الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ... وبعد
فهذه فوائد متعلقة بأحكام يوم عاشوراء جمعتها لنفسي ولمن يراها من إخواني ملخصة من كلام أهل العلم ليكون في ذلك ذكرى لنا جميعا بالهدي النبوي الصحيح المتعلق بأحكام هذا اليوم العظيم ونحذر من كل ما أحدث فيه من البدع فإن كل بدعة ضلالة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم.
معنى عاشوراء
عاشوراء كلمة معدولة عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، إذ هو في الأصل صفة لليلة العاشرة. فإذا قيل يوم عاشوراء فالمعنى يوم الليلة العاشرة، ثم غلبت عليه الاسمية فصار هذا اللفظ علماً على اليوم العاشر.
تعيين هذا اليوم
عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر المحرم، وهذا هو قول جمهور أهل العلم. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنه ما يدل على أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن الحكم بن الأعرج أنه قال: انتهيت إلى ابن عباس رضي الله عنه وهو متوسد رداءه في زمزم فقلت له أخبرني عن صوم عاشوراء؟ فقال: (إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائماً.) فقلت هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قال: نعم.
والصحيح ما قاله الجمهور، وهو أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر، وهو ظاهر الأحاديث ومقتضى إطلاق اللفظ، وهو المعروف عند أهل اللغة بل قد جاء عن ابن عباس رضي الله عنه ما يدل على ذلك، ففي صحيح مسلم عنه أنه قال: (حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع.) فلم يأتِ العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففي هذا الحديث تصريح بأن الذي كان يصومه صلى الله عليه وسلم ليس هو التاسع فتعين كونه العاشر.
بيان أن صومه كان واجباً ثم نُسخ
دلت الأحاديث الصحيحة على أن صيام يوم عاشوراء كان واجباً في أول الأمر ثم نُسخ وجوبه وبقي استحبابه، ومن تلك الأحاديث ما يلي:
1 ـ عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه، فلما فُرض رمضان ترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه). متفق عليه.
2 ـ عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (صام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر الناس بصيامه فلما فُرض رمضان ترك). متفق عليه.
3 ـ عن عبد الرحمن بن يزيد قال: (دخل الأشعث بن قيس على عبد الله ـ يعني ابن مسعود رضي الله عنه ـ وهو يتغدى فقال: يا أبا محمد ادنُ إلى الغداء فقال: أوليس اليوم يوم عاشوراء؟ فقال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ قال: وما هو؟ قال: إنما هو يوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان فلما نزل شهر رمضان ترك). متفق عليه.
4 ـ عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من أسلم أن أذن في الناس أن من أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء). متفق عليه.
5 ـ عن الربيع بنت معوذ رضي الله عنها قالت: (أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائماً فليُتم صومه ومن كان أصبح مفطراً فليتم بقية يومه). قالت: فكنا بعد ذلك نصومه ونصوِّم صبياننا ونذهب بهم إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه تلهيهم حتى يتموا صومهم. متفق عليه.
6 ـ عن محمد بن صيفي رضي الله عنه قال: (قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء: منكم أحد طعم اليوم؟) قلنا منا من طعم ومن من لم يطعم. فقال صلى الله عليه وسلم: فأتموا بقية يومكم من كان طعم ومن لم يطعم، فأرسلوا على أهل العروض ـ يعني من حول المدينة ـ فليتموا بقية يومهم). رواه النسائي وابن ماجه.
7 ـ وعن عبد الله بن بدر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم يوماً: (هذا يوم عاشوراء فصوموا. فقال رجل من بني عمرو بن عوف: يا رسول الله إني تركت قومي منهم صائم ومنهم مفطر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب إليهم فمن كان منهم مفطراً فليتم صومه). رواه أحمد.
فدلت هذه الأحاديث على أن صوم عاشوراء كان واجباً لما يلي:
1 ـ لثبوت الأمر بصومه.
2 ـ ثم تأكد الأمر بذلك.
3 ـ ثم زيادة التأكيد بالنداء العام.
4 ـ ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك.
5 ـ ثم إن قول ابن مسعود صلى الله عليه وسلم المتقدم (لما فُرض رمضان تُرك عاشوراء) يدل على أن المتروك هو وجوبه لأن استحبابه باقٍ كما سيأتي.
|
 |