ما حصل في غزة لم يكن منه بد
بقلم أ. رشيد أبو ثور
مما لاشك فيه أن الاقتتال الفلسطيني مأساة تعود بالقضية الفلسطينية إلى الخلف وتقوض مكتسباتها ، وأن كل شاب يسقط في هذا القتال هو بندقية كان ينبغي أن توجه إلى المحتل الصهيوني. ولقد كان القادة الفلسطينيون السابقون جعلوا من الدم الفلسطيني خطا أحمر، كما أبان رجال المقاومة عن رباطة للجأش وبخاصة لما كانت أجهزة السلطة الفلسطينية تنكل بهم وتعتقل قادتهم، وعلى رأسهم الدكتور الشهيد عبد العزيز الرنتيسي رحمه الله الذي قضى في سجون السلطة ما مجموعه 27 شهراً (1) وغيره كثير. "
وكما ذكر الأستاذ مصطفى عبد الجواد ، تعد الحملة التي قادها العقيد جبريل الرجوب ـ قائد الأمن الوقائي في الضفة الغربية ـ ضد حركتي حماس والجهاد خلال الخمس سنوات الماضية، هي الحلقة الأكثر شهرة في خدمات الرجوب الأمنية لإسرائيل، فالرجل قام- مع نظيره في غزة محمد دحلان بقصم ظهر المقاومة الفلسطينية، وتعرض العديد من نشطاء حماس والجهاد للملاحقة والاعتقال والتعذيب داخل مقرات الرجوب ودحلان، كما تسببت اجتماعات التنسيق الأمني التي عقدها الرجلان مع الصهاينة في تفكيك العديد من خلايا المقاومة، وكشف أفرادها لقوات الاحتلال." (2)
ثم هناك قضية العملاء، فلقد "كشف اللواء الراحل موسى عرفات مدير الاستخبارات العسكرية الفلسطينية في سبتمبر 2002 م عن اعتقال شبكة من أخطر العملاء في الضفة وغزة، معظمهم من العسكريين في أجهزة السلطة نفذوا وساعدوا على تـنفيذ العديد من عمليات الاغتيال في الضفة الغربية" (3)
ولم تقف السلطة الفلسطينية الموقف المطلوب في ردع العملاء الذين ثبت تورطهم في قضايا خيانة أمن الدولة؛ ليتضح سبب ذلك "عندما نكتشف وجود بنود سرية في اتفاقية أوسلو المشؤومة تمنع السلطة من محاسبة العملاء، وتحث على إدخالهم في الأجهزة الأمنية ! (4)
ورغم كل هذا، حرص قادة حركة حماس وغيرهم على عدم الدخول في مواجهة مع الأجهزة الأمنية للسلطة تجنبا للاقتتال الداخلي، لكن وللأسف الشديد كان لا بد للمحظور من أن يقع بسبب وجود خطين متعارضين في التعاطي مع القضية الفلسطينية: خط مقاومة الاحتلال بكل الوسائل، وخط التسوية الاستسلامية بأي ثمن، بما في ذلك محاربة الخط المقاوم بالوكالة عن إسرائيل والولايات المتحدة التي ترى في كل مقاومة في المنطقة عرقلة لإقامة ما أسمياه بـ"الشرق الأوسط الجديد".
والصدام الذي حصل في غزة كان قد خطط له منذ أمد بعيد؛ فلقد اتهمت صحيفة يونغا فلت الألمانية (5) إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش بالتخطيط منذ فترة طويلة لتفجير الأوضاع الداخلية الفلسطينية وتحريض تيار موال لها داخل حركة فتح على القيام بتصفيات جسدية لقادة الفصائل العسكرية لحركة حماس. وقال المعلق السياسي للصحيفة فولف راينهاردت إن هذا الاتهام مبني على أقوال لا تحتمل اللبس أدلى بها مسؤول الاتصال العسكري الأميركي المقيم في إسرائيل الجنرال كيث دايتون أواخر مايو/أيار الماضي أمام جلسة استماع في لجنة الشرق الأوسط بالكونغرس الأميركي. وأوضح راينهاردت - في تقرير نشرته الصحيفة يوم الخميس 15-06-2007- أن دايتون اعترف أمام اللجنة بوجود تأثير قوي للولايات المتحدة على كافة تيارات حركة فتح، وذكر لأعضاء اللجنة أن الأوضاع ستنفجر قريبا وبلا رحمة في قطاع غزة.
ونقلت الصحيفة عن دايتون قوله إن تعبئة الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ضد حماس مثل ويمثل خيارا إستراتيجيا للإدارة الأميركية الحالية. وتحدثت يونغا فيلت عن وجود خيوط كثيرة تربط بين فرق الموت والحرس الرئاسي الفلسطيني الذي يشرف عليه النائب في فتح محمد دحلان. ونسبت إلى خبيرة التخطيط السياسي بالجامعات الإسرائيلية د. هيجا باومجارتن قولها إن دحلان مكلف من وكالة الاستخبارات المركزية وأجهزة أميركية أخرى بتنفيذ مهمة محددة هي تصفية أي قوى مقاومة لإسرائيل داخل وخارج حماس (6)
وكان التنفيذ العملي لخطة الإجهاز على المقاومة يتم في العلن، وفي واضحة النهار.
ورد في مقال (7) لطوني سايغ Tony Sayegh تحت عنوان:"هل يتعلق الأمر فعلا باقتتال فلسطيني؟ (8) :"لقد أضحى واضحا أن فئة داخل حركة فتح ـ يمثلها دحلان بتواطؤ مع محمود عباس ـ تبذل، على غرار "الكونترا" (9) ، كل ما في وسعها لتصفية كل معارضة وفرض حكم مرعب و"دولة" قمعية على الفلسطينيين ، لإجبارهم على "تسوية" مناسبة لإسرائيل. وليس من الصدف أن يكون العقل المدبر لهذا المخطط هو إليوت أبرهامس Elliott Abrams الذي عمل لوكالة الاستعلامات الأمريكية CIA، والذي وضع مخططا يستهدف الفلسطينيين، ومنحه مجلس النواب الأمريكي التمويل الضروري لإنجاز ذلك. (...) ولم يعد خافيا أن الكونغرس قد خصص لهذه العملية 84 مليون دولار على الأقل، وأن الولايات المتحدة تدرب علنية، وفي مكان معلوم، عناصر فلسطينية لهذا الغرض بمساعدة النظامين المصري والأردني.(...) والواقع أن إسرائيل قد أمرت عملاءها الفلسطينيين بتنفيذ مخطط أبراهمس بأي ثمن. (...) كما نعلم أن المخطط يطالب دحلان باقتراح مخطط حول آليات نزع سلاح المقاومة وتنفيذه، وإيقاف القصف بالصواريخ المصنعة محليا من غزة. وآخر أجل لتنفيذ هذا المخطط هو 21 -06-2007.
أليست أسباب نشر ما يسمى بـ"الحرس الرئاسي" في شمال وشرق قطاع غزة واضحة ؟ ألا ندرك الآن بكل وضوح لماذا سمح لـ 500 عنصر من الفيلق الفلسطيني بدر الذي تم إعداده في الأردن، والقادم عبر مصر باجتياز الحدود الإسرائيلية المصرية بمعبر رفح (...)؟ أليست أسباب إرسال حمولات من الأسلحة لـ "الكونترا" الفلسطينية عبر الأردن ومصر، بينة كذلك ؟ (..) إن إدراك كل هذه الأبعاد البالغة الخطورة لما تم تخطيطه ولما هو قيد التنفيذ ، ليجعل من غير المقبول بالنسبة لكل فلسطيني الاكتفاء بموقف الحياد معتبرا ما يحدث مجرد صراع على السلطة. فالمشهد واضح وعلى كل الفلسطينيين فضح "العملاء" المتسللين إلى صفوفهم ومقاومتهم." انتهى كلام طوني سايغ.
فما قامت به في غزة ، كتائب عز الدين القسام والقوات التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية من استيلاء على مواقع قوات الأمن الوقائي التابعة للسلطة، لم يكن سوى عملية استباقية للدفاع عن النفس، بعد ما نفذ صبر حماس على الجرائم المتعددة التي اقترفتها قوات دحلان ـ وليست كل عناصر فتح ـ التي كانت تعمل لإفشال أية محاولة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي لتعزيز صمود الشعب واستمرار مقاومته وتطويق جميع مظاهر الفساد الوطني والسياسي والمالي والإداري والأخلاقي. فكان اقتحام المقار الأمنية في قطاع غزة خطوة عملية لقطع الطريق أمام سياسة "الفوضى الخلاقة" التي تنادي بها الإدارة الأمريكية نهاراً جهاراً.
وكانت صحيفة هاآريتز الإسرائيلية قد أوردت بتاريخ في 07-06-2007 أن "مسؤولين كبار من فتح في قطاع غزة قد طلبوا من إسرائيل السماح لهم بإدخال حمولات كبيرة من الأسلحة والذخيرة آتية من دول عربية، ومنها مصر. وأضافت الصحيفة الإسرائيلية أن حركة فتح طلبت من إسرائيل "سيارات مصفحة، ومئات صواريخ RPG المضادة للتصفيح، وآلاف القنابل اليدوية، وملايين الرصاصات للأسلحة الخفيفة".
فلم يكن بالطبع كل هذا العتاد مخصص لمواجهة الاحتلال ؟
فكان لا بد من أن تتخذ الوحدات المسلحة التابعة لحركة حماس المبادرة حتى لا يتم سحقها، وتستولي على مقار الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة؛ تلك الأجهزة التي لم تصمد طويلا أمام مقاتلي حركة حماس فانهارت بسرعة أثارت غضب الجنرال عمر سليمان، رئيس المخابرات المصري، الذي وجه توبيخا شديد اللهجة لقادة قوات السلطة. "والقادة الثلاثة الذين خضعوا لتوبيخ الجنرال سليمان هم: محمد دحلان، ورشيد أبو شباك، وسمير المشهراوي، وجميعهم كانوا في القاهرة طوال الأيام الصعبة الأخيرة التي واجهت حركتهم في قطاع غزة. وحمل سليمان القادة الثلاثة مسؤولية الانفلات الأمني، والهزيمة العسكرية في الميدان، متسائلا عن الكيفية التي هزم فيها بضعة آلاف من مقاتلي حماس يشكلون القوة التنفيذية للحركة ما لا يقل عن عشرين ألف مقاتل فتحاوي، كان القادة الثلاثة يطالبون مصر بدعمهم بالمال والسلاح. وعلم أن سليمان كان محتدا وغاضبا وهو يتساءل عن عجز آلاف المقاتلين في الدفاع عن مقرات الأمن الفلسطيني في قطاع غزة متهما الوفد القيادي الفتحاوي بممارسة الخداع وتقديم معلومات مضللة للحكومة المصرية عن الوضع الميداني في قطاع غزة. " (10)
وهكذا سال الدم الفلسطيني بسلاح فلسطيني، وبدأت الاعتداءات والإعدامات والاختطافات والحرائق وتصفية الحسابات، وحصلت تجاوزات من الطرفين. لكن الواضح أن الساهرين على اتفاقية أوسلو كلهم باركوا حكومة الطوارئ التي شكلها محمود عباس في الضفة الغربية كما تعهدوا بمحاربة حكومة إسماعيل هنية التي ظلت متمسكة بمواقعها في قطاع غزة.
ولهذا غالبا ما يصف الإعلام هذا الاقتتال بأنه صراع بين حركتي فتح وحماس على السلطة؛ ولو كان الأمر كذلك لحقت إدانة الجميع؛ بل ولقلنا بأن القاتل والمقتول في النار (11). لكن الأمر لم يكن كذلك لما بينا، ولم يكن الحرص على السلطة هو ما دفع عناصر حماس لبسط نفوذهم على قطاع غزة.
عندما شاركت حركة حماس في الانتخابات التشريعية لم تكن تنوي ممارسة الحكم، بل أقصى ما كانت تطمح إليه هو الحصول على عدة الأصوات التي تمكنها من تشكيل معارضة قوية تحمي من خلالها المقاومة وتحارب الفساد. غير أن حركة حماس فوجئت بالتصويت الواسع لمرشحيها بالشكل الذي منحها الأغلبية المطلقة في المجلس التشريعي، مما يؤهلها لتشكيل الحكومة، فسارعت إلى المناداة بتشكيل حكومة وحدة وطنية وعرضت المشاركة على كل الفصائل، وعلى رأسهم الفصيل الفتحاوي، لكن الكل رفض واضطرت حماس إلى تشكيل حكومة من عناصرها. فوضعت كل العراقيل في طريقها لإفشالها.
"في شهر ماي نشرت صحيفة الغارديان The Guardian مذكرة سرية يؤكد فيها مبعوث الأمم المتحدة الفارو دي سوطو Alvaro de Soto أن محمود عباس كان قد رفض الدعوة الأولى التي وجهت له من طرف حماس لتشكيل حكومة وحدة وطنية بضغط من الولايات المتحدة. وقدم دي سوطو تفاصيل تفيد أن مستشارين لعباس قد دفعوا بشكل نشط في اتجاه تعليق مساعدات الاتحاد الأوروبي وفي ضرب حصار على الفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال، مما أدى إلى تفاقم الفقر لدى الملايين من المواطنين. وكتب دي سوطو بأن هؤلاء المستشارين قد اشتركوا مع الولايات المتحدة في "مؤامرة" تهدف إلى تنحية الحكومة التي شكلتها حركة حماس." (12)
فلماذا كل هذا الإصرار على إفشال تجربة حماس بل والقضاء على المقاومة؟
في القضية الفلسطينية تلتقي مصالح الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل بشكل تام. فالكل يسعى إلى تصفية المقاومة والحيلولة دون وصول جهة تحمل نفسا إسلاميا إلى السلطة. ولهذا كانت اتفاقية أوسلو برعاية أوروبية وأمريكية، و كانت تهدف في جوهرها إلى القضاء على المقاومة الفلسطينية بأيدي فلسطينية بعد ما عجز الجيش الصهيوني على تركيعها.
وهذا ما يوضحه جوليان سالينغ (13) Julien Salingue في مقال كتبه في 13-06- 2006 بعنوان " رهانات المقاومة الفلسطينية" (14) حيث أشار فيه إلى أن " الهدف الأساسي من اتفاقية أسلو لم يكمن سوى مواصلة الاستيطان بإيكال الحفاظ على الأمن في المناطق الفلسطينية الأكثر اكتظاظا بالسكان (من مدن وقرى ومخيمات اللاجئين)، لقوات أمن فلسطينية، بقيادة جهاز دولة بدون دولة، مقابل وعد بحكم ذاتي في بعض المناطق التي ستحدد لاحقا من خلال مفاوضات، لم تر النور عمليا على الإطلاق، وبعض الاتفاقيات التجارية التي تعطي الامتياز لمؤسسات "المفاوضين" وأصدقائهم."غير أن تحقيق هذا الهدف يقتضي القضاء على المقاومة كما يفهم ذلك من تصريح لأحمد سعدات (15) قال فيه:"من الواضح أن السلطة تشكل عقبة في وجه المقاومة، لأنها لا تمثل إلا مصالح البورجوازية الفلسطينية، وهي مصالح تتطابق مع المصالح الإسرائيلية، وليس مع مصالح الشعب الفلسطيني. فلا مصلحة لهؤلاء إطلاقا في استمرار الانتفاضة؛ بل يريدون على العكس، إيقاف المقاومة؛ ويمكننا القول بعبارة أخرى أن مصالحهم تتعارض مع مصالح الشعب؛ وحتى لو تمكنا من توحيد الأحزاب الفلسطينية، فستظل هناك عقبة، تحمل اسم "السلطة الفلسطينية " (16).
|
 |