ما انفكت السلطات الاسرائيلية منذ احتلال عام 1967 تضع المخططات وتنفذها على أرض الواقع في القدس العربية الفلسطينية. ولم يقتصر وضع المخططات وتنفيذها على جهة إسرائيلية واحدة بل دخلت إليها مختلف الجهات من رئاسة الوزراء إلى وزارة الإسكان إلى وزارة المالية إلى وزارة الأديان, فضلا عن بلدية القدس وأجهزة الأمن المختلفة. والجمعيات الاستيطانية على اختلافها وتضافر مع هذه الجهود الأثرياء اليهود من أجل تهويد المد ينة المقدسة. ورسم ذلك خبراء إسرائيليون من مختلف التخصصات وعلى اختلاف أنواعهم, وقدمت لهم مراكز الأبحاث كل تيسير ومال وعلم ومرجعيات.
ويجب الإقرار أن مليارات الدولارات صرفت على مدينة القدس من أجل غاية التهويد والأسرلة خلال الأربعة عقود الأخيرة. وكان العقار المقدسي هدفا رئيسا ومركزيا لكل هذه الخطط وتنفيذها.
وفي المقابل, وعلى مدى الأربعة عقود الأخيرة, كان الرد الفلسطيني الرسمي والعربي والإسلامي عويلا وصراخا وبلاغة وفصاحة. ولم يتجاوز سقفه صدور بيان أو مجرد الكلام الإنشائي أو ثرثرة الصالونات الرسمية .
وتحقق الإسرائيليون ومنذ وقت طويل وتحديدا منذ حريق المسجد الأقصى في عام 1968, وبخاصة غولدا مئير بعد أن لم تنم الليل كما زعمت, أن الرد العربي والإسلامي لن يكون سوى جملا بليغة أو خطبا على أكثر تقدير, ويبدو أنها كانت واهمة في الرد العربي والإسلامي .
ومن يومها غدت القدس كاشفة الرأس عارية القدمين إلا من نفر من مواطنيها ومن أكنافها بخاصة ومن فلسطين بعامة, وهم قلة قليلة, نذروا أنفسهم لحمايتها ورعايتها وصونها والذود عن حياضها, ولكنهم يتعرضون لتشهير واتهام . وذكرني ذلك بالقول المأثور ان الشجرة المثمرة تتعرض للرمي بالحجارة.
وفي الفترة الأخيرة, عاد ذكر القدس للتكرار, إما مرتبطا بندوة, أو بمؤتمر, أو بورشة عمل, أو بدراسة أو بتقرير هنا أو هناك, وتضافرت هذه الجهود بخاصة بعد عقد مؤتمر استانبول لنصرة القدس. وشعر البعض بدبيب الحياة في قضية القدس وبخاصة بعد ان سمعوا وشاهدوا وقراوا عن بعض الأنشطة الذهنية والعصف الفكري فيما تحتاجه القدس ومحاولة إعداد الخطط لصد الهجمة الواسعة الإسرائيلية.
وفي المقابل سمع المواطنون وشاهدوا وقرأوا عن تلك الخطط الجهنمية التي تحاك تحت جنح الظلام لتغيير معالم المدينة المقدسة, بل نفي معالمها كلية.
ويجب ان نسارع للقول أن هناك صناديق عربية وإسلامية ترعى وعلى استحياء شديد وببخل شديد أيضا حاجات القدس وطلباتها وهي موجودة منذ وقت ليس بالقصير. وتحاول أن تلبي جزءا متواضعا من حاجات القدس. لكن هذه الصناديق تتعامل مع القدس ومع مشاريعها ومع مؤسساتها بطريقة بطيئة أكاديمية شكلية, وكأنها منطقة مستقرة تحت حكم هادىء, وكأن القدس ليست تحت الإحتلال وتحت ظرف استثنائي بالغ الصعوبة بل أخطر من حالة الطوارئ ذاتها.
يجب الإعتراف أن هذه الأجهزة بيروقراطية وبطيئة, وتتعامل وكأن الفلسطينيين في القدس ليسوا تحت احتلال, وكأنهم لا يصارعون الزمن . ويتبعون طرقا تقليدية في التمويل والتدقيق, ولم يستطيعوا تقديم وسائل مبتكرة وغير تقليدية في التمويل لمدينة القدس ومؤسساتها. وبالقطع لا أدعو لعدم التدقيق والشفافية والتثبت, لكن يجب الإسراع في كل ذلك, وأن لا تتأخر الموافقات أو الصرف تحت ذريعة التدقيق. ببساطة يجب ان لا يكونوا نظاما عربيا بيروقراطيا شكليا, وأحيانا كثيرة يجب القفز عن الشكليات من أجل الجوهر ألا وهو القدس.
ويجب أن نقر وبخجل شديد أن الأثرياء الفلسطينيين والعرب والمسلمين لم يقدموا بالقياس مع ما قدمه أثرياء اليهود للقدس سوى النزر اليسير. ولعل ما أشارت إليه صحيفة « معاريف « مؤخرا عن ثلاثة أثرياء يهود فقط يقودون حملات التمويل اليهودية في القدس العربية لأمر يثير الإستغراب والعجب. والأهم أنهم ليسوا من أصحاب المليارات على الإطلاق بل فقط مئات الملايين. ولكن تهمهم القدس كمدينة يهودية وكعاصمة للشعب اليهودي ومن هنا كان عطاؤهم لها وبذلهم من أجلها.
ويجب أن نعترف بكثير من الجرأة وقول الحق ان هناك فسادا كبيرا يجري في القدس. وأن الكثيرين اعتادوا التسول وفتح الدكاكين على حساب القدس, واعتادوا مهاجمة الشرفاء في القدس. وأن الكثيرين لا يروق لهم الصدق والشفافية في القدس ومؤسساتها. وأن بعض الممولين لديهم الحق في التخوف من تمويل بعض الأنشطة في القدس حرصا على أموالهم وخوفا عليها . فمافيات القدس تنتظر الإنقضاض على فرائسها ويشارك في ذلك أشخاص كثر, والمشكلة أن معظمهم متعلمون ومثقفون وفلسطينيون.
وإن كنتم في شك من كلامي فاسألوا العارفين ببواطن الأموركم دفع لخدمة القدس, ومن قبض باسم القدس, الكثيرون سمسروا وباعوا واشتروا باسم القدس وسرقوا المال بحجة أو بأخرى, ولم يستطع أحد ملاحقتهم بل يصعب استرداد الأموال التي استولوا عليها, لأن هؤلاء يعلمون في النهاية, صعوبة مقاضاتهم لأنهم محصنون ولن يمثلوا أمام قضاء ولا ما يحزنون. فضلا أن تلك القضايا معقدة وتدخلها اعتبارات سياسية معقدة ومتقاطعة. هناك سلب للمال العام باسم الخدمة العامة في القدس. مثل هؤلاء الناس يجب أن تنشر أسماؤهم على الملأ حتى لا يتدثروا برداء القدس بعد اليوم.
في الإطار المالي يحار الفرد في موضوع امتناع السلطة الوطنية الفلسطينية( رئاسة وحكومة ) عن تخصيص موازنة مالية لمدينة القدس وأسباب ذلك. هل هي اتفاقية أوسلو وما تضمنته من الحظر الذي فرض على السلطة الإمتناع عن العمل في القدس أم هناك سبب آخر؟ الإسرائيليون يبنون المستوطنات ليل نهار ولا يخشون أوسلو ولا تداعياته. حينما يسمع الثري الفلسطيني أوالعربي أو الإسلامي بان سلطتنا العتيدة وضعت موازنة محترمة للقدس العربية فإنه يتشجع أيما تشجع ويقدم على مثلها, بل إن السلطة تستطيع أن تقود الكثيرين في هذا المجال وتعلمهم أصول العمل للقدس. أما إن بقيت القدس دون موازنة فأبسط رد يمكن أن يأتي من الآخرين هو أن أصحاب البيت غير مكترثين فلماذا نحن نكترث, أليسوا هم أولى ببيتهم؟!
الأمر المقلق هو أن الفلسطينيين لا يضغطون بما فيه الكفاية على الدول المانحة أو على الأقل هذا هو ما يبدو على السطح لتخصيص مخصصات لمدينة القدس وبخاصة أن إسرائيل تعارض ذلك. الآن بعد أن قرر مؤتمر باريس سبعة مليارات ونيف من الدولارات ولو أنها ما زالت حبرا على الورق, أليس من العدالة تخصيص بعضها للقدس الشريف ودفع الدول المانحة لتخصيص الأموال لأنشطة كثيرة في القدس.
حينما أزور مدنا كثيرة قريبة أوبعيدة, وأتجول فيها وأتحقق من التقدم والعمران الذي حصل فيها أتحسر على مدينتي الحبيبة التي تسرق أراضيها ويحظر البناء فيها ,وتنهب أموالها عبر فرض الضرائب من قبل بلديتها, والمشكلة أنها تصرف على الغير وتبنى عليها المستوطنات في كل الإتجاهات للغير, بينما هنا يصبر الناس الشرفاء ويتجرعون المر وذل الجدار وقيد المرور. أتحسر على المدارس الحديثة , وعلى الطرق والأنفاق, وعلى المراكز الثقافية بينما ليس هناك مركز ثقافي واحد في القدس العربية يا أيها السادة المانحون .
ليست القدس ترفا فكريا , ولا خطبة عصماء تقال في المناسبات, ولا قصيدة شعرية تلقى في المهرجانات, ولا خطة عمل واستراتيجية تناقش على طاولة مستديرة, بل هي عمل دؤوب مستمر لرفض الواقع المؤلم وتغييره بواقع أفضل ضمن رؤيا تقول بكل صراحة إن ضاعت القدس ضاعت فلسطين وإن بقيت القدس بقيت فلسطين وما عدا ذلك هراء وثرثرة.
المطلوب عمل سريع بدون بيروقراطية فقد ضاع من الوقت الكثير, عمل نزيه شفاف يقود إلى نتائج ملموسة على الأرض المقدسية « فقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون » .
منقول
|
 |