أول تاريخ لطرح فكرة قوات التدخل السريع وتطوراتها :-
وليس ( مبدأ كارتر ) هو صاحب فكرة قوة ( التدخل السريع ) ، ولكنه هو المبدأ الذي دفع إلى إحياء فكرة قوة ( التدخل السريع ) القديمة ، و يعود تاريخ طرحها ، إلى أواخر السبعينات الهجرية أوائل الستينات الميلادية ، عندما طرح ( روبرت ما كنمارا ) وزير الدفاع الأمريكي آنذاك ، مبدأ ( الرد المرن ) بدلاً من مبدأ ( الرد الشامل ) النووي ، الذي ساد في عهد (إيزنهاور ودالس ) ، فقال ( بأن نظرية الرد الشامل لم تعد تفي بالغرض المطلوب ، في حال نشوب أزمة أقل حدية من الأزمات النووية والمواجهات الشاملة مع الاتحاد السوفيتي ، ويرتكز مبدأ ( الرد المرن ) على توسيع القدرات القتالية التقليدية – أي غير النووية – لمجابهة الحركات التمردية ، أو الحروب الشعبية أو الأزمات المحلية المحدودة ، وطرح إنشاء قوات ضاربة تقليدية متحركة تستطيع التدخل في المناطق النائية وبسرعة وفعالية ) ، إلا أن اقتراحه هذا رفض من قبل الكونجرس الأمريكي في وقته .
وبعد أزمة الطاقة عام 1393هـ 1973م أثارت هذه الأزمة النقاش حول هذا الطرح ، الذي كان بمثابة العلاج لخطر فقدان السيطرة الأمريكية على مصادر النفط .
وحاول ( كيسنجر ) عندما كان وزيراً للخارجية الأمريكية عام 1394هـ 1974م بحث إمكانية قيام قوة أوروبية أمريكية لحماية مصادر النفط ، إلا أن حلف (الناتو ) رفض ذلك لأسباب سبق ذكرها ، وبعد استلام الرئيس ( كارتر ) السلطة عام 1396هـ 1976م بعث فكرة ( قوات التدخل ) من جديد ، عن طريق مبدئه .
ويرجع أول نقاش مخصص لمهام وتشكيل وتنظيم قوات (التدخل السريع ) في الكونجرس إلى شهر ربيع الثاني لعام 1401هـ 1981م ، ويأتي هذا النقاش المخصص بعد أن مرت قوات ( التدخل السريع ) بمراحل عديدة منذ أن قررت إدارة الرئيس السابق ( كارتر ) إنشاء هذه القوة عام 1397هـ ثم قامت بالخطوة الأولى عام 1399هـ ، حتى تبلورت الفكرة بشكل كامل من جميع جوانبها ، ودفعت أحداث المنطقة كسقوط الشاه والغزو السوفيتي إلى المسارعة باتخاذ الخطوات العملية لتفعيل هذه القوة ، وقد دفعت هذه التطورات وزير الدفاع الأمريكي ( كاسبر واينبرغر ) آنذاك أن يقول أمام لجنة الدفاع والشئون الخارجية التابعة للكونجرس في شهر ربيع الثاني لعام 1401هـ ( بأن الحاجة باتت ملحة لاحتفاظ الولايات المتحدة لوجود دائم لقواتها في مناطق النفط وحول طرق مواصلاته ) .
وقد وضعت أمريكا حلولاً أخرى تكون بديلة أو مساندة لهذه القوة ، وكان من أفضلها إيجاد قوات حليفة في المنطقة تقوم بدور الحارس على المصالح الأمريكية ، إلا أن أمريكا لا يمكنها أولاً أن تتكل على وكيلها ، ثم إن تكاليف إنشاء هذه القوات يحتاج إلى مبالغ ضخمة ليتم إنشاؤها من الصفر ، لا سيما أن الخشية من قيام نظام جديد يعقب أو يطيح بالوكيل ، يهدر جميع التجهيزات العسكرية الأمريكية في ليلة واحدة وربما تستخدم ضدها فيما بعد .
وكان من ضمن الحلول طرح صيغة للتعاون الأمني المحلي على مبدأ ( نيكسون ) ، تقدم ( هارولد براون ) باقتراح إمكانية قيام حلف عسكري محلي سماه ( ميتو ) على طراز ( ناتو ) ، عرضه على دول المنطقة التي لم تتجاوب مع هذا العرض .
فلم يكن من أمريكا إلا أن تمضي قدماً وبكل قوة نحو إنشاء قوات ( التدخل السريع ) ، وهو الرد الأمريكي العملي والعملياتي الأفضل بالنسبة لهم للمعطيات الاستراتيجية التي تواجهها المنطقة .
علماً أن اعتمادهم على قوات ( التدخل السريع ) لا تعني أن خيارات البدائل قد سقطت أو أهملت ، فهم قد استخدموا البدائل ، بحسب الحاجة لها ، وعلى قدر محدود ، فالتعاون الأمني والدفاعي المشترك لم يتم باسم ( ميتو ) ولكنه تم إلى حد ما باسم ( مجلس التعاون الخليجي ) ، والقوات الحليفة حصلت مع شاه إيران والسادات وأخيراً مع صدام قبل أن يتمرد عليهم ، فالحلول الأخرى سوف تستخدم ولكن بقدر محدود ، مع التأكيد على أن قوة ( التدخل السريع ) هي المرتكز لتنفيذ جميع المتطلبات الأمريكية في المنطقة .
تعداد القواعد الأمريكية في العالم :-
ولم يكن طرح إنشاء قوات ( التدخل السريع ) بالنسبة لأمريكا ، طرحاً عاماً للتدخل في جميع العالم ، ولكن الطرح لهذه القوات هي أن تخصص فقط للمنطقة ، وتكون على أهبة الاستعداد للنزول في المنطقة أو التمركز فيها ، فقد بلغت القواعد الأمريكية قبل طرح مشروع ( التدخل السريع ) ، وتحديداً في عام 1396هـ 1976م ، حوالي 300 قاعدة ومنشأة عسكرية في العالم، تتوزع هذه القواعد على 30 دولة لتأمين مصالحها ، ويقدر عدد العسكريين في تلك القواعد والمنشآت في العالم بحوالي 463 ألف جندي ، قبل أن تنحسر حيث كانت تبلغ 504 آلاف جندي في عام 1395هـ ، وصرح وزير الدفاع الأمريكي ( باول ) في أول شهر ربيع الأول لعام 1411هـ أن الولايات المتحدة أغلقت 150 قاعدة في أوروبا نهائياً ونقلتها إلى الخليج بعد أن ظلت هناك 45 سنة ، وإذا كانت أمريكا أغلقت 150 قاعدة في أوروبا بعد حرب الخليج الثانية ، لتنقلها إلى قواعدها الجديدة السرية في الخليج على الأراضي الكويتية والقطرية والسعودية والعمانية والبحرينية والإماراتية ، فكم ستغلق من القواعد حتى تنقلها إلى العراق ؟ التي ترى أنها حررتها بدماء أبنائها ، وهي التي لن تراعي أحداً بالتواجد العلني لها في العراق .
القواعد الأمريكية في المنطقة وأساليب عملها ، وأساليب قوات التدخل السريع :-
وبعد إنشاء قوات ( التدخل السريع ) يعتبر التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة حالياً أضخم تواجد عسكري مباشر منذ عام 1400هـ 1980م ، وهو يشكل طوقاً حصارياً للمنطقة من جميع جوانبها البرية والبحرية ، فهي تتمركز بأكبر من عشرين قاعدة في تركيا وحدها ، ولها قواعد في ليونان والحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ، مروراً بمصر والقرن الأفريقي وأهمها كينيا ، وحتى بحر العرب والبحر الأحمر ومياه الخليج ، ولها قواعد و تسهيلات في عمان والكويت وقطر والسعودية والبحرين والإمارات والعراق والأردن ، وأهمها فلسطين برعاية الصهاينة ، وتنتشر القوات البحرية الأمريكية بشكل عام في كافة المياه المحيطة بالمنطقة ، امتداداً من مضيق جبل طارق غرباً وحتى شبه القارة الهندية شرقاً ، ويشكل الأسطولان السادس والسابع أساس القوات الأمريكية المعدة للعمل في هذا الجزء من العالم ، والأسطول السادس هو بصورة تقليدية وتاريخية القوة العسكرية الأمريكية المخصصة للتماس المباشر مع مسرح عمليات المنطقة ، والأسطول الخامس هو القوة المخصصة للعمل في البحر الأبيض المتوسط ، وهي تمتد في الواقع من اليابان وجنوب شرقي آسيا وحتى شرق المحيط الهندي ، فله علاقة بشرقي المنطقة أي منابع النفط الواقعة في الخليج ، وقاعدة تمركز هذا الأسطول في ميناء ( يوكوسوكا ) في اليابان .
وتعد القواعد الأمريكية في سلطنة عمان من أخطر القواعد على المنطقة من الناحية الاقتصادية ، فهي التي تسيطر على مضيق هرمز ، وهو المضيق الذي يمر عبره 95% من نفط الخليج خارجاً إلى العالم ، وتحكّم أمريكا في هذا المضيق ولو لم تشن حرباً ، فبإمكانها خنق دول الخليج اقتصادياً ، وهي الدول التي تعتمد على النفط بنسبة تفوق 98% ، ولسوء تدبير هذه الدول ، فإنها لم تحاول زيادة نسبة اعتمادها الاقتصادي على غير النفط , كما أنها لم تحاول إيجاد حلول أخرى تغنيها عن الاعتماد على مضيق هرمز ، وقد نلتمس لها العذر بأنها أصلاً لا تملك من أمرها شيئاً ، والذي يوجه استراتيجياتها العسكرية والاقتصادية والسياسية والدفاعية والأمنية هي أمريكا ولا غير أمريكا .
ومهام العمل العسكري الأمريكي في قواعدها في المنطقة هي :
أولاً : تعزيز القوات الأمريكية المتمركزة مسبقاً في مسرح العمليات ، وتحويلها من قوات إثبات وجود ، إلى قوات قتالية .
ثانياً : تأمين قواعد وتسهيلات جديدة للقوات الأمريكية العاملة في المنطقة ، أو التي يمكن أن تحرك إلى المنطقة في الحالات الطارئة .
ثالثاً : تحقيق مبدأ الوجود العسكري الدائم في جميع دول المنطقة لتضع كل دولة على حدة أمام الأمر الواقع ، وسياسة الأمر الواقع حولت سياسة دول المنطقة من الرفض الجماعي للتواجد العسكري الدائم على أراضيها ، إلى المطالبة بتواجدها لتحقق سبقاً على بقية دول المنطقة ، وبدأ يبرز تساؤل لدى قيادات الدول ، وهو إذا لم أقبل أنا بالتواجد ، فسوف تقبل دول المنطقة الأخرى وتنال الامتيازات ، فبدأت دول المنطقة بالتنافس على تقديم التسهيلات للقوات الأمريكية ، وهذا ما سبب الأزمة الأخيرة بين السعودية وقطر .
رابعاً : إنشاء مخازن للمعدات والأسلحة الأمريكية لتسهل من عملية الانتشار السريع في المنطقة ، ففي حال تخزين الآليات والمعدات الثقيلة والعرابات العسكرية وجميع الاحتياجات للقوات في دول المنطقة ، فإن هذا مما سيقلل الكلفة والوقت والمجهود في حال الانتشار لحدوث أي طارئ ، حتى ولو كان ضد الدول المصدرة نفسها ، لذا فإن إنشاء هذه المخازن تم عبر وضع استراتيجيته من الأمريكيين بحذر في جميع دول المنطقة ، بحيث لا تقع هذه المخازن في أيدي دول أو جماعات معادية في حال الانقلاب على الأمريكان ، فعملت على تخزين المعدات والعربات التي تحتاج إلى العنصر الأمريكي لتشغيلها وصيانتها ، وتم إنشاء هذه المخازن في مناطق بعيدة يمكن للقوات الأمريكية عزلها و السيطرة عليها حتى ولو رفضت الدولة المضيفة ذلك ، أو كانت هي المستهدفة .
خامساً : تطوير القدرات الاحتياطية المركزية الموجودة في الأراضي الأمريكية نفسها ، والمخصصة للعمل بصورة سريعة وطارئة.
سادساً : إبقاء السيطرة الدائمة على كل دولة عن طريق القواعد التي فيها ، فالقواعد العسكرية في كل دولة مناط بها ضمان السيطرة على الدولة المضيفة ، وجمع المعلومات الكافية عنها ،
|
 |