بسم الله الرحمن الرحيم
" وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وإِنّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * اُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَاُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ "
تعريف الصبر
هو حبس النفس عن الجزع ، واللسان عن الشكوى ، والجوارح عن ارتكاب المحرمات .
وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها .
قال الجنيد في الصبر : " هو تجرع المرارة من غير تعبس "
وقال ذو النون : " هو التباعد عن المخالفات ، والسكون عند تجرع غصص البلية ، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة "
والصبر للنفس بمنزلة الخطام والزمام ، فهو الذي يقودها في سيرها إما الى الجنة أو الى النار
والصبر عن ما حرم الله أيسر من الصبر على عذابه " رحمنا الله "
فضل الصبر
قال تعالى ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب ٍ)الزمر
وقال تعالى ( إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين َ) البقرة
وقال تعالى ( وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِين َ) آل عمران
وهذا دليل على محبة الله سبحانه وتعالى لعباده الصابرين
وقد قال أحد السلف وقد عُزي على مصيبة وقعت به : مالي لا أصبر وقد وعدني الله على الصبر ثلاث خصال ، كل خصلة خير من الدنيا وما عليها .
الخصال التي وعد الله تعالى بها عباده الصابرون على الابتلاء
((أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ))
1- عليهم صلوات من ربهم
2- ورحــــمـــته لــــــــــــهم
3- وهــــــدايــته إياهـــــــــم
أنواع الصبر
حددها أهل العلم بثلاثة أنواع
* الـــــصبر على طاعـــــة الله
* الصـــبر عن معــــــصية الله
* الصبر على قضاء وقدر الله
الصبر على طاعة الله
فهو صبر على الشدائد ، لأن النفس بطبعها نفارة .. فربما تنفر أحياناً عن الصلاة بسبب إيثار الراحة والنوم والانشغال ، وربما تنفر من الزكاة بسبب حب المال والطمع والبخل أحياناً ، وتنفر من الصيام بسبب الجوع والتعب وتنفر من الحج بسبب الجهد فالحج جهاد ومشقة ، ولا أبالك النفير من الجهاد في سبيل الله ولهذا النفر أسباب جمة أختلقها العبد لنفسه .
الصبر عن المعاصي
وهي حبس النفس عن الوقوع فيما حرم الله كالشهوات المحرمة لذلك حذرنا المصطفى عليه الصلاة والسلام عندما قال ( وحفت النار بالشهوات ) وأعظم ما يعين عليه ترك المألوف والابتعاد عن كل ما يعين على المعاصي ، كالنظرة المحرمة ، والقول المحرم ، ومجالسة السفهاء ، والسكوت عن الحق .
الصبر على البلاء
قال تعالى ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) البقرة
كيفية الصبر على الابتلاء
* حبـــــس اللسان عن الشــــــكوى لــــــــغـــير الله تعالـــــــــــى .
* تنقـــــــــية القلـــــــــب عن السخــــــــط والجــــــــــزع واليأس .
* مسك الجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب وضرب الصدور .
فعن أم سلمة رضي الله عنه قالت :
قال رسول الله عليه الصلاة والسلام ( إذا أصاب أحدكم مصيبة فليق : إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأجرني فيها ، وأبدل لي بها خيراً منها ) رواه أبو داوود
فلما احتضر أبو سلمة رضي الله عنه قال : اللهم اخلفني في أهلي خيراً مني . فلما قُبض قالت أم سلمة : إنا لله وإنا إليه راجعون ، عند الله أحتسب مصيبتي .
فسبحان الله .. أكرم الله أبي سلمة وأم سلمة رضي الله عنهم وأرضاهم وأخلفهم في مصيبته .. حيث تزوجها أكرم الخلق عليه الصلاة والسلام .
مراتب الصبر
ثلاثة مراتب ذكرها ابن القيم رحمه الله
الصبر بالله / الصبر لله / الصبر الصبر مع الله
الصبر بالله
وتعني الاستعانة به ورؤيته أنه هو المصير ، وأن صبر العبد بربه لا بنفسه كما قال تعالى ( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّه ِ) النحل
الصبر لله
وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله تعالى ، والتقرب إليه لا لإظهار القوة والتفاخر بها والتظاهر بالتحمل .
الصبر مع الله
وهو دوران العبد مع مراد الله منه ومع أحكامه ، صابراً نفسه معها ، سائراً بسيرها ، مقيماً بإقامتها ، يتوجه معها أينما توجهت ، وينزل معها أينما نزلت جعل نفسه وقفاً على أوامر الله ومحابه .
وهذا أشد أنواع الصبر وأصعبها ، وهو صبر الصديقين .
قال الجنيد : ( المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن ، وهجران الخلق في جنب الله شديد ، والمسير من النفس إلى الله صعب شديد ، والصبر مع الله أشد )
الصبر في القرآن الكريم
ذكر ابن القيم رحمه الله كثيراً من المواضع التي ورد بها الصبر في القرآن الكريم
، ونقل عن الإمام أحمد رحمه الله قوله : ( ذكر الله سبحانه الصبر في القرآن الكريم في نحو تسعين موضعاً )
وهنا بعض الأنواع التي سيق فيه الصبر في القرآن الكريم :
1- الأمر به كقوله تعالى (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّه ِ) النحل
وقوله تعالى ( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ) الطور
2- النهي عن ضده وهو الاستعجال كقوله تعالى (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) الأحقاف
3- الثناء على أهله ، كقوله تعالى : ( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) البقرة
4-تعليق النصر والمدد عليه وعلى التقوى كقوله تعالى : (بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ )آل عمران
5- الإخبار بأن الفوز بالمطلوب المحبوب ، والنجاة من المكروه المرهوب ، ودخول الجنة وسلام الملائكة عليهم إنما نالوه بالصبر
كما قال تعالى : (وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) الرعد
6-الإخبار أنه إنما ينتفع بآيات الله ويتعظ بها أهل الصبر ، كقوله تعال : (وَلَقَد ْأَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) إبراهيم
7- الإخبار أن خصال الخير والحظوظ العظيمة لا يلقاها إلا أهل الصبر كقوله تعالى: (وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) القصص
وقوله: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) فصلت
8- تعليق الإمامة في الدين بالصبر واليقين ، كقوله تعالى : (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) السجدة
9-أن الله أثنى على عبده أيوب عليه السلام ثناءً حسناً وذلك على صبره فقال : ( إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب ٌ) ص
10- قرن سبحانه وتعالى الصبر بأركان الإسلام فقال : ( وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) البقرة
11- كذلك قرنها سبحانه وتعالى بالتقوى وهي من أكبر المنازل في قوله تعالى : ( إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) يوسف