئة المنصورة الناجية ومن عداهم من المسلمين خوارج وروافض ومعطلة ومعتزلة ومرجئة إلى آخرها من الصفات التى أنزلوها بإخوانهم من المسلمين لمجرد الاختلاف في فروع ليست من أصول العقيدة ولا من أركان الدين .
ايها الناس إن دينكم كل متفرق ، فلا يجرمنكم فحش الخائضين في صحابة محمد عليه الصلاة والسلام فنترك تراث آل محمد ومحبتهم وموالاتهم يجتاحه كهنة الفرس ، بل نحن أولى بكل ذلك منهم ، نأخذه وندع عنا موالاة كسرى وآل كسرى، وأنتم أيها المسلمون الذين أضلهم سادتهم وكبرائهم المغترون بمهديهم المنتظر ليذبح مخالفيهم ذبح النعاج ، أولى بكم أن ترعوا الله في حرمات دماء وأموال المسلمين فكلها عليكم حرام ، وكفاكم ما فعلتم بإخوانكم المسلمين في العراق والشام ، واعلموا أن ما أشربتموه في قلوبكم انما هي تارات كسرى لا تارات آل محمد ، فلعمري فإن أئمة الضلال هؤلاء هم من قتلتوا آل محمد بالمكر بهم وخذلانهم لا غيرهم ، وما فرضوا عليكم من النياحة واللطيم إلا شاهد العدل علي فعلهم ولبئس ما فعلوا .
ان هذا الكتاب ما هو إلا صرخة صادقة للعقلاء من هذه الأمة لكي لا يغتروا بالأطروحة الكهنوتية الفارسية المتشحة بعباءة التشيع لآل بيت المصطفى ساداتنا الأبرار رضي الله عنهم جميعا ، صرخة موجهة لجميع المسلمين بشتى أطيافهم ومذاهبهم لا نستعدي أحدا على أحد ، وإنما همنا الأول هو التنبيه على خطورة أتون الفتنة القادمة التي ستنزلق فيها هذه الأمة لا محالة إن لم نعي الدرس ونستوعبه ، وإن لم نتجرد عن دعاوى الفرقة والمذهبية الحمقاء التي يذكي أتونها دعاة من الشرق ودعاة من الغرب وأمة الإسلام بين حجري الرحى ، صرخة علها تجد طريقها لقلوب الصادقين من هذه الأمة قبل آذانهم .
إن مكمن الخطورة فيما نريد التنبيه إليه هو اتشاح الأحقاد التاريخية والنعرة القومية والأطماع السياسية والأحلام الإمبراطورية الفارسية بعباءة الإسلام من خلال أحد مذاهبه الصحيحة في عقيدتها المعتبرة في منظومتها الفقهية وهو مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية ، وليس هذا الكتاب مجالا لتناول هذا المذهب الإسلامي المعتبر، وإنما مجاله التنبيه على ما داخله من آراء فقهية أو عقائدية في ظاهرها ، وهي في الحقيقة سياسية بالدرجة الأولى في مبناها ومسعاها ومنتهاها ، على الرغم مما بذله الأئمة الأخيار من آل محمد عليهم رضوان الله من التوضيح والبيان والإفهام لهؤلاء الغلاة الذين ابتلوا بتشيعهم لهم أكثر مما استفادوا من نصرتهم ، بدءا بإمام المتقين علي الذي بلغ في شدته مع الغلاة منهم أن حرقهم بالنار ، مرورا بجعفر الصادق رضي الله عنه الذي تبرأ من الكثير مما ينحلونه على أئمة الهدى، وانتهاءا بالكثيرين من المستنيرين من أبناء هذا المذهب ومرجعياته الأفاضل الذين لم يألوا جهدا في افهام العوام حقيقة ما تنطوي عليه أقوال الغلاة من خطورة هدامة ، على الرغم من كل ذلك فهناك من الآثار والأراء التي لا مرد لها إلا التحزب السياسي والعرقي ما بلغت معه لتواترها حد التأصل والثبات واعتبارها من لوازم الدين التي لا يجوز أن يتعبد الله بغير وجودها ، ولم نسقها إلا على سبيل المثال لتوضيح ما يراد لهذه الأمة التي عظم سلطان الدين في قلوب ابنائها، مما سهل لكل من اتخذ الدين مطية لمآربه السياسية وأحقاده وتاراته التاريخية أن يجد من يطيعه طاعة عمياء حبا في الدين وقربة إلى الله ، حتى بلغت مرارة تلك الثمرة أن يخاض في عرض محمد صلى الله عليه وسلم وأمانته في التبليغ عن ربه ، ويسب أصحابه رضوان الله عليهم ويتهمون بالكفر من بعده ، وأن يستحل المسلم من المسلم دمه وماله وعرضه ، وأن يندرج المسلمون الشيعة في منظومة دينية اقتصادية وعسكرية بالغة التعقيد والدقة والتنظيم لا تأتمر سوى لمرجعياتها الدينية الفارسية في قم ، ولا هم لها إلا خيانة أوطانها التي تتواجد فيها ، واستبطان الكراهية لإخوانهم المسلمين من مخالفيهم ، والسعي لتقويض أمن مجتمعانهم واستقرارها الاقتصادي بتصدير الأخماس من كل مال تطاله ايديهم خارج تلك الأوطان مباشرة إلى المرجعيات في قم ، ونشر الفتن بشتى أنواعها ، بل ويمتد نشاط تلك الجماعات إلى تخزين السلاح لحين الحاجة ، وعندها لن يكون موجها إلا إلى نفس المجتمعات التي هم مواطنوها ، والتى أصبحوا فيها طابورا خامسا فارسيا ينتظر اللحظة الحاسمة لهدم كيان الأمة كلها.
ولا نريد من القارئ أن يظن أن مدار هذا الكتاب هو الطعن على الشعب الفارسي المسلم ، والذي لا يمكن لعاقل مسلم أن يتجاهل دوره الحقيق في نصرة هذا الدين النصرة المرجوة منهم ، فهم محل ثناء المصطفى صلى الله عليه سلم الذي قال : " لو كان العلم بالثريا لناله أناس من فارس"، ومن هذه الأمة سلمان الفارسي ، الذي تباهى الحاضرون معه أمام النبي محمد بأحسابهم وأنسابهم ، أما هو فلم يقل أنه سليل الملوك من فارس ، وإنما قال بكل هدوء المؤمن : أنا ابن الإسلام ، فكان حقيقا أن يكون من آل بيت النبوة كما قال عنه رسولنا الأكرم عليه وعلى آله الصلوات الطيبات : "سلمان منا آل البيت" ، ان عز هذا الشعب الكريم لا يكون إلا بالإسلام وحده ، تلك الحقيقة التي أدركها سلمان رضي الله عنه ، والتى نرجو لهذا الشعب الفارسي أن يدركها فيكونوا كلهم سلمان ، أبناء الإسلام الحقيقون بمحبة آل بيت النبوة ، ولكن محل البيان في هذا الكتاب هو دحر افتراءات طغمة الكهنوت الباقية المهيمنة منذ القدم ، سدنة كسرى وملك كسري والمتسلطون على مقدرات هذا الشعب وعلومه وتاريخه الفكري إلى اليوم ، الطغمة الحاكمة التي لا هم لها سوى الامبراطورية ، وأحلام الامبراطورية .
سنتناول في هذا الكتاب تاريخ السعي الحثيث لإعادة إقامة الإمبراطورية الفارسية في العصر الحديث عبر مراحل ثلاث هي الدولة الصفوية ثم البهلوية ثم المرحلة الأهم والأخطر ذات المحتوى غير الإقليمي المحدود بحدود ايران التاريخية ، وإنما لكل أرض العالمين الموعودة بمشارقها ومغاربها للقائم المنتظر حفيد كسرى وهرقل ومحمد ، عهد الجمهورية الإسلامية وتصدير الثورة ، فلم تعد كلمة الإمبراطورية المرعبة مناسبة أو متسقة مع عصرنا الحالي وولع الأمم باللعبة الديموقراطية ، فلتكن جمهورية في سبيل الوصول إلى الحق الإلهى الموروث في حكم رقاب العالمين .
وسنتناول في هذا الكتاب ايضا المسالك والسبل والطرق الكهنوتية الكسروية المحكمة في اضفاء الصبغة الدينية على خطط تاريخية سياسية واقتصادية وعسكرية منتهى مسعاها الوصول للحلم الامبراطوري ، ليس فقط بارتداء عباءة الدين الاسلامي الحنيف أو المذهب الشيعي الإمامي ، بل بامتطاء هذا الدين وشد عنانه ولي عنقه إذا لزم الأمر باختراع أحكام فقهية، والتنظير لمباحث عقائدية ليسير الدين مع أحلامهم حيث سارت ، وليخدم أهواءهم حيث اتجهت .
الباحث فتحى عثمان
|
 |