تحركات المخلصين واستنكارات المخذلين
أ ـ فلسطينيو 1948 :
يشكل فلسطينيو الأراضي المحتلة عام 1948 حائط الدفاع الأساس عن المسجد الأقصى، وكونهم يحملون الهويات (الإسرائيلية) يُمكّنهم من التحرك بحرية أكبر من بقية الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، ويُمكّنهم من دخول القدس والمسجد الأقصى بحرية أكبر، وتقوم مؤسسة الأقصى لرعاية المقدسات الإسلامية بالجهد الأكبر في رصد التحركات (الإسرائيلية) التي تستهدف المسجد الأقصى، وفي تأمين تواجد المصلين داخل المسجد الأقصى على مدار العام، وفي مختلف الأوقات من خلال برامج وحملات متنوعة، وهذا الجهد يشكل في الفترة الحالية الحاجز الأول أمام تطبيق المخطط (الإسرائيلي) لتقسيم المسجد، وكان السببَ الحقيقي لاعتقال الشيخ رائد صلاح, وعدد من قيادات الحركة الإسلامية في الأراضي المحتلة عام 1948، في محاولة من دولة الاحتلال للتخلص من هذا الـ"عائق".
أهالي القدس شكّلوا حاجز الصد الثاني للدفاع عن المسجد، وهم رغم التضييق والعوائق والحواجز والمنع من دخول المسجد لمن هم دون سن الـ45؛ يتمكنون في كل مرة يدعون فيها من التوافد عليه بأعداد كبيرة, وبشتى الطرق والوسائل, إلى جانب أهلهم من فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948. جهد المقدسيين في الدفاع عن المسجد الأقصى اتخذ شكل الوحدة الإسلامية-المسيحية لسكان المدينة، فقد شاركت القيادات المسيحية الشعبية والكنسية في جهود حماية المسجد, ودعا الأب عطا الله حنا الناطق الرسمي باسم الكنيسة الأرثوذكسية في القدس والأراضي المقدسة في 17-6-2005, إلى تشكيل جبهة وطنية إسلامية مسيحية للدفاع عن الأقصى الشريف.
ب ـ فلسطينيو 1967:
الحظر المفروض على دخول القدس عمومًا والمسجد الأقصى خصوصًا, منع أي مشاركة مباشرة لفلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة في حماية المسجد، لكن هذا لم يمنع تفاعل الجماهير الفلسطينية هناك, مع الاعتداءات المتكررة والدعوات لاقتحام المسجد التي كانت تُواجَه بمظاهراتٍ غاضبة, وإضرابات ومواجهات مع قوات الاحتلال في مختلف أنحاء الأراضي المحتلة عام 1967.
جـ ـ القوى والفصائل الفلسطينية:
ساهمت الفصائل الفلسطينية بالجهد الأكبر في التفاعل مع التهديدات للأقصى في الأراضي المحتلة عام 1967، وشكلت الرافعة الأساس لتحريك الجمهور، وتمكّن بعض قياداتها من المساهمة مباشرة في التصدي لمحاولات الاقتحام، فعلى سبيل المثال, تمكّن الشيخ حسن يوسف القيادي في حركة "حماس" من دخول المسجد متنكرًا في 10-4-2005. لكن هذه الجهود والهبّات على أية حال لا ترتقي إلى مواجهة خطة مُحكمة, كالتي تعمل دولة الاحتلال على تحقيقها، خصوصًا وأننا اليوم أمام استحقاقات تنفيذ, ولسنا أمام دعوات أو رؤى بعيدة الأمد، والتصدي لمخطط تقسيم المسجد الأقصى بحاجة إلى استراتيجية فلسطينية موحدة ومشتركة لمواجهة الأحداث، خصوصًا وأننا أمام قضية تشكّل موقع اتفاق بين كل الأطياف السياسية الفلسطينية.
د ـ موقف السلطة الفلسطينية:
تعددت استجابات السلطة الوطنية الفلسطينية للاعتداءات المتكررة للمسجد الأقصى، وتراوحت بين الشجب والاستنكار، ودعوة المجتمع الدولي والدول والمنظمات العربية والإسلامية للتدخل، ورصد الحقائق وعرضها على مختلف المستويات سواء على مستوى الدول, أو على مستوى جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، أو من خلال الترتيب لعدد من الوفود ليشملوا القدس في زياراتهم للسلطة؛ ليطلعوا عن كثب على الأوضاع الخطيرة فيها، لكنها كلها بقيت جهودًا دون المستوى المطلوب لمواجهة الحدث، خصوصًا وأن اتفاقية أوسلو التي قامت السلطة بموجبها تحظر على السلطة ممارسة أي عمل أو نشاط سيادي داخل الحدود البلدية التي أعلنها الاحتلال للمدينة، حتى أن طواقم الإحصاءات العامة ممنوعة من دخول المدينة وممارسة أي عمل فيها، ويبدو أن أيدي السلطة الفلسطينية كُبلت أكثر بعد اعتقال وزير شئون القدس المهندس "خالد أبو عرفة", وعدد من نواب القدس في المجلس التشريعي عن حركة "حماس", وسحب بطاقاتهم الزرقاء كسكان فلسطينيين في القدس، ومنعهم بالتالي من حق الإقامة في المدينة أو حتى دخولها إلا بتصريح رسمي (إسرائيلي)، وهو ما يعني بلغة أخرى أن السلطة الوطنية الفلسطينية بحاجة للعمل بكل طاقتها على إيجاد آفاق جديدة ومبتكرة للعمل في القدس، ولإحداث اختراقات في قدرتها على التواجد والعمل والتأثير داخل القدس، ولوضع خطة واضحة للتصدي لخطة تقسيم المسجد تستعيد فيها المبادرة وتخرج من دائرة رد الفعل على الفعل (الإسرائيلي)، والتي تُعد الخطوة الأولى فيها عدم الاعتراف بـ"إسرائيل" أو بأحد من الاتفاقات المبرمة معها.
هـ ـ الموقف الرسمي العربي:
المواقف العربية عمومًا لم تتعدَّ حد أخذ العلم بالتطورات والاعتداءات، والتحذير من خطورة الأوضاع, ومن أن التعرض للمسجد الأقصى من شأنه أن يفجّر الأوضاع في المنطقة، وهو موقفٌ ليس له أي معنى عملي, وليس له أي واقع على دولة الاحتلال التي لا تحتاج لمن يُذكّرها بأن ما تُخطط له "خطير".
الموقف الأكثر تأثيرًا على مصير المسجد الأقصى من بين كل المواقف العربية, هو موقف الحكومة الأردنية لأنها بحكم القانون الدولي الوصية على المقدسات الإسلامية والمسجد الأقصى إذ كانت هي الجهة الوصية عليه قبل الاحتلال، وهو أمر تم تثبيته في معاهدة وادي عربة للسلام بين الطرفين الأردني و(الإسرائيلي)، إذ طلبت الحكومة الأردنية تثبيت الرعاية الهاشمية والدور التاريخي للأردن في الأماكن المقدسة، وهذا ما تم في البند الثاني من المادة التاسعة من المعاهدة الذي يقول: "وبهذا الخصوص وبما يتماشى مع إعلان واشنطن، تحترم (إسرائيل ) الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، وعند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي ستولي (إسرائيل) أولوية كبرى للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن".
ومع هذا الإصرار الأردني على تثبيت هذا الدور في المسئولية عن المسجد الأقصى، اقتصر دور الحكومة الأردنية على تحذير حكومة الاحتلال من المساس بالأقصى، ومطالبتها بوقف الاعتداءات على المسجد الأقصى من خلال رسالة حملها سفيرها في تل أبيب، إضافة لإيفاد المهندس رائف نجم، نائب رئيس لجنة إعمار المسجد الأقصى في 1-9 -2005 للاطلاع على وضع المسجد بعد إقامة المجال الأمني الإليكتروني فيه ومن حوله، والرد على لسان وزير الأوقاف "عبد السلام العبادي" في 20-11 -2005 على الإعلان (الإسرائيلي) بأن أجزاءً من سور المسجد الأقصى آيلةٌ للسقوط, وتستدعي الترميم الفوري، وأخيرًا الإعلان في 26-7-2006 عن إتمام بناء نسخة من منبر صلاح الدين الأيوبي, الذي أُحرق عام 1969، وكلها تحركات لا ترقى إلى مستوى المسئولية التي طلبتها الحكومة الأردنية لنفسها عن الأماكن المقدسة، في مواجهة تحدٍّ يتعلق بسلب المسلمين حقهم الحصري في مسجدهم المقدس، وليس عن منع ترميم أو تضييق على إصلاحات كما كان الأمر سابقًا.
و ـ الموقف الدولي:
التحركات الدولية الإيجابية تجاه المسجد الأقصى جاءت في معظمها في شكل زيارات تضامنية للمسجد الأقصى، للاطلاع على الأوضاع فيه، مثل زيارة وزير الخارجية التركي "عبد الله غل" في 5-1-2005، وزيارة المرشح الديمقراطي السابق للرئاسة الأمريكية جون كيري في 12-1-2005, والسفير التركي للمسجد في 25-5-2005، وزيارة وفد برلماني تركي في 22-10-2005.
زيارة الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" في 28-4-2005 اقتصرت على حائط البراق ضمن زيارة رسمية لدولة الاحتلال، أما زيارة عقيلة الرئيس الأمريكي لورا بوش للمسجد في 22-5-2005 فكانت مثيرة للجدل رغم أنها كانت بالتنسيق مع دائرة الأوقاف المشرفة على المسجد، وحذّرت عدة جهات من احتمال أن تحمل هذه الزيارة أي إيحاء باعتراف بالسيادة (الإسرائيلية) على المسجد.
بعيدًا عن الزيارات, كان أخذ العلم والاطلاع الصامت والتحذير من إشعال المنطقة هي ردود الأفعال الأساسية، لكن التطور الأبرز بقي في الخفاء, ولم تظهر تفاصيله، إذ لم تصرح الإدارة الأمريكية بأي موقف تجاه فكرة التقسيم التي طرحت ضمن الخطة التفصيلية للانفصال الأحادي, التي عرضها رئيس وزراء الاحتلال "أريئيل شارون" على الرئيس الأمريكي "جورج بوش" في زيارته في 10-4-2005، وتوحي المواقف الأخرى المعلنة حول القدس عقب هذا اللقاء بأن شارون حصل على موافقة ضمنية، ولو متحفظة، على مبدأ تقسيم المسجد بين المسلمين واليهود.