الإسلام اليوم/ 8-9-1428هـ
من جديد تعود قضية عصابات الجريمة المنظمة ومجموعات المرتزقة العاملين ضمن مايعرف بشركات الحماية والأمن في العراق وخاصة شركة "بلاك ووتر" black watter الأمريكية سيئة الصيت والرائدة في هذا المجال - تعود هذه القضية للواجهة مجددا بعد المجزرة البشعة التي راح ضحيتها حوالي عشرة عراقيين مدنيين على يد مسلحين من black watter متعاقدين مع وزارة الخارجية الأمريكية يوم أمس بضواحي بغداد.
هذه الحادثة التي تتكرر كثيرا في عراق ما بعد صدام حسين ، بعيدا عن الأضواء ورصد وسائل الإعلام ، تعكس طبيعة الأجواء العامة السائدة في العراق منذ احتلاله من قبل القوات الأمريكية والبريطانية قبل أربع سنوات .
لكن ما حقيقة بلاك ووتر ، وما الجهات التي تقف وراءها ؟ وما طبيعة العلاقة التي تربطها بلوبيات المال والأعمال وخاصة من المحافظين الجدد اتباع اليمين المسيحي المتصهين في الولايات المتحدة الأمريكية ؟
المادة التالية تحاول الإجابة على هذه التساؤلات :
ماذا بعد جريمة بلاك ووتر !
دانيال لوبان
أعلنت حكومة بغداد الاثنين بأنها ألغت رخصة إحدى أبرز شركاتِ الأمن الأمريكي الخاصةِ العاملة في العراق،
و من المتوقع أن يثير هذا القرار امتعاض الولايات المتحدة و قواتها المحتلة نظرا لاعتماد هذه الأخيرة و بشكل متزايد على خدمات الشركات الخاصة لأجل تأمين حاجياتها الأمنية و اللوجيستية.
لقد جاء قرار إلغاء رخصة "بلاك ووتر" بعد يوم واحد من معركة بالأسلحة النارية في بغداد أدت إلى مقتل ثمانية مدنيين عراقيين في حادثة هي الأخيرة من مسلسل حوادث مماثلة تورط فيها متعاقدو شركة بلاك ووتر بشكل أثار استياء العراقيين.
من جانبها، قالت المتحدثة باسم بلاك ووتر آن تايرل، إن تصرف أفراد الشركة: "شرعي لأنهم تحركوا بشكل دفاعي و ملائم ردا على هجوم عدائي وقع يوم الأحد في بغداد"
مما لا شك فيه، فإن طرد بلاك ووتر سيعيق كثيرا الجهد العسكري الأميركي في العراق ، إذ إن الولايات المتحدة تعتمد على هذه الشركة لأجل تأمين الحماية لعدد كبير من المسئولين البارزين بمن فيهم السفير الأميركي حاليا في بغداد: رايان كروكر.
في مقابل ذلك، يقول المراسل الصحفي براتاب شاتيرجي الذي يعمل لدى مؤسسة CorpWatch، بأنه حتى في حال ما إذا جرى فعلا منع بلاك ووتر من العمل في العراق، فإن أغلب مستخدميها سيتم تحويلهم إلى شركات الأمن الخاصة المماثلة و هذا يعني أن الحالة العامة بالنسبة للولايات المتحدة لن تتغير كثيرا .
يقول شاتيرجي: "من الصعب مراقبَة مجموعة من المحاربين المتنقلين إذ إنه في حال وقف بلاك ووتر فعلا فإن منتسبيها سيجري توظيفهم لدى باقي الشركات العاملة في العراق على شاكلة Aegis أو Triple Canopy على سبيل المثال".
ووفقا للأرقام التي صدرت خلال شهر تموز/يوليو المنصرم عن كل من كتابة الدولة للخارجية و البنتاغون الأميركيين، فإن ما يفوق 180 ألف مدني مستخدمون حاليا في العراق لفائدة حكومة واشنطن ، وعلى الرغم من أن أغلب هؤلاء من العراقيين إلا أن من بينهم مع ذلك، أكثر من 20 ألف أميركي بالإضافة إلى أكثر من 40 ألف فرد من جنسيات أجنبية أخرى.
هذا يعني ببساطة، أن عدد المستخدمين الخواص في الوقت الحالي يفوق عدد القوات الأميركية المتواجدة في العراق و التي يصل تعدادها 160 ألف جندي.
و إذا ما كانت الأرقام الرسمية تتحدث عن وجود نحو 30 ألفا منهم في العراق حاليا إلا أن التقديرات التي يسوقها مراقبون مستقلون، تطرح أرقاما أكبر بكثير من هذا.
يتبع لبلاك ووتر الأميركية رسميا 1000 عنصر في العراق بموجب عقد لها مع الحكومة الفيدرالية في واشنطن قيمته 800 مليون دولار ، و هي واحدة من أشهر شركات الأمن الخاصة العاملة هناك حيث كان من بين أبرز المهمات التي أسندت إليها: مهمة حماية الحاكم المدني السابق بول بريمر بالإضافة إلى السفير كروكر الذي هو الشخصية الدبلوماسية الأميركية الأهم في العراق حاليا.
لقد برزت هذه الشركة إلى العلن خلال شهر آذار/مارس من العام 2004 حينما لقي أربعة من منتسبيها مصرعهم في كمين "للمتمردين" العراقيين إثر انفجار عبوة ناسفة حطمت سيارتهم في مدينة الفلوجة مما أثار حملة عسكرية أميركية حاولت استعادة المدينة في الشهر الموالي. ثم إن هذه الحادثة أيضا أفرزت قيام عائلات المقتولين الأربعة باللجوء إلى القضاء بدعوى أن الشركة أخفقت في تزويدهم بالأجهزة الضرورية و القوة البشرية الكفيلة بحفظ حياتهم.
في الماضي، اُنتقدت بلاك ووتر بسبب إفراطها في استعمال الوسائل العدوانية إلى درجة أن العقيد المتقاعد من سلاح البحرية الأميركية، توماس. إكس. هيمس، جادل مرارا بأن: "تصرفات بلاك ووتر هي من أبرز أسباب فشل جهود مكافحة التمرد لأنها تثير غضب الناس و تفقد الأميركيين دعمهم" !
لقد كانت المعركة التي جرت يوم الأحد الماضي، الأخيرة فقط من سلسلة متواترة من الحوادث التي وقع فيها متعاقدو بلاك ووتر و بشكل، أماط اللثام عن حقيقة الوضعية القانونية لمنتسبي مثل هذه الشركات.
خلال شهر كانون الأول/ديسمبر من العام 2006، قتل أحد أفراد هذه الشركة و هو في حالة سكر أحد الحراس الشخصيين لنائب الرئيس العراقي عادل عبد المهدي و على الرغم من أن هذا الشخص طرد و تم ترحيله إلى الولايات المتحدة إلا أن متابعته قانونيا لم تتم لحد الساعة.
أما في شهر مايو الماضي قتل عنصر آخر من بلاك ووتر سائقا عراقيا قرب وزارة الداخلية في بغداد مما أدى إلى نشوب مواجهة مسلحة بين أفراد قافلة بلاك ووتر ورجال الأمن العراقيين في محيط ذات الوزارة.
متعاقدو الأمن هؤلاء، و باعتبارهم مستخدمين خواص، لا يخضعون لمقتضيات القانون العسكري الأميركي ثم إنهم و بموجب مرسوم أصدرته السلطة المؤقتة للتحالف في العام 2004، فإنهم أيضا لا يمكن محاسبتهم أمام النظام القضائي العراقي و بالتالي، لا أحد منهم حتى الساعة، خضع لإجراءات القضاء بتهمة قتل عراقيين.
لقد أثارت هذه الحصانة التي يتمتع بها متعاقدو الأمن الخاص استياء واسعا لدى الجانب العراقي و هذا ما تبرزه تصريحات حكومة بغداد بأن المتسببين فيما جرى يوم الأحد الماضي، سوف يخضعون للإجراءات القضائية العراقية أما وعد الخارجية الأميركية و تصميمها على ضرورة "التحقيق العادل" فمعناه أن الأميركيين حريصون على ألا تخرج القضية من بين أيديهم.
و للعلم، فإن بلاك ووتر تأسست خلال العام 1997 من طرف أحد أفراد سلاح البحرية الأميركية سابقا
و المدعو إريك برينس الذي ينتمي سياسيا إلى اليمين المحافظ المسيحي ، ويتجاوز رأسمال هذه الشركة المليار دولار، كما تمتلك معدات عسكرية متكاملة و تشغّل 2300 عنصرا عبر العالم.
عصابات الجريمة وتجارة الإرهاب
كريس هيدجس
خلال الأسبوع الماضي قام أفراد ينتمون إلى وحدات مسلحة من شركة الأمن الخاصة
(بلاك ووتر) في الولايات المتحدة الأمريكية، بإطلاق النار في شوارع بغداد عدة مرات، مما أشعل المواجهة بين هؤلاء المتعاقدين الأمنيين والقوات العراقية. هذا يعني بأنه يمكننا أن نتذكر معظم وقائع الحرب في العراق مستقبلا في كتب تاريخنا ، من خلال تميزها بأنها شهدت قيام أمريكا بتشكيل أول جيش من المرتزقة في العصر الحديث.
هنالك ما بين (20-30) ألف متعاقد أمن عامل حالياً في العراق، و على الرغم من عدم وجود إحصاءات رسمية، إلاّ أن بعض التقديرات تتحدث عن وجود أرقام أعلى بكثير من ذلك، فهؤلاء "المتعاقدون الأمنيون" لا يجري عدهم ضمن قوات التحالف؛ لأن المرتزقة يتم ضمهم إلى غيرهم من المدنيين و العسكريين المتعاقدين الذين يقدمون خدمات دعم لوجيستي، و هؤلاء يُقال إن عددهم لا يقل عن (126) ألف عامل.
قبل فترة صرح النائب الديموقراطي (جون مورثا)، رئيس اللجنة الفرعية لاعتمادات وزارة الدفاع: "لقد استطعنا التعرف على (126) ألف متعاقد في العراق، و بعض هؤلاء يتحرك أكثر مما يفعله وزير الدفاع"، قبل أن يضيف: "ما الذي يسوّغ ذلك بحق الجحيم؟!"
إن خصخصة الحرب التي حفزتها أيادي الشركات الأمريكية بفضل تواطؤ عدد كبير من السياسيين النافذين، قد تبقينا في المستنقع العراقي لفترة طويلة جداً، و لكن الأدهى من كل ذلك هذه الزيادة المفرطة في شركات الحراسة ذات الإمكانات المطلقة ، تماماً مثلما كانت قوات الحراسة من المرتزقة تفعل في روما القديمة التي كانت تتحدى القيود القانونية، و تجعل من العنف جزءًا من الخطاب السائد وقتذاك، حتى غرق النظام الروماني الجمهوري في الاستبداد و الطغيان.
لقد كانت الأنظمة الاستبدادية على مر التاريخ، تحتاج دوماً إلى وجود قوات تعمل خارج القانون، حتى تتمكن من زرع الخوف و الرعب في أوساط المعارضين، وصولاً إلى التصفية الجسدية لأولئك الذين يجري وصفهم لديها، على أساس أنهم "خونة"، و هذا ما يقودنا إلى الاستنتاج أن (بلاك ووتر) مرشحة لأن تلعب هذا الدور بمجرد أن تقع قيادتها بين أيدي آثمة.
لقد قدم دافع الضرائب الأميركي حتى الساعة، ما لا يقل عن أربعة مليارات دولار إلى حساب هؤلاء "المسلحين الأمنيين"، و في العراق فإنه - و على حسب اللجنة النيابية المشرفة و رئيس لجنة الإصلاح الحكومي، النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، هنري واكسمان- فإن عشرات مليارات الدولارات ذهبت إلى حسابات هذه الشركات، فيما يؤكد النائب الجمهوري عن ولاية إيلينوي، (يان شاكوفسكي) من لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، أن (40) سنتاً من كل دولار (40 بالمائة) يتم إنفاقه على الاحتلال في العراق يذهب إلى متعاقدي الحرب من المرتزقة . و من المرجح حالياً أن تكون هذه الشركات بصدد دفع أموال لأجل تأخير عملية الانسحاب ؛ لأن الأرباح كما ترون، وافرة جداً.
الواقع أن قوات المرتزقة على شاكلة (بلاك ووتر) تعمل خارج القانونين المدني و العسكري، زيادة على أنها تندرج تحت خانة المرسوم الذي أصدرته سلطات الاحتلال في العراق خلال العام 2004، و القاضي بحصانة جميع المتعاقدين المدنيين هناك، و عدم إمكانية خضوعهم للمتابعة و المساءلة القضائية.
شركة (بلاك ووتر) التي عمرها حالياً هو بالكاد عشر سنوات، هاجرت من العراق لأجل إقامة قواعد عمليات في الولايات المتحدة وتسع دول أخرى، ثم إنها تشرف على تدريب قوات الأمن الأفغانية، بحيث أنشأت قاعدة لا تبعد عن الحدود الإيرانية هناك إلاّ ببضع عشرات الأميال فقط.
تمكنت هذه الشركة أيضاً –التي نالت من وزارة الخارجية وحدها منذ العام 2004، ما يفوق (750) مليون دولار- من تشكيل أسطول جوي يضم أكثر من عشرين طائرة بما في ذلك المروحيات القتالية.
يشير (جيريمي سكاهيلل)، مؤلف كتاب: (بلاك ووتر: صعود أكبر جيش من المرتزقة على المستوى العالمي) أن هذه الشركة استطاعت فعلاً أن تؤسس جيشاً حقيقياً ؛ إذ أقامت معسكراً ضخماً فوق مساحة تتجاوز سبعة آلاف هكتار في ولاية كارولينا الشمالية، زيادة على افتتاحها مؤخراً لمعسكر جديد في إيلينوي (بلاك ووتر الشمال)، علاوة على أنه و بالرغم من المعارضة المحلية، فإن هذه الشركة تسير قدماً نحو بناء قاعدة تدريب ضخمة أخرى بالقرب من مدينة سان دييغو، و أخيراً أعلنت (بلاك ووتر) أنها بصدد التفكير في تأسيس فرع استخبارات خاص بها سوف يكون اسمه: "الاستخبارات الكلية"!!
مؤسس و مدير شركة المرتزقة هذه (إريك برنس) هو رجل لا يبدو أنه يملك وقتاً طويلاً للإجراءات التي تقتضيها الأعراف الديموقراطية؛ فهو يملك علاقات وثيقة باليمين المسيحي المتطرف و الرئيس بوش و فريقه في البيت الأبيض، ثم إنه يقدم شركته على أساس أنها واجب قومي يمثل امتداداً للقوة العسكرية الأمريكية، أما موظفوه فهم - و يا للغرابة و السخرية هنا- يقسمون بولائهم للدستور، و لكن هذا لا ينفي أن هذا الرجل و حلفاءه الذين يعيشون بيننا، قد قاموا فعلا ببناء جيش متكامل من المرتزقة ، بفضل أموال حكومية تذهب مباشرة إلى حسابات شركة تعمل خارج القانون الدستوري، و دونما مراعاة لأي قيد أو ضابط.
لقد كانت وحدات المرتزقة أدوات حيوية في يد الحركات الاستبدادية، وأما الحكومات الشيوعية و الفاشية خلال القرن الماضي، فلقد كانت تؤسس وحداتها الخاصة من المرتزقة أيضا ، إلاّ أن ظهور أفراد من (بلاك ووتر) مدججين بالأسلحة و بزيهم الأسود المميز في شوارع نيو أورليانز عقب الإعصار كاترينا، يعني أننا ملزمون بالتفكير أن مستقبلاً غامضاً ينتظرنا. لقد كانت بلاك ووتر تكلف الحكومة الفيدرالية في تلك الأيام بنيو أورليانز، مبلغ (240) ألف دولار يومياً!!
ذات مرة، كتب الفيلسوف كارل بوبر يقول: "إن الديكتاتورية ظاهرة يمكنها أن تقع في أي مكان".
إن كلمة "متعاقد" تساعد في عملية مسح الخوف وإزالة ما تهدد به هذه المعطيات الجديدة؛ لأن التعبير الأدق هو قولنا: "القوات شبه العسكرية"، والمفترض ألاّ تكون قوات من هذا النوع متواجدة داخل الولايات المتحدة، وبما أنهم متواجدون بيننا، فإننا بالتالي نعيش تهديداً خطيراً لكل القيم الديموقراطية.
صحيح أن (بلاك ووتر) أظهرت - لحد الساعة- أنها بعيدة عن الولايات المتحدة، على الرغم مما بدر من أفرادها في نيو أورليانز كما قلنا، إلاّ أن هذا البلد قد يصير ذات يوم أقل استقراراً، ووقتذاك فإن شركة من هذا النوع قد تجد الفرصة سانحة؛ إذ لو أن الولايات المتحدة في حال تعرضها لهجوم كارثي جديد يضاهي ما وقع في 9/11، فسوف تعيش اضطراباً اقتصادياً يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية آلية، و بالتالي فإن هذه "القوات شبه العسكرية" حينما يتولى أمرها أناس ذوو أيديولوجيات متطرفة ، كما هي حالة العديدين في الجيش و الشرطة، في وسعها أن تلغي ما تبقى لدينا من ديموقراطية.
إن الأرباح الطائلة التي تفرزها الحروب لصالح الشركات الكبرى ، والتي تصب أيضا في دائرة مصالح اليمين المسيحي، يمكن أن تصير حالة دائمة قوامها "بلطجية" يحملون أسلحة أوتوماتيكية بزيهم الأسود المعروف و نظاراتهم الشمسية شديدة السواد. هؤلاء الذين ظهروا في نيو أورليانز، قد يظهرون وقتئذ في كل شارع من شوارع مدن
|
 |