*التوسل بالمخلوق الى الله تعالى :
التوسل : هو التقرب الى الشيء والتوصل إليه ، والوسيلة القربة ، قال الله تعالى ( وابتغوا إليه الوسيلة ) 1 ، أي القربة إليه سبحانه بطاعته واتباع مرضاته 0
التوسل قسمان :
القسم الأول – توسل مشروع وهو أنواع :
النوع الأول : التوسل الى الله تعالى بأسمائه وصفاته كما أمر الله تعالى بذلك في قوله ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ) 0
النوع الثاني: التوسل الى الله بتوحيده كما توسل يونس عليه السلام ( فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) 0
النوع الثالث : التوسل الى الله تعالى بإظهار الضعف والحاجة والافتقار الى الله تعالى كما قال أيوب عليه السلام ( أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) 0
النوع الرابع : التوسل الى الله تعالى بدعاء الصالحين الأحياء ، وكما كان الصحابة يفعلون إذا أجدبوا طلبوا من النبي e أن يدعوا لهم ولما توفي صاروا يطلبون من عمه العباس رضي الله عنه فيدعوا لهم 0
النوع الخامس : التوسل الى الله تعالى بالاعتراف بالذنب ، قال تعالى ( قال ربِ إني ظلمت نفسي فاغفر لي ) ، وقال تعالى حكاية عن آدم وزوجته ( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) 0
النوع السادس : التوسل الى الله تعالى بالإيمان والأعمال الصالحة التي قام بها المتوسل كما قال تعالى عن أهل الإيمان ( ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن أمنوا بربكم فأمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ) 0
وكما في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة فسدت عليهم باب الغار فلم يستطيعوا الخروج فتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم ففرج الله تعالى عنهم 0
القسم الثاني – توسل غير مشروع :
وهو التوسل بما عدا الأنواع المذكورة في التوسل المشروع كالتوسل بطلب الدعاء والشفاعة من الأموات ، والتوسل بجاه أحدٍ من الخلق حتى لو كان من ذوي الجاه والقدر عند الله كالأنبياء والملائكة ، وكذلك التوسل بذوات المخلوقين أو حقهم ، وتفصيل ذلك كما يلي :
1- طلب الدعاء من الأموات : وهذا لا يجوز لأن الميت لا يقدر على الدعاء كما كان يقدر عليه في الحياة ، وطلب الشفاعة من الأموات لا يجوز لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان رض الله عنه ومن بحضرتهما من الصحابة والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا واستشفعوا بمن كان حياً كالعباس ويزيد بن الأسود رضي الله عنهما ، ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا بالنبي e لا عند قبره ولا عند غيره ، بل عدلوا الى البدل كالعباس ويزيد ، وقد قال عمر رضي الله عنه " اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا وإنا نتوسل بعم نبينا فاسقنا " فجعلوا هذا بدلاً عن ذلك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلون 0
وقد كان من الممكن أن يأتوا الى قبره فيتوسلوا به لو كان جائزاً ، فتركهم لذلك دليل على عدم جواز التوسل بالأموات لا بدعائهم ولا بشفاعتهم ,وإلا فلو كان طلب الدعاء منه والاستشفاع به حياً وميتاً سواء ، لما عدلوا عنه الى غيره ممن هو دونه 0
2-التوسل بجاه النبي e أو بجاه غيره : وهذا أيضاً لا يجوز لا لأنه لا مكانة ولا جاه للنبي e عند ربه حاشا فجاهه معروف ومكانته معلومة ولكن سؤالاً بهذا الشكل وهذه الصيغة لم يثبت ولم يصح فيه دليل ، وبما أن السؤال والتوسل من الدعاء ، والدعاء مخ العبادة ، والعبادة توقيفية ولا تثبت إلا بدليل صحيح صريح كان هذا النوع من التوسل غير مشروع 0
وأما الحديث الذي فيه { إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم } فهو حديث مكذوب ليس في شئ من كتب المسلمين التي يعتمد عليها ، ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث ، وإذا كان هذا في حق النبي e وهو أشرف الخلق فغيره من باب أولى 0
3- التوسل بذات المخلوقات : وهذا أيضاً لا يجوز لعدم ورود ما يدل على ذلك ، والتوسل عبادة والعبادة يتوقف فيها عند النص ، تم إن المتوسل بذات المخلوق إن كان يقصد بالباء في قوله : أسألك بذات فلان القسم فهو إقسام به على الله تعالى ، وإذا كان الإقسام بالمخلوق على المخلوق لا يجوز وهو شرك كما في حديث { من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك } ، فكيف بالإقسام بالمخلوق على الخالق جل وعلا ، وإن كانت الباء للسببية فالله سبحانه لم يجعل السؤال بالمخلوق سبباً للإجابة ولم يشرعه لعباده 0
كل كلمة تدل على الجهل بالله وإساءة الأدب معه لا يحل السكوت عليها :
عن جبير بن مطعم قال : أتى رسول الله e أعرابي فقال : جهدت الأنفس ، وجاع العيال ، وهلكت الأموال ، فاستسق الله لنا ، فإنا نستشفع بك على الله ، ونستشفع بالله عليك ، فقال النبي e { سبحان الله سبحان الله } فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ، ثم قال : { ويحك ، إنه لا يستشفع بالله على أحد ، شأن الله أعظم من ذلك ، ويحك أتدري ما الله ، إن عرشه على سماواته هكذا ، وقال بأصابعه مثل القبة عليه ، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب } 0
وقد علمنا من هذا الحديث شدة انكار النبي e على الإعرابي الذي قال : إنا نستشفع بك على الله ، ونستشفع بالله عليك ، وكيف فزع لذلك ، واستشعر الخشية من الله ، وجعل يسبح الله ، ويكثر من التسبيح والتنـزيه ، وتغيرت وجوه الناس من الهيبة والدهشة ، و أوضح أن من يستشفع به على أحد يكون في الغالب أحط شأناً من الذي يستشفع عنده ، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، فلا يستشفع به عند أحد ، وقد جرت العادة أن يستشفع عند من يملك الأمر ، ببعض خاصته ، وأهل المنـزلة عنده ، فيحقق الرغبة ويعطي السؤال إرضاءاً لهذا الشفيع ، وتشريفاً لقدره ، والله هو الذي يملك زمام الأمور ، وغيره ضعيف عاجز ، مفتقر الى الله ، فكيف يستشفع به على أحد من خلقه ، فجميع الأنبياء والأولياء إذا قيسوا بعظمة الله وجبروته ، كانوا أقل من ذرة ، وإن العرش الذي أحاط بالسموات والأرضين كالقبة ، ليئط به اطيط الرحل بالراكب ، وليس في طاقة مخلوق أن يشرح عظمته أو أن يتخيلها ، فمن يجرؤ على أن يتدخل في مملكته ، وينفذ فيها أمره ، إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا يحتاج في ذلك الى وزير أو مشير ، يصرف أموراً لا يأتي عليها الإحصاء ، ولا يبلغها الاستقصاء ، في أقل من طرفة عين ، فكيف يشفع عنده غيره ، ومن الذي يستبد بالأمور دونه ؟ 0
يا للعجب إن سيدنامحمداً الذي شرفه الله على جميع خلقه لا يكاد يسمع من اعرابي كلمة تدل على سذاجته وجهله بالله حتى يملأه الخوف و المهابة ، فيفيض في بيان عظمة الله تعالى التي ملأت العالم من العرش الى الفرش ، فما بال أقوام طالت ألسنتهم ، وحملهم الطيش والجرأة ، فتشدقوا بكلام تكاد السموات يتفطرن منه ، وتنشق الأرض ، وتخر الجبال هداً ، وبدأوا يتكلمون عن الله جلت عظمته ، كأن بينه وبينهم دالة أو قرابة
|
 |