* حقوق الأخوّة:
وهذا الإخاء يقتضي تبعات وحقوقاً، وليس هو إخاء عقيماً ولا ثمرة له في الخارج ولا أثر له في الواقع.
فهو يقتضي أن يهتم كل أخ بأمر أخيه، وأن يعنى بشأنه، والدفاع عنه والذِّياد عن حياضه، والعمل الدائب على حاضره وإعداده لمستقبل أعز وأكرم.
يقول الرسول الكريم الذي علّمه الله تعالى وثقفه بالقرآن الكريم:
"مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"
رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير ومن مظاهر هذا الاهتمام ألا يدع المسلم أخاه للأحداث تتحكم فيه وتنال منه. بل عليه أن يبذل له من ذات يده، وأن يدفع عنه كل أذى يصيبه، أو شرّ يقع عليه.
يقول الرسول الكريم:
"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرام. دمه، وماله، وعرضه". (رواه أصحاب السنن عن أبي هريرة)
وقال الرسول الكريم:
"انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قيل يا رسول الله، عرفنا كيف ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره" رواه البخاري ومسلم من حديث جابر
ومن حق المسلم على المسلم أن يحفظ عرضه، ويصون حرمته في حضوره أو غيبته ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
يقول عليه الصلاة والسلام:
"ما من امرئ يخذل امرءاً مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موضع يجب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته" رواه أبو داود من حديث جابر.
ويقول المؤدَّب من الله تعالى الرسول الكريم الذي قالت السيدة عائشة عنه كان خلقه القرآن:
"المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه" رواه أبو داود عن أبي هريرة.
أي أن المؤمن يبصِّر أخاه بعيوبه، ويحافظ على ماله ولو كان غائباً، ويحوطه دفاعاً عنه.
وهكذا يمضي الإسلام الذي أراده الله تعالى لعباده على مرِّ العصور للناس كافة تقرير هذه الحقوق وإيجادها لتكون دستوراً تلتقي الجماعة المسلمة عنده وتعتصم به.
(انظر دستور العالمية في فلسفة حسان الكاتب –العالمية- المحفوظة مع ملاحقها في مخطوطات مكتبة الأسد بدمشق ومركز الوثائق التاريخية، وانظر كتاب (دعوة الإسلام لسيد سابق).
وانظر كتابنا في ملاحق فلسفتنا (المعاني الاجتماعية والأخلاقية في القرآن الكريم المحفوظ في مخطوطات مكتبة الأسد بدمشق).
ولنر فيما يلي مشكلة اجتماعية هامة كانت مستحكمة عند مجتمع الكفر في قريش ألا وهي مشكلة ولع المشركين بالخمر الذي يذهب العقل وشخصية الإنسان وكيف عالجها سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بتخطيط نفسي وتشريعي لهذا القرار الذي حدث للمرة الأولى في تشريع أحد المجتمعات الإنسانية:
فجعل الله سبحانه وتعالى الأمر بالإقلاع عنه على مراحل ثلاث:
الأولى: حيث قال تعالى:
يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما.(2 البقرة: 219)
وهنا وقفة أولى.
وثانياً
) يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون (4 النساء: 43)
ثالثاً
)يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه (5 المائدة: 90)
هذا هو المَسْك الشرعي الذي سنّه الله تعالى في كتابه العزيز من أجل تحريم الخمر.
إن الإحصاء في البلاد الإسلامية، حتى المتدهورة منها، يدلنا على قلة تعاطي الخمر فيها، بينما تعاني الإنسانية منها –بكل أسف- في البلاد المتحضرة، فالعالم الإسلامي بوجه عام يجهل منذ أربعة عشر قرناً ونيّف هذه النكبة، فكيف أحرز تحريم الخمر في القرآن الكريم هذا النجاح.
إن المنهج الإلهي دون أدنى شك.. ذلك الذي قدّمناه تخطيطياً ينتهي بأمر إلهي صارم. والواقع أن النص الأول يثير آثام الخمر في الضمير المسلم فحسب وقد كانت هذه هي الطريقة المتحفظة لآثاره المشكلة وتسجيلها بضرورة ما في عداد الهموم الاجتماعية لمجتمع ناشئ، وبهذه الطريقة أمكن للمشكلة
أن تشق طريقها في ضمير الصفوة المختارة في هذا المجتمع الذي يحكمه الدافع الخلقي. فالموقف الأول سيكون إذن مرحلة (حضانة) ضرورية، هي المرحلة النفسية للمشكلة وعلى أساس هذا البناء الفاضل للضمير المسلم يقوم النص التحديدي في الآية الكريمة الثانية: "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون" فهنا تحديد، لأنه لكيلا نكون سكارى خلال أوقات الصلوات الخمس، يجب ألا نقرب السكر أبداً. فهو لا يهدف إلى أن يظهر مدمني الخمر تدريجياً، وإلى أن يرتب خطراً خلقياً، قبل أن يسن التحريم النهائي، وتوضع العقوبة المجازية لارتكاب الجرم المحرم وبهذه الطريقة تحاشى القرآن الكريم أن يثير في نفس الوقت مشكلة اقتصادية هي مشكلة تجارة الخمر، إذ كانت هذه التجارة قد تمت واتسعت، بحيث خلع عليها عرب الجاهلية ألقاباً كثيرة يعينون بها مطالبهم من أنواع الخمور، ولقد ظلت الكلمة المشهورة لامرئ القيس، والتي قالها عندما أعلموه بموت أبيه، شاهداً تاريخياً على إسراف العرب قبل الإسلام في تعاطي الخمر، قال هذا الشاعر ساعتئذ: "اليوم خمر وغداً أمر". انظر كتابنا المعاني الاقتصادية في القرآن الكريم.
ففي هذا الوسط الذي انتشر فيه شرب الخمر وتجارتها، تدرّج الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في تحريم الخمر.
ولعلنا لا نستطيع أن ندرك أهمية هذه الاعتبارات عن الأمر الإلهي لو لم يكن لدينا مثال آخر لتشريع إنساني تجعله أساساً لمقارنة الخطة القانونية، لقد أثارت المشكلة بعد ذلك بثلاثة عشر قرناً من الزمان اهتمام المشرعين في أمة، لعلها أرقى الأمم حضارة، هي الولايات المتحدة الأمريكية، وسنضع هنا كما تعلمنا قبل ذلك تخطيطاً لخطوات هذا التشريع الذي رأى النور في أمريكا في صورة تعديل دستوري عام 1919.
فحوالي عام 1918 ثارت المشكلة في الرأي العام الأمريكي، وفي عام 1919 أدخل في الدستور الأمريكي عنوان (التعديل الثامن عشر) وفي نفس السنة أيد هذا التعديل بأمر خط أطلق عليه التاريخ قانون (فولستد)Acte velested وقد أعدت لتنفيذ هذا التحريم داخل الأراضي الأمريكية وسائل هي:
1-الأسطول اجمعه لمراقبة الشواطئ
2-الطيران لمراقبة الجو
3-المراقبة العلمية
فماذا كان حل الموقف؟
فشل كامل لأمر الحظر، وسقوط قرار التعديل الدستوري الحادي والعشرون الذي صدق عليه الكونغرس عام (1933).
وذلك هو الموجز التاريخي للمأساة التشريعية بأكملها، تلك التي سميت في تاريخ الأمة الأمريكية: (عهد التحريم) (انظر الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي) وكتابنا: (المعاني الاجتماعية والأخلاقية في القرآن الكريم- في مخطوطات مكتبة الأسد بدمشق).
* الملكات النفسية في القرآن الكريم:
إن الاعتماد على العواطف التي تقود إلى الهوى كثيراً ما يقود إلى التورط في الأخطاء، وارتكاب الحماقات والتخبط في الحكم على الأمور والتهوّر في السّلوك، ولقد نبهنا القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في أنصع عبارة وأسمى بيان حيث يقول تعالى في كتابه العزيز:
ويقول تعالى:
بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علمٍ (الروم: 29)
وحيث يقول سبحانه:
وإن كثيراً ليضلّون بأهوائهم بغير علمٍ (الأنعام: 119)
ولقد وصف تعالى بعض الضالين بقوله:
أخلد إلى الأرض واتبع هواه (الأعراف: 176)
( انظر كتابنا المعاني النفسية في القرآن الكريم في سفرنا- دراسات في علم النفس- ) في مكتبة الأسد قسم المخطوطات
وإلى هذا يشير الحديث الشريف:
"حبّك الشيء يُعمى ويُصم" لـ رواه البخاري في التاريخ وأحمد في مسنده.
وقد عبّر عن هذا المعنى عبد الله بن معاوية الطالبي بقوله:
ولست براءٍ عيبَ الودّ كله
ولانا ظريفه وإن كنت رائعاً
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
ولكن عين السخط تبدي المساويا
وعلماء النص يقسمون الملكات النفسية إلى ثلاث مناطق وهي:
1-الوجدان أو العاطفة
2-الفكر أو الإدراك
3-الإرادة أو النزوع، ومن الممكن ضرب أمثلة لتوضيح هذه المناطق الثلاث:
1-شاب يستهويه حب فتاة فيستغرق حبها جميع طاقاته ويملك عليه جميع مشاعره فلا يرى في الدنيا سواها، ثم تقوم الجوى بينهما فتزداد عاطفته اشتعالاً حتى تكاد تحرقه بنارها وينتهي به الأمر إلى الانتحار، أو الجنون فيهتف مع مجنون ليلى:
أراني إذا صليت يممت نحوها
بوجهي، وإن كان المصلي ورائياً
أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها
اثنتين صليت العشا أم ثمانيا؟
وهنا نجد الشاعر يعيش في حدود العواطف وحدها وهي هنا عواطف عمياء.
2-شاعر حكيم يستغرقه التأمل في الحياة ويتعمق في تدبر أحداثها فيرى الكل عدما وأننا أشباح تبتدئ من العدم وتنتهي إليه، وحين تستغرقه هذه الفكرة يهتف بها قائلاً:
إن الذي من أديم الأرض ينشرنا
هو الذي في أديم الأرض يطوينا
فيا سليل الثرى هيء مضاجعه
لا بد للطين من أن يجذب الطّينا
فالشاعر استغرقته الفكرة المحضة فرأى الإنسان بدأ من الطين ولا بد له من العودة إلى الطين فينبغي أن يهيئ لنفسه مضجعه الأخير وهو هنا يحيا في منطقة الإدراك وحدها، وهي منطقة قاسية جرداء تسلب الإنسان عواطفه وتجعله يعيش بلا آمال أو أهداف، وكأنه آلة حاسبة أو إنسان آلي لا يخرج عن نطاقه المحدود.
3-إنسان يندفع إلى مباشرة أي عمل يلوح أمامه عن طريق التقليد المحض دون عاطفة أو تفكير، إما عن طريق العناد أو مخالفة المألوف، وقد عبّر الشاعر العربي عن هذه النزعة فقال:
إذا همّ ألقى بين عينيه همّه
ونكب عن ذكر العواقب جانباً
ولم يستبشر في أمره غير نفسه
ولم يرض إلا قائم السيف صاحباً
وهذه هي منطقة الإرادة المحضة، ومن يعش في نطاقها مجرداً من العاطفة أو التفكير لا بد أن يتحطم وينهار حينما يصطدم بمشكلات الحياة التي لم يحسّها ولم يفكّر فيها من قبل ولله درّ زهير بن أبي سلمى إذ يقول:
ومن لا يصانع في أمور كثيرة
يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم
على أن هذه الطاقات النفسية قد تتعارض في النفس اضطرابات عقلية عنيفة، فقد يندفع الإنسان إلى مخاطرة عنيفة يجازف فيها بحياته مخالفاً بهذا مشاعره الوجدانية التي تنشد الأمان وتكره الموت ومناقضاً لنوازع فكره التي تدعوه إلى الروية والأناة والتدبر في العواقب وقد يقع الإنسان في حب فتاة جميلة تثير بحسنها مشاعره الوجدانية فتدفعه عواطفه إلى أن يتقدم لزواجها، ولكن عقله ينهاه عن الزواج منها لأن هذه الفتاة على الرغم من جمالها سيئة الأخلاق ضحلة الثقافة، غير محمودة المنبت، ويقوم الصراع بين الرغبة والوجدان والنتيجة التي ينتهي إليها الصراع هي التي تتولاها الإرادة بالتنفيذ سواء بالانصراف عن هذه الفتاة أو الانصراف إليها في عنف وإصرار، والواقع أن فصل هذه العوامل الثلاثة فصل غير طبيعي – فإن مناطقها متشابكة متداخلة حتى لا نكاد نجد حادثة واحدة يمكن وصفها في منطقة واحدة من هذه المناطق الثلاث إلا نادراً، فنحن حينما نحل مسألة حسابية معقدة يبدو لنا أننا نعيش في حدود الفكرة وحدها وأنه لا دخل للعاطفة هنا ولا للإرادة مطلقاً. ولكن النظرة الفاحصة تدلنا على أن الإرادة هنا التي قادتنا إلى المسألة وإلا ما أقبلنا عليها وبذلنا فيها ما بذلناه من جهود ثم نرى العاطفة تصحب التفكير فإذا تعذر الحل شعرنا بالضيق والألم وإذا وصلنا إلى الحل شعرنا بالبهجة والسرور، وهكذا لا تخلو حالة نفسية من اشتراك النوازع النفسية جميعاً في الاستجابة لها بقدر محدود يزيد أو ينقص تبعاً لنوع الظاهرة النفسية التي تحتل بؤرة الشعور.
وإذا كان علماء النفس يعترفون بتعذر فصل بعض هذه المظاهر عن البعض الآخر فإن طبيعة البحث والدراسة تضطرهم لهذا الفصل في مجال البحث الدراسي لا في مجال التطبيق العملي.
وقد اضطرتنا دراساتنا القرآنية أن نسلك هذا السبيل للتوضيح والتبيين مع العلم أنّ القرآن الكريم عالج النفس الإنسانية في نطاق الوحدة المتكاملة وسنرى في أساليبه البيانية أنه يستعمل البرهان المنطقي الفكري ممزوجاً بالمنطق الوجداني ويحقق الإرادة للعمل بما يضربه من أمثال فكرية ووجدانية معاً والدعوة القرآنية تحفز إلى الإيمان المشفوع بالعمل الصالح، والإيمان يستقر على دعامتين قويتين هما الإقناع الفكري والاستجابة الوجدانية، أما العمل الصالح فينهض على دعامتين قويتين هما الإيمان بفائدة هذا العمل وتنفيذه بأيسر سبيل والإرادة المنفذة، ومن هذا نرى أن الدعوة الإسلامية تنفذ إلى النفس البشرية فتعبئ جميع طاقاتها للخير العام.
وتيسيراً للبحث نرانا مضطرين إلى سلوك المنهج الذي سلكه علماء النفس من الحديث عن كل منطقة على حدة مع الإشارة إلى مظاهر تشابك هذه المناطق وتداخلها ليكون (انظر فلسفة المعرفة في القرآن الكريم وكتابنا المعاني النفسية في القرآن الكريم وفلسفتنا العالمية في مخطوطات مكتبة الأسد بدمشق.
البحث أقرب إلى الصواب
-الفكر أو الإدراك:
بعد أن فرغنا من الحديث عن العواطف فيما سبق نشرع الآن في الحديث عن الفكر أو الإدراك وما عهدنا كتاباً سماوياً مجدّ العقل كما مجّده القرآن الكريم فقد تكرر فيه لفظ العقل ومترادفاته ومشتقاته أكثر من ثلاثمائة مرة، ونستطيع أن نضرب مثلاً لهذه المترادفات بالآيات الكريمة:
ويربكم آياته لعلكم تعقلون (البقرة: 73)
الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض.(آل عمران: 191)
وقوله تعالى: إنما يتذكر أولو الألباب (الرعد: 19).
وقولـه سبحانه: كتاب أنزلناه إليك مباركٌ ليدّبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب (ص: 29)
وقوله سبحانه: فلينظر الإنسان مم خُلق (الطارق: 5).
ولا نستطيع أن نستطرد في هذا المجال وحسبنا ما ضربناه من أمثال.