- « وأما مدن تلك الشعوب التي يعطيك الرب إلهك إياها ميراثًا ، فلا تستبق منها نسمة . بلى دمروها عن بكرة أبيها » ( التثنية 20 : 16 , 17 ) .
- « فغضب موسى على ضباط الجيش ، أي رؤساء الألوف ورؤساء المئات ، القادمين من قتال الحرب ، وقال لهم موسى : هل استبقيتم الإناث كلهن ؟ إن هؤلاء هن اللواتي حملن بني إسرائيل ، بمشورة بلعام ، على أن يخونوا الرب في أمر فغور ،فحلَّت الضربة في جماعة الرب . والآن فاقتلوا كل ذكر من الأطفال ، واقتلوا كل امرأة عرفت مضاجعة رجل . وأما إناث الأطفال اللواتي لم يعرفن مضاجعة الرجال ، فاستبقوهم لكم » . ( عدد 31 : 14- 18) .
- « فهتف الشعب ونفخ في الأبواق ، فكان عند سماع الشعب صوت البوق أن الشعب هتف هتافًا شديدًا ، فسقط السور من مكانه !!! فصعد الشعب إلى المدينة ، كل واحد على وجهه ، واستولوا على المدينة . وحرموا كل ما في المدينة من الرجال وحتى المرأة ، ومن الشاب وحتى الشيخ ، حتى البقر والغنم والحمير , فقتلوهم بحد السيف » ( يشوع 6 : 25 - 21) .
- النصوص السابقة مذكورة في التوراة المقدسة عند اليهود والنصارى الذين يقولون إن الإسلام دين عنف وإرهاب . رأينا في النصين الأول والثاني كيف يوصي موسى معاذ الله أن يكون قد فعل - بقتل الأطفال والنساء - بعد الرجال طبعًا - وقد غضب لأن جنوده قد تركوهم أحياءً بل إنه أمر بعدم استبقاء نسمة ! نسمة واحدة ! .
وفي النص الثالث نقرأ كيف كان أتباع النبي يشوع يقتلون الرجال والنساء والشيوخ والأطفال بل والبهائم ولا ينهرهم نبيهم ولا تعلق التوراة على تلك الجرائم بكلمة واحدة . بل صار ذلك وغيره من تجريف الأرض وقطع الأشجار نبراسًا يهتدي به « شارون » السفاح الإسرائيلي وأمثاله وجنودهم !؟ هو إذن رجل توراتي !!
* على النقيض من ذلك نجد في القرآن ثمرة محمد صلى الله عليه وسلم : { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ولله عاقبة الأمور } [ الحج: 41] . ونقرأ كذلك في الحديث الشريف وصيته للمجاهدين : « لا تغدروا ، ولا تغلوا ، ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ، ولا أصحاب الصوامع » ( رواه أحمد عن ابن عباس ) .
كما نقرأ في الحديث الشريف وصيته صلى الله عليه وسلم : « لا تقتلوا شيخًا فانيًا ، ولا طفلًا صغيرًا ولا امرأة ولا تغلوا وضُمُّوا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين » ( رواه أبو داود عن أنس ) .
كأنها وصية لمصلين يتأهبون للصلاة ، لا وصية لمحاربين يستعدون للقتال .
* مثل تلك النصوص في الحديث الشريف ومن قبله في القرآن الكريم كانت سببًا لسمو أخلاق الفروسية في التاريخ الإسلامي . وقد صدر أخيرًا كتاب بعنوان « من ذاكرة التاريخ العربي والإسلامي » ( نشرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر يبين مدى تأصل تقاليد الفروسية والرحمة أثناء الحروب في التراث الإسلامي وقد ذكر الكتاب فيما ذكر وصية الخليفة أبي بكر الصديق لقائد جيش فتح الشام « لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا , ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا ولا شيخًا كبيرًا ، ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلًا ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكله ، وقد قارن الكتاب بين هذه الوصية والبروتوكول الأول لسنة 77 الملحق بأحكام اتفاقيات جنيف الأربع ، المادة 51 ،54 . ثم قارن الكتاب بين قرار الخليفة العباسي المعتصم بالله . بألا يفرق بين أعضاء العائلات التي وقعت في الأسر وبين المادة 82 من اتفاقية جنيف بشأن حماية المدنيين وقت الحرب كما قارن الكتاب بين وصية الخليفة علي بن أبي طالب « إذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرًا ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تدخلوا دارًا إلا بإذن ، ولا تأخذوا من أموالهم شيئًا ، ولا تعذبوا النساء بأذى وإن شتمنكم وشتمت أمراءكم ، واذكروا الله لعلكم ترحمون » وبين المادة 41 و 76 من برتوكول 77 الملحق باتفاق جنيف
تشعر في هذه الوصايا للجنود أنها موعظة لواعظ يقف على منبر لا قائد جيش ومن هذه الأخلاق في الإسلام أيضًا ، الوفاء بالعهد : { وأوفوا بعهد الله إذا.. من أمة } [ النحل : 91 ، 92 ] ( الآية الأخيرة تأمر المسلمين أن يلتزموا بعهودهم حتى ولو تعارض ذلك مع مصالح الدولة التي طالما يتخذها الغرب ذريعة لكثير من المظالم ) . حتى المسلمون خارج ديار الإسلام لا يحق لدولة الإسلام نصرتهم على أعدائهم إذا كان هناك عهد معهم . { وإن استنصروكم في الدين بما تعملون بصير } [ الأنفال : 72 ] .
= ولم تكن هذه مثلًا نظرية ، إنما كانت سلوكًا اجتماعيًّا . قال حذيفة بن اليمان ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أنني خرجت أنا وأبو الحسيل فأخذنا كفار قريش فقالوا إنكم تريدون محمدًا . فقلنا : ما نريده وما نريد إلا المدينة . فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننطلق إلى المدينة ولا نقاتل معه ، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر فقالت : « انصرفا . نفي بعهدهم ونستعين الله عليهم » .
ومن ذلك أيضًا موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي جندل بن سهيل بن عمرو الذي جاءه يرسف في الأغلال وقد فر من كفار مكة أثناء عقد صلح الحديبية الذي كان من بنوده أن يرد النبي صلى الله عليه وسلم من يأتيه مسلمًا من قريش رغم استغاثة أبي جندل : معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنوني عن ديني ؟ .
كما سمح المسلمون ليهود خيبر وبني النضير - بعد هزيمتهم - أن يستلموا صحفهم من التوراة . لنقارن ذلك بما فعله الأسبان مع المسلمين عقب النصر عليهم . إذ أحرقوا كنبهم على يد القسيس « خمنيس دي سيسنيروس » لم يحرق النبي صلى الله عليه وسلم ولا المسلمون أبدًا صحفًا مقدسة ولا غير مقدسة لأعدائهم . وقد جعل المستشرق « ولفنسون » يذكر إزاء هذا حرق الرومان لكتب اليهود المقدسة بعد فتح أورشليم عام 70م ثم داسوها بأرجلهم . وهو نفس ما فعله النصارى مع يهود الأندلس ( تاريخ اليهود ببلاد العرب ) ص170
و يمضي الإسلام في طريقه العلوي مع الشرف والكرامة فلا يبيح الغدر حتى وهو يخشى خيانة الآخرين فينبذ إليهم في وضح النهار . ولا يبيتهم بالغدر {وأما تخافن من قوم خيانة إن الله لا يحب الخائنين } .
** أما من قصور هذه الأخلاق في التاريخ النصراني فحدِّث ولا حرج .
فحين دبت فيهم بوادر القوة لأول مرة منذ علو الإسلام شنوا الحروب الصليبية رغم تسامح الفاطميين مع أهل الكتاب بشكل لها يعرفه أي مجتمع آنذاك .
( وخاضت الجياد في المسجد الأقصى في الدم حتى الركب بل وحتى اللجام فقتلوا في أعقاب الاستيلاء الأول على القدس عشرة آلاف مسلم - حسب المصادر الأوربية - أما المصادر الإسلامية فتقدر عدد من قتلوا بمائة ألف . ثم قتل زعيم الحملة الصليبية الثانية ريتشارد ملك إنجلترا - ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف من الأسرى المسلمين ثم بقر أجسامهم وحرق جثثهم وقد رد صلاح الدين سلطان المسلمين - على ذلك بأن أعتق فقراء النصارى بدون مقابل . بل إنه أمر بعد ذلك بتوزيع تركته بين فقراء المسلمين واليهود والمسيحيين على السواء )
موقف صلاح الدين مع الأسرى له جذوره في القرآن :
{ ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا } [ الإنسان : 8 ]، أي أن القرآن يأمرني أن أفضل الأسير على نفسي في الطعام وهو الذي كان بالأمس حريصًا على قتلي .
ومن دلائل هذه البربرية أيضًا محو الوجود الإسلامي في الأندلس وصقلية وتعرض المسلمين لمصادرة الأموال والقتل الجماعي والإجبار على التنصير ، والتهجير وعدم استخدام اللغة أو الأسماء أو الملابس العربية وتحويل جميع المساجد إلى كنائس .
الغريب أنه في الوقت الذي تعرض فيه المسلمون لهذه الأهوال في أطراف البلاد الإسلامية لم تتعرض الأقليات المسيحية في دار الإسلام لإجراءات انتقامية مماثلة اللهم إلا بعض الحالات الفردية والتميز الضريبي والسلوكي ..
* والحق أن المسلمين لم يكونوا الضحية الوحيدة للغرب المسيحي . فعندما استعمر الأسبان والبرتغاليون والفرنسيون والإنجليز ، شعوب البلدان المذكور - ( أفريقيا والأمريكتين وغيرها ) قضوا على القبائل المحلية التي كانت تعيش حالة نقاء تامة وقد بارك كهنة المسيحية تلك المجازر ، ووجدوا المبرر النظري لوحشية المتحضرين ] كما يقول روجيه جارودي المفكر الفرنسي المهتدي للإسلام : « إن ما درجنا على تسميته بـ « التقاء الثقافات » ، ويحتفل به البابا جون بول الثاني بزهو كأنه تبشير بالإنجيل للعالم الجديد هو في عام 1992 : الاحتفال بمذابح الهنود ، وبداية العهد الاستعماري في التاريخ الحديث » أدت خمسة قرون من الاستعمار إلى نهب ثروات ثلاث قارات ، وإلى تدمير اقتصادياتها وإلى تكبيلها بالديون لقد حطم الصليبيون في عصر الكشوفات الجغرافية حضارات بشعوبها مثل حضارة الانكا والمايا والأزتيك في الأمريكتين واستخدموا أساليب محاكم التفتيش كقتل الرجال والنساء وإلقاء الأطفال للكلاب والإلقاء في الأحراش وقطع أطراف الأبرياء ذات مرة لمجرد اختبار شحذ سيوفهم وكان هؤلاء الغزاة يحملون معهم الكهنة الذين يوصون الجنود بالدعوة إلى المسيحية فإن لم تأت بنتيجة مرجوة « فليحتكم إلى السيف» [ وصية كابرال أحد قادة أساطيل البرتغال وقتها ] بالطبع لم يسلم المسلمون من هذه المجازر فعلى سبيل المثال أحرق « فاسكو دوغاما » ( المكتشف ) ( هكذا وحسب هذا ما قيل لنا في مناهج المدارس ) أحرق بقسوة مركبًا للحجاج يحمل المئات من الرجال والنساء والأطفال . ثم شنق على ظهر سفينته ثمانمائة بحار هندي وقطع أيديهم ورؤوسهم ثم دفع جثثهم في مركب حمله التيار إلى الشاطئ ليراهم ذووهم ... ليس هذا فحسب ، بل إن قائدا آخر لأساطيل البرتغال وهو « ألبركيرك » ، دارت في رأسه فكرة أن يستولى على رفات النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة ليساوم به المسلمين نظير ترك فلسطين [ هذا ما ذكرته سونياي هاو ] في كتابها « في طلب التوابل » ص 208 - 225 نقلًا عن الكتاب القيم للدكتور شوقي أبو خليل « التسامح في الإسلام » ص 103 – 105.
« أوربا لم تنهض وترتقي بجهدها وعرقها هي ، ولا بفضل الاستثناء أو التفرد الأوربي في العقل والمؤسسات والعبقرية ، أي بسبب خصائص العرق الأوربي المتميز . وإنما أوربا استفادت من الاقتصاد الأطلسي وفي استغلالها المباشر لمستعمراتها الأمريكية وتجارتها في العبيد من أبناء أفريقيا وتسخيرها لهم .. استغلت أوربا ما استخرجته من الفضة مجانًا ، والتي سخرت من أجله عمل العبيد مجانًا »
- ولا يمكن أن نغفل هنا ما صنعه التعصب الصليبي قبل ذلك مع اليهود وكيف بدأ عام 537م بمرسوم « جستنيات » بحرمان اليهود من الحقوق المدنية وحرية العبادة ثم بإجبار اليهود في إسبانيا على اعتناق المسيحية عام 613م ثم تحويلهم إلى عبيد . بدأت بعد ذلك عمليات الذبح والطرد من أوربا ... من فرنسا على يد فيليب أوغسطس ثم لويس التاسع ثم شارل السادس عام 1394م ( وهذا هو الطرد الأخير من فرنسا ) كذلك طردوا من إنجلترا ( 1290م ) ومن فيينا (1421م ) ، ومن إسبانيا 1492م . كذلك أجبر القيصر نيقولا الأول أطفال اليهود على التنصر ثم طردوا من موسكو عام 1891 . [ نقلًا بتصرف عن 178 - 177. ] ولم يكن ليهود أوربا ملجأ سوى الأندلس الإسلامية ( قبل سقوطها طبعًا ) .
* = بل إن التعصب الصليبي قد امتد لذات النصارى لكنهم يختلفون في الانتماء الطائفي . ففيما بين أواخر أغسطس ومنتصف سبتمبر عام 1572 وهو تاريخ معركة واحدة من معارك الحروب الدينية ، قام التعصب الكاثوليكي بذبح خمسين ألف بروتستانتي فرنسي ، وقد احتفل البابا جريجوار الثالث بهذه المناسبة وأمر بإشعال الأنوار ابتهاجًا بالمذبحة وضحاياها ، كما قام بصكِّ ميدالية تذكارية احتفالًا وتخليدًا لهذه المناسبة / المجزرة !! وفي شهر أكتوبر عام 1685 تم اجتياح الكنائس البروتستانتينية وطرد ثلاثمائة ألف من صفوة شخصيات فرنسا وإن هرب البعض منهم إلى سويسرا بينما لاقى البعض الآخر مصيره المحتوم - أما في تلك الفترة التاريخية المعروفة باسم « عصر الرعب » والتي امتدت من الخامس من شهر سبتمبر عام 1793 إلى 27 يوليو 1794 فقد تم خلالها فصل أكثر من ألف وخمسمائة رأس بالمقصلة ! أما محاكم التفتيش في إسبانيا فقد امتدت من القرن العاشر حتى عام 1808 حينما قام نابليون بإلغائها . ولقد أبادت عشرات الآلاف بتمزيق أوصالهم أو بحرقهم أحياء ، أو بإعدامهم تحت زعم أنهم ملحدون أو منشقون أو سحرة !! وفي عام 1813 عندما أعلن المحامي « كورتيس » أن محاكم التفتيش كانت غير دستورية ، اعترض الفاتيكان بشدة على ذلك
ولعل الذاكرة الأوربية المسيحية لا تنسى أبدًا حرب الثلاثين عامًا من 1618م إلى 1648م « التي بدأت نتيجة لتعصب ملك كاثوليكي - فرديناند الثاني - كان يكره البروتستانت وأراد استئصالهم من مملكته » .
ولقد بدأت الشرارة في بوهيميًّا ثم ما لبثت أن امتدت إلى أغلب دول أوربا ، فشملت الإمبراطورية الألمانية وفرنسا وإنجلترا وهولندا والسويد والدنمارك ودويلات البلطيق وغيرها . لقد استمرت هذه الحرب بل الحروب 30 عامًا أكلت الأخضر واليابس
بعد ذلك بقليل بدأت الحقبة الاستعمارية - منذ أوائل القرن التاسع عشر - ولا أدل على جرائم تلك الحقبة مما فعل في الهند . يذكر المفكر الفرنسي روجيه جارودي في كتابه « حفارو القبور » أن الاستبداد الإنجليزي قد أدى إلى مجاعة ووفاة مليون شخص فيما بين عامي 1800 و 1820 ، ووفاة 5 ملايين شخص فيما بين عامي 1850 و 1875 ، ووفاة 15 مليون شخص فيما بين عامي 1875 و 1900 . (ص 5) أي 21 مليونًا خلال قرن من الزمان !! كذلك لا يزال عالقًا بأذهاننا مذابح المحتلين الإيطاليين في ليبيا في أوائل القرن العشرين التي سبقها مذابح الفرنسيين للجزائريين ، الذين تحول مسجدهم الكبير في عاصمتهم إلى كاتدرائية بعد ذبح 4000 مسلمًا فيه ، ثم صار في الجزائر 327 كنيسة و 45 معبدًا لليهود إلى جانب 166 مسجدًا فقط للمسلمين أهل البلاد .
* التطرف الصليبي لم يقف عند هذا التاريخ سواء فيما بين النصارى أو فيما فعلوه بالشعوب البدائية وقتذاك . بل لقد امتد للدول المسيحية العظمى في القرن التاسع عشر حيث ظهرت الحقبة الاستعمارية الثانية « بعد استعمار العالم الجديد » وحيث بدأ ظهور الولايات المتحدة الأمريكية وتأكيد مبدأ « البراجماتية».
- الغاية تبرر الوسيلة إذ في عام 1818 حيا الرئيس « جون آدمز » المفعول الناجح للإرهاب في التعامل مع جحافل الهنود والزنوج عديمي الولاء . كتب ذلك ليبرر هياج الرئيس « آندرو جاكسون » في فلوريدا والذي أباد السكان . لم يقف الأمر بالطبع عند الهنود الحمر . بل لقد سعى الغرب الصليبي بعد فترة الاستعمار إلى إقامة دكتاتوريات حاكمة للشعوب الأخرى يسهل السيطرة عليها . يقول «جورج كينان »- رأس مخططيى وزارة الخارجية الأمريكية حتى عام 1950م من الأفضل وجود نظام قوي في السلطة ( في الدول غير الغربية ) عن وجود حكومة ليبرالية متسامحة متراخية
العجيب أن هذا الفكر يعود إلى الصليبي الأكبر « لويس التاسع » أو كما يسمونه القديس لويس - ملك فرنسا وقائد الحملة الصليبية الشهيرة - إذ دعى إلى عدم تمكين البلاد الإسلامية والعربية أن يقوم فيها حكم صالح ودعا إلى إفساد أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية بالرشوة والفساد والنساء .
ثم سار مفكرو وحكام الغرب على هذا النهج من دلائل ذلك أيضًا قول المستشرق « و. ك سميث » [ وهو أيضًا خبير أمريكي في شؤون باكستان : «إذا أعطى المسلمون الحرية في العالم الإسلامي ، وعاشوا في ظل أنظمة ديمقراطية ، فإن الإسلام ينتصر في هذه البلاد ... وبالديكتاتوريات وحدها يمكن الحيلولة بين الشعوب الإسلامية ودينها » . كما نصح رئيس مجلة تايم الأمريكية في كتابه « سفر آسيا » الحكومة الأمريكية أن تنشئ في البلاد الإسلامية ديكتاتوريات عسكرية للحيولية دون عودة الإسلام للسيطرة على الأمة الإسلامية ]وقد سار واضعو سياسات الغرب على هذا النهج تقودهم الولايات المتحدة . التي أسقطت الحكومات الليبرالية « الديمقراطية » [ عام 1953 في إيران وعام 1954 في جواتيمالا وعامي 1963 و1965 في الدومنيكان وفي البرازيل عام 1964 وشيلي عام 1973 ]
ولم تبال الولايات المتحدة بالنتائج إذ « في عام 1954 هندست المخابرات الأمريكية انقلابًا حول جواتيمالا إلى جهنم أرضية ».. كما يقول عالم اللغويات الأمريكي الأشهر « ناعوم تشومسكي » عندما دخلت قواتنا كوريا عام 1945 ، عزلت حكومة ذات شعبية معادية للفاشية قاومت الاحتلال الياباني ، وأشعلنا حربًا ضروسًا ، واستعنا بعناصر من الشرطة اليابانية الفاشية والكوريين المتعاونين معهم خلال فترة الاحتلال الياباني لكوريا . سقط في كوريا الجنوبية مائة ألف قتيل . وذلك قبل نشوء ما أسميناه الحرب الكورية ... وفي إقليم واحد صغير « جزيرة شيجو » سقط 30000 - 40000 قتيل في أثناء ثورة الفلاحين » أما في فيتنام فلا ينسى العالم الإجرام الأمريكي الذي وصل بهم إلى إلقاء 44 مليون برميل مواد كيماوية لحرق الغابات .
التعصب الصليبي في الحقبة الحالية :
امتدادا للعصور السابقة من التعصب الصليبي على مر التاريخ لم يفلح التقدم الحضاري المادي الذي وصل إليه الغرب في تهذيب تعصبهم ضد الإسلام . بالرغم من أنه لم يعد يدري من دينه إلا اسمه بعد الانحلال الخلقي الذي وصل للحضيض بالسماح بالزواج من الجنس الواحد ( أي ذكر يتزوج ذكرًا والأنثى كذلك ) بل والضغط على حكومات الأمم الأخرى لقبول ذلك .
أقصى درجات رقة القلب وصل إليها الغرب هي الرفق بالحيوان والعطف عليه . من ذلك ما ذكرته بعض صحفهم - في ذروة محنة البوسنة والهرسك - من قضية رفعها مواطن إنجليزي ضد سيدة عضَّهُ كلبها في حديقة عامة إثر إجبار ذلك الشاب الكلب على شم خام الصمغ النَّفاذ . فحكم القاضي لصالح الكلب وقال : إن من حق الكلب الدفاع عن نفسه ! المعروف أن الأمم المتحدة رفضت السماح لأهل البوسنة المسلمين باقتناء السلاح للدفاع عن أنفسهم ضد البربرية الصربية وتحججت بمنع دخول السلاح لكل الأطراف وهي تعلم تمامًا أن الصرب ورثوا سلاح الجيش اليوغسلافي ولا يحتاجون لغيره . أي صار في عرف الغرب أنه من حق الكلاب الدفاع عن نفسها ولو ضد الإنسان أما المسلم فلا .
* من أهم فصول التعصب الصليبي في العصر الحالي زرع الكيان الإسرائيلي في قلب بلاد العرب وحول مقدسهم في فلسطين . والتعهد بدعمه بالسلاح والتكنولوجيا والدبلوماسية والمال مهما كانت تجاوزاته ضد العرب .
* من ذلك أيضًا مساندة الدكتاتوريات الحاكمة في بلاد الإسلام كما أسلفنا ومساندة أي انقلاب ضده الرغبات الشعبية الإسلامية في إقامة حكم ديمقراطي إسلامي مثل الجزائر التي سرقوا فيها أصوات الناخبين وسلموا الحكم لغيرهم وتسببوا في حمامات دم لم تنقطع حتى الآن .
* ومن ذلك الضغط على الحكومات التركية المتتابعة لتلجيم الإسلاميين . فظلت تمني الأتراك بدخول السوق الأوربية المشترك ثم وريثه « الاتحاد الأوربي » ظلت تمنيهم أكثر من عشرين عامًا . أما المنافس التقليدي للأتراك وهي اليونان فقد قبلت عضويتها منذ تسعة عشر عامًا . والعجيب أن الحكومات التركية العلمانية قد وافقت على قوانين تمنع المحجبات من الدراسة والعمل والبرلمان ( كالنائبة «مروة كاوقجي » ) وحل أي حزب إسلامي ( بالرغم من اكتساحه للانتخابات ) بل وأخيرًا الموافقة على قانون بطرد مائة ألف موظف لهم ميول إسلامية بناءً على توصية من صندوق النقد الدولي . كما وافقت الحكومة التركية على إلغاء عقوبة الإعدام وإعطاء بعض الحقوق للأكراد والاهتمام بحقوق الإنسان وسيادة القانون مع الجميع فيما عدا التيار الإسلامي !! كما حاربت المعاهد الدينية ... كل ذلك لم يرض الأوربيين فأعلن الاتحاد الأوربي ( هكذا على بلاطة ) أنه مُصرٌّ على الالتزام بالقيم والقوانين الأوربية فقط !!! افتقد الاتحاد الأوربي الشجاعة أن يصف هذه القيم الأوربية بأنها مسيحية ..
* هناك عدة محطات في مسألة التجاوزات الغربية الحالية يجب التوقف عندها ...
في البوسنة والهرسك : بعد تفكك الاتحاد اليوغسلافي صارت كل قومية من ذلك الاتحاد المنهار تسعى للاستقلال عن طريق الاقتراع . فعل ذلك الصرب والكروات والسلوفين . وصدق المسلمون الأغلبية في البوسنة أنهم لهم حقهم مثل هؤلاء فاقترعوا ونجحوا في إعلان الاستقلال بعد فوز تيارهم في الاقتراع . ولكن هيهات ، انقلب الوحش الصربي عليهم لكسر تلك الإرادة بقيادة المجرم « ميلوسوفيتش » فصنع دمارًا لم يحدث في أوربا منذ الحرب العالمية الثانية . وتآمرت الأمم المتحدة بقيادة الثلاثي : بطرس غالي وسيروس فانس وديفيد أوين ، ذلك بأن تلكأت في إرسال قوات فاصلة بين الأطراف لمدة ثلاث سنوات حتى يتم المجرمون جريمتهم . مع أن الأمم المتحدة أسرعت من قبل حين دبت الحرب بين الصرب والكروات بإرسال أربعين ألف جندي للفصل بين الطرفين ( المسيحيين طبعًا ) وحين أوشك مجلس الأمن على إرسال قوات للبوسنة غضب بطرس غالي وقال : لقد تدخلتم في اختصاصي ( لأنه كان الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك ) كما أن الأمم المتحدة ( علينا فيما يبدو! ) أجرمت كذلك بإصدار قرار بمنع وصول السلاح لكلا الطرفين وهي تعلم أن الصرب ليسوا في حاجة للسلاح إذ ورثوا الجيش اليوغسلافي الضخم .
وقد كان المجرم « سلوبودان ميلوسوفيتش » صريحًا حين أعلن في التلفزيون الصربي عقب بداية الحرب وإدانة الغرب له حين قال : لقد عهدت إلينا أوربا بالمهمة القذرة !! أوربا تنافق حين تديننا لأنها راضية عما نفعل .
لقد كانت حصيلة الاجتياح الصربي في البوسنة : 250 ألف قتيل ( مئتان وخمسون ألفًا ) و 2مليون مُشَرَّد ( مليونان ) . [ هذان الرقمان مصدرهما الرئيس الأمريكي السابق كلينتون في محطة CNN عقب أول يوم ضُرب فيه الصرب من حلف « ناتو» في كوسوفا ] ، أما ما لم يذكره كلينتون فهو عدد النساء المغتصبات من المسلمين ... إنه خمسون ألف مسلمة أعمارهن من السادسة حتى الستين !!
أين كان العالم ؟ وأين كان الفاتيكان رأس دين المحبة ؟
لقد ناشد البابا يوحنا بولس الثاني بابا الفاتيكان وقتها المسؤولين السياسيين في العالم بأن « يسمعوا لصوت المسيح في السهر على مصير الشعوب .. اسمعوا صوت الحب الحنون القوي يا من تشهرون أسلحة العنف والقتال !!» جريدة ليموند 27 ، 28/ 12/ 1992م حقًّا إنه كلام مؤثر يحطم نياط القلوب!
هكذا تواجه المذابح ضد الأبرياء! ... لماذا لم يذهب البابا هناك مثلما فعل عام 1979م حين زار أيرلندا للحدِّ الصراع الدائر هناك ؟ لِمَ لم يذهب بعد ذلك لمشاهدة المقابر الجماعية للمسلمين التي لا زل