الرئيسية  +  لوحة التحكم  +  البحث  +  مركز تحميل الملفات +  للاعلان في الموسوعة التسجيل + مواضيع اليوم + المشاركات الجديدة الخروج

 
 

عزيزي العضو لا تتعب نفسك بوضع ردود الشكر على المواضيع لاننا سنقوم بحذف مثل هذه الردود تماما ولذلك يجب عليك وضع رد مناسب ومكمل للموضوع او لا تضع ردا نهائيا ... شكرا لتعاونكم

مساحات إعلانية



العودة   موسوعة الساحات الالكترونية > القسم العام > موسوعة فتح الملفات

موسوعة فتح الملفات سري للغاية , ملفات كبيرة ومخيفة , لا للخوف والخجل , مواضيع جرئية

لمتابعة المواضيع الدينية
اشترك الان في جروب شبكة النظم العربية واحصل على الفائدة

رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 13 Mar 2008, 06:34 PM
الصورة الرمزية علي66
علي66 علي66 متواجد حالياً
المشرف العام
 


علي66 تم تعطيل التقييم
افتراضي وحـدة العَـالم الإسـلامي بين تمزيـقين جغـرافي/ سياسي وثقـافي

بقلم: الدكتورالطيب بن المختار الوزانـي
كاتب بجريدة المحجة المغربية

تقـديـم:
مفكرة الإسلام: ظل المسلمون في تاريخهم تجمعهم آصرة العقيدة وتوثق رابطتهم الأخوة الإيمانية، وبهذه الرابطة والآصرة عاشوا في وحدة جسدية وتآخٍ اجتماعي وإنساني متين وشديد التماسك؛ وإذا كانت الوحدة تقتضي مقومين كبيرين: وحدة المكان والجغرافيا، ووحدة الإيمان والثقافة والفكر والسلوك، وبدونهما يصعب تحقيق هذه الوحدة ـ فإن وحدة العالم الإسلامي كادت أن تصبح مجرد شبح لا واقع له، وخيال في الذاكرة التاريخية، ومجرد حلم يزداد مع الزمن صعوبة تحققه لسببين كبيرين:
أولهما: خارجي يرجع إلى الجهود المكثفة من قبل القوى الاستعمارية القديمة والجديدة، لمحو كل أثر ومعلم لهذه الوحدة على جميع المستويات، أبرزها المستوى الجغرافي والفكري/ الثقافي.
وثانيهما: داخلي يتمثل في ضعف أثر الجهود المبذولة من قبل أبناء الذات الإسلامية للنهوض ومقاومة كل أشكال التمزيق والتذويب، حتى أصبح اليوم من الصعب الحديث عن مفاهيم من قبيل "العالم الإسلامي"و"الثقافة الإسلامية" و"الأمة الإسلامية"و"الوحدة الإسلامية "؛ لأننا صرنا أمام "عوالم إسلامية"، وأمام "ثقافات متباينة ومتصارعة" داخل كل قطر أو دولة، وأمام "أقطار" و"دول" مختلفة فيما بينها أكثر مما هي متفقة، وأشلاء منفصلة عن بعضها وقابلة لزيادة التفرق والتمزق وغير ذلك.
مما جعل كيان الوحدة الإسلامية مطلبًا ملحًا ضمن مطالب مشاريع النهوض الإسلامي المعاصر؛ لأنه مطلب شرعي وواقعي.
وقد ظلت فكرة الوحدة الإسلامية تواجه تحديات كثيرة وخطيرة للقضاء عليها، وذلك من زمن بعيد، يرجع بعضها إلى الحركات العقدية والسياسية والفكرية التي وجدت في العالم الإسلامي وكانت تستهدف القضاء على الخلافة الإسلامية والانفصال عنها أو إضعافها، كما يرجع بعضها الآخر إلى بعض الأطراف الخارجية كالغزو المغولي والتتري والهجمات الصليبية، لكن ذلك لم يكن ليؤثر في جسم الأمة الإسلامية ـ حينما كان قويًا ـ مثلما استطاعت الحركات الاستعمارية المعاصرة تحقيقه، سواء على مستوى تمزيق الخريطة الجغرافية للعالم الإسلامي إلى دول وكيانات صغيرة، ثم تمزيق هذه الكيانات داخليًا على المستوى العقدي والفكري والثقافي بإدخال مذاهب وأفكار غربية وغريبة عن مكونات الاجتماع الإسلامي المبني على الثقافة الإيمانية سياسيًا واجتماعيًا وخلقيًا واقتصاديًا ...
فكيف تم هذان التمزيقان الجغرافي السياسي والثقافي؟ وما هي آلياتهما ووسائلهما ومظاهرهما؟ وما حجم الآثار المترتبة عن ذلك؟

أولاً: التمـزيـق الـجغـرافي /السياسي:
تم تمزيق وحدة العالم الإسلامي جغرافيًا وسياسيًا بتقسيمه إلى دول وأقطار صغرى وكيانات سياسية تابعة للدول الاستعمارية، وذات ولاء وتبعية يصعب فك عراها، وأصبحت الرابطة التي تربط هذه الأجزاء بالغرب أقوى من التي تربطها بأخواتها الأجزاء الإسلامية الأخرى التي لم تفصل عن أخواتها أول الأمر إلا كرهًا، ثم صارت لا تلتقي معها إلا كرهًا!!
فما هي الوسائل والطرق التي نهجها الغرب لتمزيق وحدة الأمة وكسر بيضتها؟

(1) القُطْرية:
عمل الاستعمار منذ القرن التاسع عشر على تمزيق دولة الخلافة الإسلامية إلى دول قُطْرية وقومية، وتم زرع مفاهيم موازية لذلك وخادمة مثل مفهوم الوطن والوطنية والقومية، وتشجيع المناطق التابعة للخلافة الإسلامية العثمانية على الاستقلال، وقبل خروج الاستعمار البريطاني والفرنسي عمل هذا الأخير على تقسيم خريطة العالم الإسلامي إلى دول وأقطار وكيانات سياسية صغيرة و"مستقلة"! بعد القضاء على الخلافة العثمانية و تحويلها هي نفسها إلى مجرد دولة على النموذج الغربي العلماني والمغرق في معاداته للإسلام وللعروبة، إمعانًا في سياسة الفصل والتفرقة وزرع العدوانية بين تركيا والدول العربية والإسلامية.
وهكذا تم تقسيم العالم الإسلامي إلى مناطق ودول، وفي كل منطقة تم إنشاء كيان سياسي مختلف ومعاد للنظام السياسي في البلد المجاور، فتجد نظامًا ملكيًا مجاورًا لنظام جمهوري، وآخر لبراليًا مجاورًا لنظام اشتراكي، وهذا الأخير مجاورًا لنظام هجين من الاشتراكية والقومية، أو من اللبرالية والقومية، وآخر علماني بجوار آخر ديني، أو عسكري بجوار مدني ...) وبعض الأنظمة هي خليط عجيب من كل ذلك!!
وهكذا تم إقبار الوحدة الإسلامية داخل هذا الفسيفساء السياسي والجغرافي الهجين؛ بل وصار الذين يحملون الأمل في الوحدة بين جوانحهم ويحلمون بها غرباء في أوطانهم مطاردين بسبب حلمهم الوحدوي النبيل الذي يمكن أن ينقذ الأمة من ذل التفرقة والضعف وتغلب الأجنبي!!

(2) نزاعات الحدود:
لم يكن التقسيم والتمزيق الجغرافي سليمًا ولا عادلاً ولا نهائيًا، بل حافظ المستعمر على قوته عندما أبهم كثيرًا من الحدود بين هذه الدويلات المنشأة ولم يحددها بدقة، فأصبحت هذه الحدود المبهمة بمثابة "نار تحت الهشيم"، قابلة للاشتعال في أي لحظة لتزج بالإخوة "المستقلين" إلى الاقتتال والحرب (حالة اليمن مع السعودية، وحالة البحرين مع إيران، وحالة العراق مع الكويت، وحالة مصر مع السودان، وحالة ليبيا مع الجزائر وتشاد، وحالة الجزائر مع مالي، وحالة المغرب مع الجزائر، وحالة موريتانيا مع السينغال ... وحالة باكستان مع الهند وبنغلادش، وأفغانستان مع جاراتها، وحالة كل من إيران والعراق وتركيا مع الأكراد وما لم يذكر أكثر مما ذكر) .
فضلاً عن حفاظ الاستعمار الأجنبي بحقه في التدخل في كثير من المناطق، واعتبارها مناطق لا تزال تابعة له، وعدم تصفية استعماره لها، بقصد الاحتفاظ بها للضغط على البلدان التي تطالب بحقها في هذه المناطق (مثل حالة سبتة ومليلية المدينتين المغربيتين اللتين لا تزال إسبانيا تحتلهما رغم انتهاء عهد الاستعمار الجغرافي!! وتمارس إسبانيا بسبب احتلالها للمدينتين أبشع الضغوط على المغرب في قضايا كثيرة (مثل قضية الوحدة الترابية في الصحراء المغربية، والصيد البحري في المياه الإقليمية المغربية، وعرقلة تطور علاقات المغرب الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي...)).
إن بقاء النزاعات بين الدول الإسلامية على الحدود وقابليتها للانفجار في أي لحظة يعرقل مسيرة العمل الوحدوي الإسلامي باستمرار في ظل ضعف القرار السياسي والإرادة المستقلة لكثير من الأنظمة السياسية، بسبب الارتباط العضوي ـ وجودًا واستمرارًا وعدمًا ـ بدوائر القرار المتحكمة عالميا.

(3) دعم حركات الانفصال للزيادة في التجزئة والإضعاف:
عمل المستعمر على إبقاء مناطق عديدة قابلة للانفصال عن دولها الأصلية، تحت أهداف قومية أو لغوية أو عرقية أو دينية أو إيديولوجية وسياسية، مما أصبح يهدد الدول والأقطار بمزيد من التمزيق والتفتيت وبُعْد الأمل في الاتفاق والتوافق، أو على الأقل إمكان التقارب، مما أدى إلى حالة مستمرة من عدم الاستقرار والضعف، وينذر بإشعال فتائل الحرب الأهلية حالاً (حالة ماليزيا، إندونيسيا، العراق حاليًا، لبنان، السودان ...) أو مآلا ـ لا قدر الله إلا الخير ـ.
وأصبح التدخل ممكنًا في أية لحظة لمساندة حركات الانفصال المؤججة خارجيًا، والمدعومة سياسيًا وعسكريًا من قبل الدول الاستعمارية، باستعمال البند الدولي "حق الشعوب في تقرير مصيرها"، دون الالتفات إلى البند الدولي الذي يُقِرُّ بـ "حق الدول في السيادة على أراضيها" و"منع تدخل أي دولة في سيادة دولة أخرى"!!
غير أن العجيب والغريب هو التعامل المزدوج مع حقوق الأقليات، فعندما يتعلق الأمر بالأقليات المسلمة فهي وإن كانت تعاني من العنصرية العرقية أو الدينية أو الاضطهاد السياسي والإبادة، فإن المجتمع الدولي يلتزم بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلد المضطهِد للأقلية المسلمة، ويتحالف ضد الفئات المسلمة، ويمنع استقلالها (نموذج البوسنة والهرسك، ونموذج الجمهوريات الإسلامية التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي البائد ولا تزال تحت حكم روسيا، في حين تم منح الاستقلال للقوميات الأوروبية التي كانت تحت حكم الاتحاد بنفس مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، بدون أن يشمل هذا الحق الشعوب الإسلامية!!).

(4) زرع الكيان الصهيوني:
كانت جهود الدول الاستعمارية لزرع الكيان الصهيوني في قلب جسم الأمة الإسلامية تصب في سياق زرع فيروس من شأنه القضاء الواضح على الوحدة الإسلامية، وتشتيت الكيان الحضاري المسلم، وفعلاً منذ أن تم ذلك ازدادت الأمة الإسلامية ضعفًا وانهيارًا، وزادتها المواجهات غير المتكافئة مع هذا العدو انهيارًا واستسلامًا وتراجعًا خطيرًا عن المبادئ الثابتة، اللهم إلا من بعض المواقف الشعبية والسياسية المحدودة التأثير، والتي لا تزال تُسَاوَم على مبادئها وحقوقها الإسلامية الثابتة في فلسطين والقدس.
كما زاد العدو الصهيوني من تقوية ترسانته العسكرية والنووية ليرغم أنف الدول القطرية العربية والإسلامية للقبول والاعتراف به والتعاون معه، وفي نفس الوقت عمل على تفعيل دبلوماسيته المدعومة بالقوة السياسية الذاتية والغربية، وأصبح يفرض على المسلمين خيارات التطبيع الاقتصادي والثقافي و(الديني أيضًا!! من خلال ما أصبح يعرف اليوم بحوار الثقافات أو حوار الحضارات أو حوار "الأديان" !!).

(5) تغيير المفاهيم والمسميات الجغرافية:
في سياق تفتيت الأمة وتغييبها عن مشروعها النهضوي والوحدوي شنت الدوائر الغربية حملة إعلامية قوية مدججة بترسانة من المصطلحات الجغرافية/السياسية "الجيوبوليتيكية" الجديدة والبديلة عن المصطلحات الخادمة للوحدة الإسلامية، والتي يتم تسويقها إعلاميًا، وإغراق السوق السياسية والصحافية والفكرية بها، حتى يشيع استعمالها ويستقر، وتحل محل المفاهيم الإسلامية، فيتم إقبار الوحدة الإسلامية على مستوى مسميات الخريطة السياسية، فتنمحي من ذاكرة الشعوب الإسلامية ووجدانها سياسيًا وثقافيًا.
وهكذا تم إحلال مفهوم (الدولة) بدل (الخلافة)، ومفهوم (الوطن) بدل مفهوم (الأمة)، ومفهوم (العالم العربي والإسلامي) بدل (العالم الإسلامي)، ومفهوم (الشرق الأوسط) بدل (الشرق الإسلامي)، ومفهوم (شمال إفريقيا) بدل (الغرب الإسلامي)، ومفهوم (الصراع العربي/ الإسرائيلي أو الصراع الفلسطيني / الإسرائيلي) بدل (الصراع اليهودي والصهيوني/ الإسلامي ... ) .

(6) العولمة الاقتصادية:
ساهمت العولمة الاقتصادية في إلغاء الحدود نسبيًا وتجاوز مفهوم الدولة التقليدي، وتمكنت ليس من إزالة الحدود فقط، وإنما تحطيم جميع الحواجز والسدود التي قد تتمثل في القوانين والتشريعات، وهي مظهر من مظاهر الحدود وشكل من أشكالها. والغاية من هذا كله إتاحة الفرص للسلع والبضائع ورؤوس الأموال والبشر للعبور إلى أي مكان بيسر وسهولة، تحت مسميات مختلفة، منها "حرية التجارة".
[عالم الفكر: العولمة والحدود، ع.4، مج:32، س:2004،ص.61]
وتعتبر المنظمات الاقتصادية العالمية والشركات متعدية الجنسيات أكبر مستفيد من العولمة، إلى حد أصبحت "أداة رئيسة في تجاوز الحدود وإضعاف مكانة الدول القُطْرية أو القومية" [نفسه: ص:66]، بل إن هذه المؤسسات الاقتصادية العالمية أصبحت "بمنزلة سلطات دولية تملك حق وضع الأسس والضوابط والإجراءات ضد من يخل أو لا يلتزم بها " [نفسه نقلاً عن: باسم علي خريسان: العولمة والتحدي الثقافي،دار الفكر العربي بيروت، ص:67/70]، وتملك من قوة الضغط ما يمكنها من فرض نوع السياسة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ... التي يجب على الدول الضعيفة نهجها (كحالة العالم الإسلامي).
ومنذ استقلال دول العالم الإسلامي تم ربط اقتصاداتها بعجلة الدول الاستعمارية، وبالمؤسسات المالية الدولية، والشركات العملاقة اقتصاديًا، ومع إحكام خناق الربط لم يعد بإمكان هذه الدول الانفراد بالقرار السياسي أو الاقتصادي، والتفكير في تحالفات اقتصادية خارج مركز ثقل الجاذبية الاقتصادية لهذه المراكز الدولية، ولم يعد بالإمكان وجود تكتلات اقتصادية إسلامية مستقلة وفاعلة، من شأنها تعزيز التقارب بين الدول الإسلامية، والتمهيد لنسج خيوط الوحدة ولو في المستقبل البعيد!!
إذ يلاحظ المهتمون بهذا الشأن ضعف أثر التكتلات الاقتصادية الإسلامية والعربية، وفشل كل اتحادات التعاون الإقليمي الاقتصادي وإجهاضها بعد ولادتها، أو شلها حتى تصبح مجرد أشباح ليس فيها أرواح.
ومما
سبق يمكن القول: إن الوحدة الإسلامية تعرضت لعملية تقطيع جغرافي وتمزيق سياسي وتجزيء قومي وعرقي شنيع، كمن يمثل بجثة إنسان حي ويفصل أعضاءها عنها، وبذلك تعرضت الأمة الإسلامية لعملية اجتثاث كبيرة وتشويه مريع لجسدها جغرافيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وتغيير مسمياتها إمعانًا في طمس جميع معالمها الوجودية والمادية، وصارت بمثابة قطع متناثرة ومتنافرة ومتناحرة، كقطع الغيار التي تهرأت وتصدأت، فيصعب تلحيمها من جديد وإعادة تركيبها كما كانت أول الأمر، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء والقائل في محكم تنزيله: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾.

ثانيًا: التـمزيـق الثقـافي:
رغم ما يظهر من قتامة التمزيق الجغرافي والسياسي وفعاليته الناجعة في الإجهاز على الوحدة الإسلامية وعلى مشروع إحيائها واستعادتها ـ فإن خطره وضرره ربما لم يصل إلى نفس مستوى الضرر الذي أحدثه التمزيق الفكري والثقافي للأمة الإسلامية لأمرين:
أولاً: لأنه لو بقيت الأمة الإسلامية موحدة فكريًا وعقائديًا رغم اختلافاتها المذهبية الذاتية ورغم التجزئة الجغرافية لتمكنت من استرجاع وحدتها السياسية والدينية، ما دامت هناك وحدة في الفكر والثقافة؛ لأن الفكر لا تقف في وجهه الموانع المادية والحواجز الجمركية والحدود السياسية والجغرافية.
وثانيًا: لأن التقسيم الجغرافي لم يمس إلا المكان والجغرافية عبر حدود وهمية أحيانًا، أو نسبية خاضعة للزمان والوعي الإنساني، بينما الثاني امتد إلى تمزيق الروح وقصف الفكر وتغيير الوجدان الباطني للمسلم والتفرقة الثقافية الاجتماعية، وهذا أعظم أثرًا وأقوى خطرًا.
ووعيًا منها بهذه الخطورة لم تكتف الدول الاستعمارية بتفتيت جغرافية العالم الإسلامي إلى دول وأقطار، بل عمدت إلى أساليب أكثر دقة لتفتيت القطر الواحد وجعل أهله شيعًا وأحزابًا متناحرة، وقنابل فكرية وعقائدية وسياسية متحكم فيها دوليًا، وقابلة للانفجار في أية لحظة تناسب تقديرات صناع الحروب ومهندسي الفوضى في العالم.
لذلك كان التمزيق الفكري والثقافي أخطر وأكثر جرحًا، وأسرع إجهاضًا للوحدة الإسلامية، فما هي هذه الأساليب التي تمكنت من تمزيق كيان الأمة داخليًا؟

(1) إدخال مذاهب فكرية وسياسية:
منذ الحملة النابليونية على مصر وما تلاها من حملات عسكرية وثقافية على البلدان الإسلامية، وما رافقها من بعثات تعليمية إلى الغرب، ومن تأسيس مدارس غربية في العالم الإسلامية من باب تقريب الثقافة الغربية من المسلمين!! منذ ذلك الحين والجهود تتواصل لإدخال الثقافة الغربية بقيمها ومذاهبها وأفكارها السياسية والاجتماعية والتربوية وقناعاتها، ومحاولة استنباتها في كل بلد وقُطر.
وفعلاً تمكن كثير من أبناء المسلمين من الاقتناع بالثقافة الغربية بجميع تلويناتها، حتى صارت البلدان الإسلامية مجرد مناطق للتجارب الفكرية، ومرايا تعكس كل ما يظهر في الغرب من مذاهب فكرية وسياسية وأدبية وفنية وتربوية، وصار كثير من المثقفين مثل كثير من التجار، بعضهم يروج البضائع والسلع المادية المصنوعة في الغرب ولو كانت فاسدة، وبعضهم يروج للسلع والبضائع الثقافية ولو كانت غير صالحة، وكل من الصنفين مُسْتَلَب، يظن أنه يحسن صنعًا!!
وهكذا وفدت علينا المذاهب الفلسفية والسياسية؛ كالعلمانية، والماركسية، والليبرالية، والوجودية، والبنيوية، والحداثة، وتبناها أبناء جلدتنا، واستماتوا في الدفاع عنها، معتبرين أنفسهم "جماهيريين"، و"تقدميين"، و"أحرارًا "، و"مستقلين"، و"حداثيين"، و"علميين" ...
وليت شعري متى كانت الجماهير المسلمة تؤمن بهذه العقائد؟! ومتى أعطت موافقتها لأصحاب هذه الأفكار الدخيلة للوصاية عليها؟! بل متى كانت على علم بما تغرد به هذه النخب المثقفة خارج السرب من أنغام نشاز؟! ومتى كان فكر هذه النخبة المتغربة منبثقًا من عمق فكر الجماهير؟! وهل الحرية والاستقلال هي التبعية الفكرية والسياسية العمياء للغرب؟!
وهل التقدمية والحداثة والعلمية هي استيراد فلسفات الإلحاد والعبثية والعدمية وقيم الإباحية والفحش والعري والنخوة الفارغة في الشوارع ليلاً و نهارًا على حساب قيم الذات الفاضلة، أم إن الحداثة هي تعلم العلوم ومواكبة العصر في مستوى النِّدِّية في الإبداع والكرامة، وأن نصنع الحدث بنفس مستوى الحدث الذي يصنعه الغير أو أفضل، وما ذلك بعزيز على أصحاب الهمم العالية والنفوس المؤمنة الأبية والحكيمة؟!
إلى متى يظل مثقفونا أسرى الدهشة الطهطاوية؟ وإلى متى يظلون يعيدون نفس الدهشة ونفس الانهزامية والانخداع بمظاهر الحضارة الغربية؟ ألم يأن لمثقفينا أن يعتبروا بالنموذج الياباني في التعلم على الغرب والارتقاء إلى مستوى اليابان التلميذ، التي أصبح بمقدورها أن تقول لا للغرب الأستاذ؟
[إشارة إلى كتاب: "اليابان التي تستطيع أن تقول لا"لمؤلف ياباني ذي جنسية أمريكية، وعضو في الكونجرس الأمريكي بين فيه أن اليابان استطاعت التفوق على الولايات المتحدة بخمسة أجيال إلكترونية، وأصبح بمقدورها الخروج على قوانين الحرب العالمية المفروضة عليها من قبل المنتصرين].
كما اقتنع كثير من أصحاب الكراسي العلمية الجامعية بالنظريات في علم النفس وعلم الاجتماع واللسانيات والسياسة والاقتصاد والقانون .. وصار التناطح بينهم أولاً، وبينهم وبين أبناء جلدتهم ثانيًا، أكثر من تناطح مبدعيها فيما بينهم؛ لأن اختلاف أهل التقليد والاتباع غالبًا ما يكون أشد قوة وظلمًا ومضاضة من اختلاف أهل الاجتهاد والإبداع !!
فبسبب انتشار هذه المذاهب الفكرية والمنظومات الثقافية الغربية بحمولاتها الاجتماعية والقيمية ازداد الأبناء تشرذمًا وتمزقًا، وازداد ذلك حدةً باصطناع الصراعات الإيديولوجية الاستنـزافية، ورعايتها من قبل الكتل الفكرية والسياسية المستفيدة من ذلك داخل البلدان الإسلامية أو من خارجها، الأمر الذي فوت على البلد الإسلامي الواحد فرصة توحد أبنائه وجعلهم شيعًا مستضعفين، فكيف بالتوحد مع إخوانه وجيرانه المسلمين في البلدان الأخرى؟!

(2) إزاحة الشريعة الإسلامية عن مواقع التدبير والتسيير والتربية والتوجيه:
كان دأب الدوائر الغربية باستمرار هو تجفيف منابع الخير واستئصال عناصر القوة في حضارة الأمة؛ لعلمهم أن ليس هناك عنصر يحقق هذه القوة ويكسب المسلمين المناعة والقدرة على المقاومة الذاتية والنمو والحركة إلا الدين الإسلامي بعقيدته وشريعته؛ إذ بهذا الدين صار للمسلمين ما صار إليهم من خيرية وولاية وشهود وعزة وكرامة وسؤدد، ولم يقاوم الاستعمار إلا المشبعون بالقيم الدينية الإسلامية وهم الذين لا يزالون واعين بخطر السياسات الغربية تجاه الإسلام والمسلمين، وهم الذين لا يزال الغرب يحسب ألف حساب لتصفيتهم أو احتوائهم؛ لأنهم هم ـ وحدهم تقريبًا ـ الذين يحولون دون أغراضه.
لذلك توجهت العناية المركزة لتحييد هذا الدين عن دائرة توجيه المسلمين، والحيلولة دون تغذيتهم بنفس الزاد الروحي والفكري والسلوكي، ذلك الزاد الذي يجعلهم ذاتًا واحدة مهما اختلفت الأجسام وتناءت الأمصار وتباعدت الأعصار؛ ألم يعلم رسول الله أمته أن ((أرواح المؤمنين جنود مجندة؛ ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف))؟!
ويوم تمت إزاحة الدين الإسلامي عن توجيه حياة المسلمين سياسيًا واجتماعيًا وقضائيًا واقتصاديًا وتربويًا فقد المسلمون المرجعية الواحدة، وضلوا عن قبلتهم، وفقدوا بوصلة التوجيه الإيماني والسلوكي والحضاري، وضعف الوازع الديني عندهم، وتغلبت عليهم الأهواء وقادتهم الشهوات إلى التنافس في الدنيا كما تنافس فيها غيرهم، فأمسك بهم العدو من بطنهم وفرجهم، وصار بطنهم لا يميز بين حلال ولا حرام، ولا يقيم فرجهم للعرض والكرامة ولا لحرمات الله أي اعتبار، وصار لسانهم يروج كل ما يحلو للغرب أن يروجه، وعقولهم تعيد اجترار ما تعلمته في المدارس الغربية، وقلوبهم تعتقد فيما يزين لهم، ويدهم تبطش بمن يكره الغرب من إخوتهم وذويهم!!
فتفرق حالهم فرقًا وأحزابًا، وكل حزب بما لديهم فرحون، من بهيمية أو قومية أو عرقية أو لغة أو مصلحة أو طائفية أو ولاء وتبعية، فانفرط عقد الرابطة الإيمانية، وأطلق العنان للشهوات والمصالح والغرائز، لتشرع للمسلمين شرائع وقوانين مات في مقاومتها أجدادهم ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].

(3) ضعف كثير من السياسات الوطنية وقلة المبادرات الوطنية والشجاعة المبنية على التخطيط المستقبلي الاستراتيجي الحكيم:
إذ منذ استقلال البلدان الإسلامية وهذه الأخيرة ترفع شعارات التنمية، ومرت سنون عديدة فوجدت نفسها لم تضع بعد قدميها على سكة قطار التنمية؛ لأن أغلب الحكومات المتعاقبة انشغلت بمصالحها والحفاظ على كراسيها من انقضاض أبناء البلد عليها، وحتى الحكومات التي تسلمت السلطة بتأييد "الجماهير" أو "الجيش" ـ كما هو ظاهر الأمر ـ اكتفت برفع شعارات التقدمية والجماهيرية والقومية والحداثة أو التحديث، في حين جعلت همها الأكبر تصفية الضمائر الإسلامية والوطنية الحية، وعلقتهم على مشجب هذه الشعارات!!
وغاب لديها التخطيط للمستقبل، وعجزت عن إعداد المشاريع الحضارية الكبرى في التعليم والإعلام والاقتصاد والعلوم الطبيعية والإنسانية، وفي الصناعة والعمران، وجبنت عن التفكير في بناء الدولة على العدل والحق والكرامة، وتوفير الضمانات القانونية والأخلاقية للحرية، والمشاركة السياسية الفاعلة والمبدعة.
الأمر الذي زاد من تعميق الفجوة بين كثير من الأنظمة الحاكمة وشعوبها، كما زاد في عمق هوة الخلاف بين أبناء الأمة الواحدة، وفقد كل طرف الثقة في الطرف الآخر، كما أدى هذا الوضع إلى تمرد الأجيال الصاعدة على سياسات أوطانها، ورفض أنماط العيش الذليل فيها، وجعل الشباب أكثر قابلية لنبذ ثقافة الذات وقيمها، وأكثر قابلية للهجرة عن الأوطان، وأكثر تنكرًا لثقافته الإسلامية، وأكثر قابلية للارتماء في أحضان الرذيلة واعتناق كل مذهب غربي ولو كان أكثر انحطاطًا، ولو كان كفرًا وإلحادًا!
فانفرط بسبب ذلك عقد الوحدة الإسلامية داخل الوطن الواحد، فكيف به بين البلدان الإسلامية؟!!

(4) العولمة الثقافية:
كما هو الشأن بالنسبة للعولمة الاقتصادية التي ألغت الحدود الجمركية، وسمحت بتدفق السلع بدون رقيب، فإن العولمة الثقافية ألغت الحدود الثقافية بين البلدان، ومكنت ثقافة البلدان القوية من ابتلاع ثقافة الشعوب المستضعفة، وتفكيكها وتفتيتها وإذابتها في كيان الثقافات العالمية المهيمنة، وقد مكنت تكنولوجيا الإعلام والمعلوميات من الاختراق المغرض والسهل واليسير للسيولة الهائلة للمنتجات الثقافية والقيمية الأجنبية، التي لم يعد بإمكان الدول الإسلامية مراقبتها أو إيقافها والتحكم فيها، ومتابعة انتشارها كمًّا وكيفًا ومجالاً، فجعل آثارها السلبية تصل إلى كل فرد، وإلى كل بيت، مما يجعل تأثيرها سريعًا في الفرد والأسرة والمجتمع، وفي الأنظمة الاجتماعية والسياسية والثقافية المكونة لكيان الأمة عامة.
فتسربت كل القيم والثقافات التي لم يكن بإمكانها الدخول من قبلُ، خصوصًا إذا علمنا حجم الفراغ التربوي، وحجم ضعف المناعة الإيمانية والفكرية، الذي أصبح الفرد والمجتمع الإسلاميان يعانيان منه، بسبب الإهمال الخطير الذي تعرضت له القيم التربوية الإسلامية في التربية والتعليم والإعلام، وسائر مرافق الحياة، مما زاد في ظهور مذاهب فكرية هدامة، وميولات ذوقية غريبة وفاسدة، وظهور ظواهر سلوكية فردية وجماعية شاذة، تزيد الأمة تشتتًا وتمزقًا، وتسرع من الإجهاز بوحشية باردة على ما تبقى من المقومات الثقافية الضامنة لانتعاش الفكرة الإسلامية، التي يمكن أن تنتهي في يوم من الأيام إلى الوحدة بين المسلمين.

وأخيرًا ...
فما ينبغي توكيده هو أن أوجه تمزيق الأمة الإسلامية بِنِيَّة القضاء على كل مقومات وحدتها الجغرافية والفكرية تعددت وتنوعت، ومنذ أن اعتبرت الخلافة الإسلامية "الرجل المريض"وهي تتعرض للبتر والتقطيع والتمزيق، وإجراء مختلف العمليات الجراحية على مراكز القوة المادية والفكرية في هذا الجسم، وقد ساهمت عوامل ذاتية وخارجية في إفقاد الأمة الإسلامية عناصر قوتها في الوحدة الجغرافية والثقافية.
ولئن كانت العوامل الخارجية ذات أثر قوي، فإن أثر العوامل الذاتية أقوى؛ لأنه لو كانت الأمة الإسلامية قوية لما كان لهذه العوامل الخارجية إلا آثار جانبية وموضعية وغير مؤثرة كثيرًا؛ لذلك فإن الذات الإسلامية لم تتجزأ جغرافيًا وثقافيًا إلا لأنها تعاني ضعفًا شاملاً يتمثل في ضعف الإرادة والثقة بالذات، وضعف الإمكانات العلمية والمادية للاستفادة من مقدراتها وثرواتها الهائلة، وثقل التركة التاريخية للتخلف والجهل والاستبداد، وإنهاك القوى بسبب الاستغراق في الصراعات الداخلية والمعارك الفكرية والسياسية الثانوية والمفتعلة، وفي وجود القابلية للاستعمار وللتبعية وللانهزام.
وكان أولى بالمسلمين الإخلاص في إيمانهم، وترميم البيت الداخلي، والتصالح مع الذات، والأخوة والصدق والعزة؛ ليتحقق الخير الكثير في إنقاذ الأمة من التبعية والتفرق المذموم، والسير بخطى ثابتة وسليمة نحو الاعتصام بحبل الله جميعًا، وعدم التفرق في الدين، ففيه كل مقومات الخيرية للمسلمين، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:103].

 

 
رد باقتباس
وصلات دعم الموقع
لتجارة العملات والفوركس شمس الحب استضافة المواقع
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة
لا تستطيع كتابة ردود جديدة
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة
الانتقال السريع إلى


الساعة الآن: 01:04 PM.

Powered by vBulletin V3.6.9. Copyright ©2000 - 2008

دعم واستضافة شبكة النظم العربية