وفيما يلي نستقرىء فكر الخوارج والمكفرين والغلاة المتطرفين، والمنظرين لفكر الإرهاب الجديد، كبداية للإجابة على السؤال الأهم: لماذا وقعت العمليات الإرهابية في مجتمعنا؟ وما هو الفكر الذي قادها إلى ذلك؟
منهج التكفير
لم يخرج فكر التكفير إلى الوجود بغتة، بل إن له جذوراً وسوابق في التاريخ الإسلامي، ولعل أول وأهم واقعة تاريخية عبرت عن ميلاد فكرة التكفير في الإسلام هي «حروب الردة» التي خاضها الخليفة أبو بكر الصديق في مطلع عهده، حيث عني تكفير المرتدين وقتالهم بالسيف حكماً قاطعاً بتراجعهم عن ملة الإسلام، وخروجهم عن عقيدته، وهو الأمر الذي حسمه الخليفة الأول أبوبكر الصديق - رضي الله عنه - محتسباً عصيان المرتدين عن دفع الزكاة تمرداً على الدين، لا على السلطة فحسب، باعتبار أن الزكاة من أركان الإسلام الأساسية، وبذلك تكون «حروب الردة» أول بيان رسمي يعلن ميلاد أيديولوجيا التكفير، ويقرن التعبير عن حكم التكفير بقتال الجهة التي يشملها الحكم اياه، ثم بدأ التكفير - في طوره التاريخي الثاني - بظهور فرقة «الخوارج» الذين رفعوا شعار «لا حكم إلا لله» وكفروا كل من ارتكب كبيرة وأصر عليها ولم يتب منها، وكفروا الحكام، والعلماء الذين لم يكفروا هؤلاء الحكام، وكفروا كل من يخالفهم رأيهم وتوجههم، فكانت النتائج المتسارعة لهذا الفكر في هذه المرحلة تكفير الخليفة الثالث عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وقتله، ثم تكفير علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وقتله، وهكذا استمرأ هؤلاء «الخوارج» قتل عدد من الصحابة، بعد أن تحينوا فرصتهم للوجود.. وبرز فكرهم ظاهراً ليتسلل إلى فكر الأمة الإسلامية في أطوار متعددة من تاريخها، فمن تكفير المرتدين إلى تكفير «مرتكب الكبيرة» إلى تكفير بعض الفرق من الباطنية والطرق الصوفية وأصحاب البدع، حيث تدرجت فكرة التكفير وتنامت، وجربت تمرين نفسها على حالات متباينة، لتتحول من تراكمات رصيدها التاريخي إلى أيديولوجيا سياسية ذات عائدات مجزية على الصعيد المادي والرمزي، وعلى صعيد تنمية رصيد القوة في التوازن الفكري والاجتماعي الداخلي، وهذه اليوم تستثمر كل هذا الرصيد التاريخي لتتزود به في معركتها الجديدة ضد نظام الحكم في بعض الدول، حيث ظهرت بوادر هذا الاستثمار وفق هذه المرجعية التاريخية على سبيل المثال في جماعة التكفير والهجرة التي نشأت داخل السجون المصرية في بادىء الأمر، وبعد اطلاق سراح أفرادها تبلورت أفكارها، وكثر اتباعها في صعيد مصر، وبين طلبة الجامعات خاصة لتنتشر بعد ذلك في بعض الدول، وهذه الجماعة التي نهجت نهج الخوارج في التكفير بالمعصبة يكفرون أيضاً الحكام الذين لايحكمون بما أنزل الله باطلاق ودون تفصيل، ويكفرون المحكومين لأنهم رضوا بذلك وتابعوهم أيضاً باطلاق ودون تفصيل، أما العلماء فيكفرونهم لأنهم لم يكفروا هؤلاء ولا أولئك، كما يكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم فلم يقبله أو قبله ولم ينضم إلى جماعتهم ويبايع أمامهم، أما من انضم إلى جماعتهم ثم تركها فهو مرتد حلال الدم، كما يزعمون أن أميرهم شكري مصطفى هو مهدي هذه الأمة المنتظر، وأن الله تعالى سيحقق على يد جماعته مالم يتحقق على يد محمد صلى الله عليه وسلم من ظهور الإسلام على جميع الاديان اما الشق الثاني لعمل هذه الجماعة بعد التكفير فهو «الهجرة» ويقصد بها اعتزال المجتمع الذي كفروه عزلة مكانية وعزلة شعورية.
|
 |