آلية زكريا بطرس التي يدور حولها هي نفي نبوة النبي صلى الله عليه وسلم هذا هو قطب الرحى الذي يدور حوله. وحين ترصد كلامه عن الوحي الإلهي ومحاولة صرف النبوة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تجد أنّه كغيره ممن تكلم في هذه القضية يُكذِّب نفسه ولا يملك حقيقة يعطيها للنّاس، وها أنا ذا أعرض على حضراتكم آرائه هو عن الوحي الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، فقط أعرض على حضراتكم آرائه لتروا سوء حالها وكيف أنّ بعضها يُكذِّب بعضا.
- مرة يقول أنّ السيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ هي التي أعدت النبي صلى الله عليه وسلم للنبوة، يقول : كانت ذات مال .. ثرية وتريد مَلِكا كي يؤمن لها طريق التجارة [1].
قلتُ : ما كان هناك مَنْ ولا ما يخيف السيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ على مالِها كي تبحث عن مَنْ يؤمنه لها، قد كانت شريفة نسيبة حسيبه، ولم يكن أحد من العرب ولا العجم يتجرأ على تجارة قريش كلها، كانت القوافل تسير إلى الشام وإلى اليمن آمنة من جوع وآمنة من خوف.
ثم لم تكن البعثة النبوية سببا في حصول أمنها ونماء مالها بل أكسدت تجارتها وذهبت بمالها وجلبت عليها الهموم والأحزان فيما يبدوا للنّاس؛ فقد انشغل القائم على تجارتها أعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصرت قريشٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعه ومن ناصره ـ ومنهم السيدة خديجة رضي الله عنها ـ فلم تَشْتر منه ولم تبع لهم، واضطرتهم إلى وديان مكة بين الجبال على الحصى في شعب من شعاب حتى أكلوا ورق الشجر من الجوع ومصّوا الحجر من العطش، ثم تركوا ديارهم وأموالهم وخرجوا من مكة كلها، وقد كانت السيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ تشجع على هذا كله.
- ومرةَ يقول أنّه شيطان تلبس به؛ ويؤكد لمن يسمعه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مستيقنا بأنّ الذي خرج له في الغار شيطان، وأنّ خديجة هي التي أقنعته بأنّه وحي لا شيطان وأنّه هو نبي هذه الأمة واختبرت له الوحي وأقنعته بذلك [2].
وأخوه ـ في الكفر والصد عن سبيل الله ـ يُكذِّبُه ووجهه في وجهه إذ يقول الدكتور رأفت العماري بأنّ السيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ كانت قد تزوجت (نباش ) وكانت الجنُّ قد لبََسَته وراحت من خلاله ـ أي الجن ـ تتعامل مع النّاس، فقدم عليه النّاس في بيته ـ بيت خديجة ـ وعمَّروا البيت ليلا ونهارا، وبعد وفاة ( نبّاش ) استوحشت خديجة ـ ورضي الله عن السيدة خديجة ولعن الله هذا الأفاك الأثيم ـ من قلة الزائرين وأرادت أن تعيد هذه الحياة الموجودة في بيتها عن طريق زوجها الجديد محمد صلى الله عليه وسلم [3].
وفي ذات الحلقة يقول هذا ( البكَّاش )[4] بأنّ الوحي كان ترتيبا بين خديجة وأبو بكر ـ لا حظ وليس ورقة وليست السيدة خديجة وحدها ـ ودليل ذلك ـ هذا قوله ـ أنّ الوحي لم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلّا في لحاف عائشة [5].
وهو ( بكاش ) نضحك من كلامه ونطويه ولا نرويه إلّا لمن اشتد حزنه لنسري عنه ونضحكه.
- ومرة يقول بطرس ومن معه بأنّ ورقة بن نوفل كان يبحث عن بديل له .. خليفة يخلفه في القيام بالنصرانية بمكة هو وبنت أخيه خديجة ولذا علَّم محمد ودرّبه وبعد وفاته هو وخديجة تمرد محمد صلى الله عليه وسلم وخرج على النّاس بالإسلام بعد وفاة خديجة [6].
ولا تضحك، ليست مزحة والله، بل كلام يدعون أنّه علمي أتى به البحث ( النزيه )، ( المجرد )، وهناك من يصدق هذا الكلام !!
ونقول : ما كانت خديجة ـ رضي الله عنها ـ نصرانية، ولا كان ورقة يبحث عن أتباع فضلا عن خليفة يخلفه في أتباعه، كان فردا يعبد ربّه سرا، يزكي نفسه وربّما تحدث بشيء إلى ضيفه، ولم يحمل لواء دعوة إلى الله، ولم يجلس لقريش في ناديها يقول لهم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره، كان وحيدا يحدث نفسه. وما كانت خديجة نصرانية ولا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرانيا قبل البعثة. ولا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة يدري ما الكتاب ولا الإيمان، ما عنده علم بشيء من أخبار السابقين ولا المعاصرين، كان في غفلة عن هذا كله.
- ومرة يقول أحدهم بأنّ شيئا من هذا لم يحدث، لم ينزل عليه ملك، وهي قصة ملفقه، يستدل هذا الجهول [7] بأنّ الذي ظهر للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار قال له اقرأ فقرأ، ويتساءل ـ وكأنّي به يضع أصبعه على رأسه عجبا بعقله إذ أتى بغريبة عجيبة لم يفطن إليها غيره، وهي النملة تفرد ساقيها بين بني النمل فرحا بقوتها ـ مدللا كيف يقول له اقرأ وليس معه صحف يقرأ منها ؟ إذا القصة ملفقة وما كان وحيا يوحى .!!
ويهش ويبش الكذاب اللئيم زكريا بطرس لهذا الرأي ويسكت تأييدا؟
ويجلس أحدنا أمام شيخه في الكتَّاب ـ ومصر كلها كتاتيب إلى اليوم ـ أو في المسجد فيناديه إقرأ من أول كذا، فيقرأ بلا مصحف ؟
وتُتَمتم بشفتيك فيراك قريب منك فيناديك أشيء يا أبا فلان ؟ فتقول : لا إنّما أقرأ من القرآن.
قراءة القرآن لا تعني فتح المصحف والنظر فيه، وإنّما تلاوته بمصحف أو غيبا بلا مصحف. فما العجب إذا أن يقول له إقرأ ويقرأ ؟
- ومرة يقول كان جدّه عبد المطلب ملكا وجد أبيه قصي كان ملكا وخرج في النّاس يطلب ملك أبيه، ويصرح بأنه كان هاشميا يطلب الملك على العرب [8].
وهذا كلام، كل أخبار السيرة تكذبه.
فلم يخرج في قريش ملكٌ منذ ظهرت قريش، لا عبد المطلب ولا قصي ولا غيرهما، بل لم تلد مُضر كلها مَلِكٌ تملك عليها في الجاهلية.
وأول من تصدى للنبي صلى الله عليه وسلم هو عمّه أبو لهب بن عبد المطلب، وكان ابن عمه وأخوه في الرضاعة أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب من أشد النّاس عليه وعلى أصحابه، وحين دعاهم وأبلغهم دعوة ربّه سخروا واستهزءوا، ولم يسلم معه من بني هاشم إلّا صبيان ( علي وجعفر ) ابنا أبي طالب. ثم نفر أو نفرين بعد سنين طويلة من الدعوة، وفي أول معركة أسر العباس بن عبد المطلب، وعقيل ابن أبي طالب، وبالكاد فرّ أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. وكانت ثاني الغزوات بعد غزوة بدر الكبرى مع حلفاء بني هاشم وأخوالهم وهم بني سُلَيم [9]، بل كانت الحرب كلها مع قريش أبناء عمومته، ومع مُضر ( غطفان وسليم وهوازن وثقيف ) وهم الدائرة الثانية من حيث القرابة.
والدعوة قامت على سواعد قبيلتين غير قريش وليسوا من مضر كلّها ولا من عدنان كلها . . الأوس والخزرج [10] . فكيف يقال كانت هاشمية أو قرشية ؟!
ألا لعنة الله على الكذّابين.
- ومرة يقول ـ قبحه الله ـ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ظهر في فترة كثر فيها من ادعى النبوة وأنّ ذلك من تأثير حكايات يهود [11] .
وكالعادة يكذب، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدَّع أحد النبوة قط، ولم يفكر أحد في ذلك، بل غاية ما هنالك أن اعتزل نفرٌ ما كانت عليه العرب من شرك، وهم الحنفاء وكانوا يُعدون على أصابع اليد كما تقدم، أمّا الذين ادعوا النبوة فقد جاءوا في نهاية بعثة النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بعام تقريبا، ولم تكن لهم دعوة ولا كتاب كالقرآن، ولا تبعهم أحد غير قومهم، ولم تتحرك دعوتهم خارج ديارهم .. جميعهم قتلوا على يد المسلمين فيما يعرف تاريخيا بحروب الردَّة، ولم يكتب لهم نصر في هذه الحياة، وهذه أمارة أخرى على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم إذ أنّ الأدعياء الكذبة يموتون قتلى ولا يكتب لهم نصر في هذه الحياة كما ينص الكتاب ( المقدس ).
وكانت يهود بين ظهراني العرب من مئات السنين قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يخرج أحد يدعي النبوة لا من يهود ولا من العرب قاطبة حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأين كانت ثقافة يهود ؟!
وكل الذين ادعوا النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم جاءوا بعد العام الثاني والعشرين من البعثة النبوية أي بعد ثلاث سنوات من القضاء على يهود وإخراجهم جميعهم من الجزيرة العربية إلّا نفر يثيرون الأرض ويسقون الحرث. ولم يتكلم أحد منهم بأنّ يهود ثقفته.
قد كانت يهود تبشر بمقدم نبي، وأنّه سيهاجر إلى يثرب ( المدينة المنورة )، وكانت تخوف به جيرانها من الأوس والخزرج وغطفان، تقول لهم : " إنّه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم "، كانت في المدينة وأجوارها تنتظر ظهور هذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم ثم لما جاءهم ما عرفوا كفروا به [12] وهذا قول الله تعالى : {وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ} [ البقرة : 89].
لم يكن ليهود أحاديث وثقافات تبثها بين العرب عن مُلك يؤخذ بنبوة، بل إنّ يهود لا تقول عن داود عليه السلام أنّه نبي، فهو عندها ملك وليس نبي، وإنّما تكلمت يهود عن نبي واحد يبعث ويهاجر إلى يثرب وزعمت أنّها تتبعه وتقتل به العرب والعجم. هذا هو حديث يهود في الجاهلية لم نسمع غيره . اللّهم أكاذيب زكريا بطرس التي يرويها عن إخوانه من الكافرين والمنافقين.
- ومرة يقول علّمه بحيرى الراهب لينشر المذهب النسطوري في الجزيرة العربية.
وهو يقر ويعترف بأنّ كتب المسلمين لم تتكلم أن بحيرى جلس للنبي صلى الله عليه وسلم وتعلم منه، وإنّما التقاه مرة وهو صبي وتعرف عليه وذكر أنّه سيكون نبيا، والثانية أشار إليه من بعيد ولم يجلسا سويا، وما بعد ذلك مما يقال عن تعليم بحيرى للرسول صلى الله عليه وسلم هو من أقوال النصارى. يتكلمون من أم رأسهم بما يحلو لهم. وكله كذب.
- ويهود تقول علمه الحاخام اليهودي ( ألفونسو )، ولا أدري من ألفونسو هذا؛ ولا أين التقى النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه وهو لم يخرج من شعاب مكة إلّا مرتين وكان بين أهل مكة لم يفارقهم ساعة ؟
لا أدري شيئا عن ألفونسو ولا إخالهم يدرون شيئا عنه، وإنّما كلام يقذفون به كـ ( تحديف ) الصبية بالطوب [13].
- وبعض المستشرقين ممن يسمون باحثين في التراث الإسلامي يقولون بأنّ محمدا صلى الله عليه وسلم تعلم القرآن من نساءه وأصحابه [14]. ومن ثمّ خلط شيئا من النصرانية بشيء من اليهودية بشيء من الوثنية فخرج بالإسلام.
قلت ُ : في القرآن الكريم ذم للنصارى والنصرانية واليهود واليهودية. فمَن كتب هذا بحيرة أم ألفونسو ؟!
وفي القرآن الكريم والسنة النبوية إجاباتٌ عن أشياءَ كانت تحدث، ورصد لحوارات كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبينه وبين أعدائه، بل إنّ القرآنَ الكريم كلَّه مرتبط بالحدث، مثلا ما نزل في أسئلة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة وإجابته عليها، وما نزل في أمر الهجرة، وما نزل في غزوة بدر، وما نزل في غزوة أحد والأحزاب وخيبر والحديبية وفتح مكة وحنين.
أخي القارئ !
القرآنُ كلُّه حتى التشريعي منه مرتبط بالحدث، لم ينزل جملة واحدة، بمعنى أنّ القرآن الكريم كان مع الأحداث ونزل جزءا جزءا . {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} [الإسراء:106].
إمرأة تجادل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أمر حدث بينها وبين زوجها .. تجادله سرا لا يسمعها من في البيت، وينزل القرآن {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ..} [ المجادلة:1] أين بحيرى من هذه ؟
والمنافقون يجلسون في ناحية من المسجد يغمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلّا جهدهم فينزل القرآن يتحدث بحالهم وما تكنه صدورهم. أين بحيرى من هذا ؟
والمنافقون يتناجون سرا ( يعدنا كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يقضي حاجته ) وينزل القرآن يكشف أمرهم ويزيع في النّاس قولهم . أين بحيرى من هذا ؟
وأحيانا كان يُسأل النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجب، يسكت حتى يأتيه الوحي. وأحيانا كان يفعل ويأتي الوحي يخطئه ويعقب عليه ويصوب له.
فهل يعقل أن يكون بحيرة الراهب درى بذلك ورتبه وأعطاه للنبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان فلم كان يسكت حين يسأل ؟ ولم كان يخطئ ويأتيه التصويب من السماء ؟
بل لِمَ لَمْ يكن بحيرة نفسَه أو ورقةَ أو الفونسو أو من سمّوا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو نساءه لم لم يكونوا أنبياء ويتكلمون هم بأنفسهم ؟!
وكيف عرفوا ذلك وهو ليس في كتبنا . من أين لهم بهذا ؟
لم ينتبه إليه كفار قريش واليهود والنصارى ... نصارى نجران والشام وطيء ( حي من أحياء العرب منهم عدي بن حاتم الطائي التقى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم ) كيف لم ينتبهو إلى هذا وانتبهوا هم إليه ؟
|
 |