هدم الأقصى عقيدة صهيومسيحية
الجمعة 6 من صفر1428هـ 23-2-2007م الساعة 05:45 م مكة المكرمة 02:45 م جرينتش
الأقصى المبارك تاريخ مهيب وصبر عجيب
مفكرة الإسلام: لقد كان توطين اليهود في فلسطين خطوة تمهيدية لمعتقد قديم ورد في العهد القديم, أيّده العهد الجديد، ثم يتبع هذه الخطوة هدم الأقصى، ثم إقامة هيكل سليمان المزعوم لتكتمل حلقات العقيدة المؤدية إلى هدف مقدس بزعمهم ألا وهو عودة المسيح، هذه العقيدة صهيونية ومسيحية بروتستانتية في أحد تفسيراتها، والتي يطلق عليها اسم المسيحية الصهيونية.
وتبدأ القصة منذ عام 1880م حين تبنى الأسقف الإنجليكاني في فيينا "وليم هشلر" النظرية التي تقول إن المشروع الصهيوني هو مشروع إلهي, وإن العمل علي تحقيقه يستجيب للتعاليم التوراتية.
هناك في فيينا تعرف "هشلر" على "تيودور هرتزل" وعلى مشروعه, واستطاع أن يوظف علاقاته الدينية والدبلوماسية لترتيب لقاءات له مع القيصر الألماني ومع السلطان العثماني, لمساعدته في إقامة وطن يهودي في فلسطين. وبرغم أن تلك اللقاءات باءت بالفشل؛ فإن هشلر لم ييأس؛ فقد انتقل إلى بريطانيا حيث رتّب في عام 1905م لقاءًا لهرتزل مع "آرثر بلفور".
ومن هناك انطلقت المسيرة نحو تأمين غطاء من الشرعية الدولية للمشروع الصهيوني.
ولقد كان "لويد جورج" رئيس الحكومة البريطانية آنذاك أكثر شغفًا بالمشروع الصهيوني, وأشد حماسة له من بلفور وزير خارجيته؛ فقد ذكر "لويد جورج" في كتابين له هما "حقيقة معاهدات السلام", و"ذكريات الحرب" أن حاييم وايزمن الكيميائي الذي قدم خدماته العلمية لبريطانيا في الحرب العالمية الأولى, هوالذي فتح له عينيه علي الصهيونية, حتى أصبح أكثر صهيونية من وايزمن نفسه!؛ لذا كان الوعد الذي صدر في الثاني من نوفمبر 1917م بمنح اليهود وطنًا قوميًا في فلسطين هو النتيجة العملية لمعتقد رسخ في القلوب.
أما عن شعب فلسطين فقد نشرت وزارة الخارجية البريطانية وثائق سرية تتعلق بتوطين اليهود في فلسطين عام 1952, جاء فيها نقلاً عن مذكرة وضعها "بلفور" عام 1917م ما يأتي:
ليس في نيتنا حتى مراعاة مشاعر سكان فلسطين الحاليين, مع أن اللجنة الأمريكية تحاول استقصاءها. إن القوى الأربع الكبرى ملتزمة بالصهيونية. وسواء أكانت الصهيونية على حق أم على باطل, جيدة أم سيئة, فإنها متأصلة الجذور في التقاليد القديمة العهد, وفي الحاجات الحالية, وفي آمال المستقبل, وهي ذات أهمية تفوق بكثير رغبات وميول السبعمائة ألف عربي الذين يسكنون الآن هذه الأرض القديمة.
كان بلفور من المؤمنين بأن تأسيس وطن لليهود بفلسطين هو هدف إلهي سيمهّد الطريق أمام العودة الثانية للمسيح. وأنه مكلف بالعمل على تنفيذ هذا الهدف, وأن عليه تحقيق هذا الهدف أيًا تكن الصعوبات.
وبالطبع لم يكن العامل الديني هو السبب الوحيد وراء إصدار الوعد؛ بل كانت هناك مصالح لبريطانيا ذات بُعد استراتيجي. وقد توافق العمل على خدمة هذه المصالح ورعايتها مع هذا الإيمان الديني؛ ما أدى إلى الالتزام بالوعد وبتنفيذه. ففي الأساس كانت بريطانيا قلقة من هجرة يهود روسيا وأوروبا الشرقية الذين كانوا يتعرضون للاضطهاد في بلادهم لأراضيها.
وفي عام1902 تشكلت اللجنة الملكية لهجرة الغرباء؛ حيث استدعى هرتزل إلى لندن بترتيب من القس هشلر للإدلاء بشهادته أمام اللجنة فكان مما قال:
لاشيء يحل المشكلة سوى تحويل تيار الهجرة المتزايدة من أوروبا الشرقية. إن يهود أوروبا الشرقية لا يستطيعون أن يبقوا حيث هم فأين يذهبون؟! إذا كنتم ترون أن بقاءهم هنا ـ أي في بريطانيا ـ غير مرغوب فيه, فلابد من إيجاد مكان آخر يهاجرون إليه, دون أن تثير هجرتهم المشاكل التي تواجههم هنا. لن تبرز هذه المشاكل إذا وجد وطن لهم يتم الاعتراف به قانونيًا وطنًا يهوديًا.
هنا كان لابد بعد صدور قانون بوقف الهجرة في عام1905 من تأمين ملجأ بديل, فكان قرار بلفور بمنح فلسطين وطنًا لليهود؛ ليعطي من لا يملك إلى من لا يستحق .
تم تحقيق الشق الأصعب من الهدف, وهو إقامة "إسرائيل", وبقي هدم المسجد الأقصى لإقامة الهيكل المزعوم كمقدمة ضرورية لظهور السيد المسيح عليه السلام, ليبدأ ما يسمى لديهم بالألفية السعيدة، فيخوض معركة "هرمجدون" ضد الأشرار .
وكما كان دعم إقامة إسرائيل والتمكين لها هدف إلهي, وجزء من إرادة الرب لدى هؤلاء، فإن هدم الأقصى وإقامة الهيكل هو جزءٌ آخر من تلك الإرادة، وقد استفادت إسرائيل كثيرًا من تلك التحريفات، واستغلتها تمامًا في الحصول على الدعم المسيحي البروتستانتي، خاصة أن التابعين لتلك الأسطورة لديهم نفوذ كبير، ومنهم كثير ممن يسمون بالمحافظين الجدد، ولهم تأثير على الرؤساء الأمريكيين والكونجرس، كما أن لهم وسائل إعلام قوية، ونفوذًا سياسيًا واقتصاديًا كبيرًا جدًا داخل الولايات المتحدة.
وعليه فإن التخطيط لهدم المسجد الأقصى ليس وليد هذه اللّحظة؛ بل هو عمليّة قديمة جديدة تتكرّر وسوف تتكرّر؛ لأنّها جزءٌ لا يتجزّأ من العقيدة الصّهيونيّة، وهي عقيدة لا تخصّ اليهود الصّهاينة وحدهم؛ بل تخصّ قطاعًا كبيرًا من المسيحيّة البروتستانتية أو المسيحيّة الصّهيونيّة؛ حيث يؤمن أتباع تلك العقيدة المزعومة أنّ من شروط عودة المسيح ووقوع معركة (هرمجدون) للقضاء على الأشرار (المسلمين تحديدًا)، وبداية ما يسمّى الألفية السعيدة ـ هدم المسجد الأقصى ـ ، وإقامة هيكل سليمان مكانه.
وهكذا فنحن أمام قوى عديدة ليست إسرائيليّة فحسب, بل مسيحيّة صهيونيّة أيضًا، والأخيرة لها أتباع كثيرون؛ خاصة في أمريكا، وبريطانيا، وأستراليا، وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ فإنّ هناك داخل الولايات المتحدة نفوذًا قويًّا لتلك العقيدة، وهناك كنائس تبشر بذلك، وتدعو إليه، وتجمع من رعاياها المال اللازم لتمويل عمليّة هدم المسجد الأقصى، وبناء الهيكل، ودعم إسرائيل سياسيًّا وإعلاميًّا كجزءٍ من تحقيق شروط عودة المسيح.
كما تتمتع هذه الجماعة بنفوذٍ قويّ داخل الحزب الجمهوريّ في الولايات المتحدة، ويتعاطف معها بصورة ضخمة رموز اليمين الأمريكي المحافظ من "ديك تشيني" إلى "دونالد رامسفيلد" إلى الرئيس "بوش" ذاته، كما تمتلك تلك الجماعة قنواتٍ تلفزيونيّةً وإذاعيّةً وصحفًا، ويتبعها عددٌ كبير من القساوسة.
وهكذا, فنحن أمام تهديد جديّ مهما كان غريبًا ومتطرّفًا لهدم المسجد الأقصى... الأمر الذي يستدعي تحرّكًا شعبيًّا وحكوميًّا... عربيًّا وإسلاميًّا.
وإذا تتبعنا الخط التاريخي لمحاولات اليهود المتكررة لهدم المسجد الأقصى, وكذا الحفريات, لعلمنا مدى تغلغل هذه الفكرة في العقل الصهيونيّ المسيحيّ واليهوديّ على حدٍّ سواء، وأن المحاولة الأولى لحرق المسجد الأقصى كانت عن طريق البروتستانتي الأسترالي "مايكل روهان" .
ولا زالت محاولات هدم الأقصى واقتحامه تتمّ سنويًّا، وخاصة في الذكرى السنويّة لهدم هيكل سليمان المزعوم .
ونلاحظ هنا أنّ المؤسّسة الرسميّة الإسرائيليّة لم تطلق بعد إشارة البدء في هدم المسجد الأقصى، على أساس أنّ الظروف لم يتمّ إعدادها بعد في إطار حسابات معيّنة؛ إلا أنّ تلك المؤسّسة تطرح حاليًا فتح المسجد الأقصى لزيارة اليهود والصلاة فيه لليهود، على غرار ما يحدث في الحرم الإبراهيمي بالخليل... الذي فرض عليه التقسيم الوظيفي؛ فتحول إلى جامع وكنيس معًا...
ولكن على الرغم من ذلك؛ فإن المؤسّسة الرسميّة الصّهيونيّة تقوم من وقتٍ لآخرَ بعمل ضربات وأنفاق، ومشروعات مشبوهة حول المسجد الأقصى وتحته؛ بهدف زعزعة أساساته تمهيدًا لهدمه أو سقوطه من تلقاء نفسه.
كما أنّ تلك المؤسّسة قامت بضمّ القدس رسميًّا بكاملها إلى "إسرائيل" عقب احتلالها مباشرة، وكثّفت عمليّات الاستيطان فيها وحولها، وهدم بيوت الفلسطينيّين فيها، ومضايقتهم، ودفعهم إلى ترك القدس، وتغيير الطبيعة السكانيّة للمدينة، وطمس المعالم الإسلاميّة والمسيحيّة فيها؛ بهدف تحويلها إلى الطابع اليهودي، وهذا كله في إطار هدم المسجد كمحصّلة ونتيجة ومن ثم بناء الهيكل.
وفي الإطار نفسه سمحت المؤسسة الرسمية بتأسيس ما يسمى بـ"جماعة أبناء الهيكل" ، وحصلت على ترخيص رسمي بممارسة نشاطها تحت مسمى (مؤسّسة العلوم والأبحاث وبناء الهيكل)، ويقوم أعضاء هذه الجماعة المشبوهة حاليًّا بجمع وإعداد المواد اللازمة الخاصّة ببناء الهيكل، وقد أعدّت الجماعة رسمًا تخطيطيًّا للهيكل المزمع إقامته مكان المسجد الأقصى.
يقول زعيم تلك الجماعة الحاخام "مناحم مكوبر": "إنّه في كل الأحوال، وتحت أي ظروف سوف يتمّ بناء الهيكل، وسوف يتمّ هدم المسجد الأقصى، وأنّه في الوقت الذي سنحصل فيه على الضّوء الأخضر سيتم بناء الهيكل خلال بضعة أشهر فقط باستخدام أحدث الوسائل التكنولوجيّة، وأنّ المساجد الموجودة في تلك المنطقة - بما فيها المسجد الأقصى، وقُبّة الصخرة - هي مجرّد مجموعة من الأحجار يجب إزالتها".
لذا يجب أخذ الموضوع بمأخذ الجد من خلال التوصيات التي جاءت في نهاية هذا الملف، فقد تراوحت ردود الفعل العربية والإسلامية والفلسطينية بين ضعيفٍ ومتوسط، وصدرت بيانات استنكار دون أن يكون هناك موقف عربي إسلامي قوي لوقف هذا المخطط، ولا يمكن بداهة الاعتماد في هذا الصدد على جهود الشعب الفلسطيني، الذي يهبّ دائمًا لبذل الوسع رغم أنه أعزل من السلاح والإمكانيات .
مفكرة الإسلام