كيف تدعو إلى الله تعالى في السفر ؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا للخير ، ويسَّره لنا ، ودلَّنا إليه ، وأعاننا عليه ، ولولا الله ما اهتدينا ، والصلاة والسلام على معلم الناس الخير ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أما بعد :
فلا يشك مسلم في أهمية الدعوة إلى الله تعالى في السفر كالحضر ، فالمؤمن الصادق يحمل قضيته معه ، لا ينساها ، ولا يغفل عنها حيثما حلَّ أو ارتحل .
وربما يكون سفره في الأمصار على مدى الأعصار سبب عظيم لنشر الخير للغير ، والتأثير في الخلق ، ودعوتهم إلى الله ، وسوقهم إلى ربهم سوقاً جميلاً .
فبالسفر تزاد خبرته ، وتصقل موهبته ، وتنمو معرفته بالناس وطبائعهم وأحوالهم وواقعهم ووقائعهم ، فيقف على مواطن الخلل عندهم ، ويسبر أغوار مجتمعهم ، ليلمس بيده مكامن النقص ومواطن الكمال ، فهو كالنحلة الطيبة ، لا ترى منها إلا طيباً ، وكالنخلة المثمرة كلّ ما فيها مفيد ، وكالغيث حيثما وقع نفع ، وكالنور في الفجر حيثما سطع أشرقت به البلاد واستيقظت منه العباد !
قال تعالى :[ ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ] 1
عن سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ قال : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لعلي ـ كرم الله وجهه: " لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " 2
فمن الوسائل المفيدة في الدعوة إلى الله تعالى في السفر :
1 ـ إلقاء المواعظ القصيرة في المساجد المطروقة ، فحالما أدركته الصلاة ألقى كلمة قصيرة ومؤثرة ، وهي بذرة مباركة تلقى في قلوب المستمعين ، وستنبت بإذن الله ـ ولو بعد حين !
وأنا أعرف أحد حفاظ كتاب الله تعالى وهو من الدعاة المباركين ، كانت سبب هدايته من بعد غوايته وسقوطه في براثن المخدرات والفجور والفواحش والغناء و ترك الصلوات وغيرها من الطامات كلمة قصيرة من شيخ مبارك سمعها منه في سفر ، فهل من معتبر ؟!
فعن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم : " إن الله وملائكته ، وأهل السموات والأرضين ، حتى النملة في جحرها ، وحتى الحوت ، ليصلون على معلم الناس الخير " 3
وعن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه ـ رضي الله عنهم ـ أنَّ النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :" من علَّم علماً ؛ فله أجرُ مَن عمِلَ به ، لا ينقُصُ من أجرِ العاملِ " 4
وعن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :" من غدا إلى المسجدِ لا يريد إلاَّ أن يتعلم خيراً أو يُعلِّمه ، كان كأجرِ حاجٍّ ، تاماً حجَّتُهُ " 5
2 ـ نشر الكتب والأشرطة والمطويات في كل مكان يكون فيه ، في المساجد ، والمنتزهات ، والفنادق ، والاستراحات ، والمهم أن تترك خلفك ما يذكر بك ، وما يكون سبباً في هداية غيرك ، وستقطف ـ بإذن الله ـ من هذه الثمرة اليانعة ، في يوم الحصاد ، عندما تقف بين يدي مولاك في يوم المعاد .
فعن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول :" أربعةٌ تجري عليهم أجورهم بعدَ الموت : رجلٌ مات مُرابطاً في سبيلِ الله ، ورجلٌ علَّمَ علماً ، فأجرُه يَجري عليه ما عُمِلَ به ، ورجلٌ أجرى صدقةً ، فأجرُها له ما جَرَت ، ورجلٌ ترك ولداً صالحاً يَدعو له " 6
3 ـ استغلال المناسبات العامة في تعليم الناس الخير ، وتنبيههم على بعض أخطائهم ، وما يقع من بعضهم من خلل وزلل ، وتذكيرهم بالله تعالى ، وتعليمهم الخير ولو كان شيئاً يسيراً ، فعن أبي مالك الأشجعي عن أبيه ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" من علَّم آية من كتاب الله عز وجل ، كان له ثوابها ما تليت " 7
4 ـ الحرص على الخلق الطيب ، والمعاملة الحسنة ، والابتسامة الصادقة ، واللمسات الحانية ، والكلمات الرقيقة ، والكرم الفياض ، و العفو والصفح ، وغيرها من الأمور التي جاء الإسلام بها ، ورغَّب فيها ، وحثَّ عليها ، وقد تؤثر بفعلك أكثر من قولك ، فانتبه !
فعن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الساهر بالليل ، الظامئ بالهواجر " 8
وعن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" إن خياركُم أحاسنُكُم أخلاقاً " 9
وعن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" ما من شئ أثقل في الميزان من حسن الخلق " 10
5 ـ استغلال الأطفال في الدعوة إلى الله تعالى ، بإنكار المنكر ، والأمر بالمعروف ، ونشر الرسائل والوسائل الدعوية بين البرية ، فهذا طفل ينكر على مدخن أو سامع للغناء ، وهذه طفلة تأمر بالحجاب ، وهذا آخر يرسل بالكتاب ، وآخر بالشريط ، وأخرى بغيرها من الوسائل الدعوية المباركة ، والمهم أن نحمل الهم ، فليست النائحة الثكلى كالمستأجرة ، وأعظم النفع ما كان في الدين .
فعن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" خيرُ الناسِ ؛ أنفعُهم للناسِ " 11
6 ـ الوقوف مع أهل الأزمات على مدى الطرقات ، فإن رأيت من خذلته مركبته ، وقفت معه ، فأصلحتها من عطب إذا علمت السبب أو أوصلته إلى مبتغاه ، أو على أقلِّ تقدير أمنته من خوفه ، ونصرته حال ضعفه ، ثم وهبته هدية دعوية أو كلمة رقيقة ، أزالت همَّه ، وأذهبت غمَّه ، فكم لها من الأثر ! والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .
فعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : بينما نحن في سفرٍ مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ جاء رجلٌ على راحلةٍ لهُ قال : فجعلَ يصرفُ بصرهُ يميناً وشمالاً. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" من كان له فضلُ ظهرٍ ، فليعُد به على من لا ظَهرَ له ، ومن كان له فضلُ زادٍ ، فليعُد به على من لا زادَ له" 12
وعن جابر ـ رضي الله عنهما ـ قال :" كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يَتخَلَّفُ في المسيرِ، فَيُزجي الضَّعيفَ ، ويُردِفُ ، ويدعو لهم " 13
7 ـ نشر المجلات الإسلامية المباركة في الاستراحات ، والشقق والمفروشة ، ومحلات الحلاقة ، وأماكن الانتظار ، لتكون بديلاً لذلك السم الزعاف من المطبوعات السيئة المنتشرة في أكثر البلدان .
8 ـ توزيع النشرات التعريفية بالمؤسسات الخيرية ؛ الإغاثية والدعوية ، والدلالة عليها ، والحديث عن سبل دعمها والاستفادة منها .
فعن أبي مسعود الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ قال : جاء رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : يا رسول الله ، إني أبدع بي14 فاحملني ، قال : " لا أجد ما أحملك عليه ، ولكن ائت فلانا فلعلَّه أن يحملك " . فأتاه فحمله ، فأتى رسول الله ـ ( ـ فأخبره ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم : " من دلَّ على خير ، فله مثل أجر فاعله " 15
9 ـ زيارة العلماء والدعاة وطلاب العلم في المدن المزارة ، والتعرف عليهم ، والوقوف على أحوالهم وأعمالهم ، والتنسيق معهم للاستفادة منهم ، وكذلك زيارة المؤسسات الخيرية للوقوف على احتياجاتها ، والمساهمة في نصرتها ، ونقل الخبرات منها وإليها .
10 ـ تعليم الأهل أحكام السفر ، وتطبيقها عليهم ، وتربيتهم على طاعة الله تعالى ، وتعليمهم الخير ، والتفرغ لهم ـ ولو لبعض الوقت ـ لتهذيب أخلاقهم ، وتزكية نفوسهم ، والسعي للرقي بهم في جميع أمورهم ، فالأقربون أولى بالمعروف .
قال تعالى : [ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ] 16
11 ـ تذكير الأهل بالدعاء للمسلمين ، وتنبيههم أن دعاء المسافر مستجاب ، فترفع همة الأهل ، ليشعروا بهموم المسلمين .
فعن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم : " دعوةُ المرءْ المُسلمِ لأخيهِ ، بظهر الغيب مستجابة عِندَ رأسهِ ملكٌ مُوكلٌ . كلما دعا لأخيه بخيرٍ ، قال الملكُ المُوكلُ به : آمينَ ، ولك بمثل " 17
12 ـ دراسة المنكرات التي يقف عليها المسافر ، ورصدها ، لتقديمها للدعاة والعلماء والمصلحين ، وللجهات المختصة ، ليقوموا بواجب الإصلاح ، كلٌّ بحسبه ، ومن موقعه .
فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" إنَّ مِن النَّاسِ مَفاتِيحَ للخير ، مغاليقَ للشَّر ، وإنَّ من الناسِ مفاتيحَ للشَّرِّ ، مغاليق للخير ، فطوبى لمن جعلَ اللهُ مفاتيح الخيرِ على يديهِ ، وويلٌ لمن جعل اللهُ مفاتيح الشرِّ على يديه " 18
13 ـ تفقد أحوال المساجد ، والتعرف على ما ينقص فيها ، ومحاولة توفير احتياجاتها ، ولو لم يكن إلا توفير المصاحف ، فكم في ذلك من خير !
فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم " إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته ، بعد موته ، علماً نشره ، وولداً صالحاً تركه ، ومصحفاً ورثه ، أو مسجداً بناه ، أو بيتاً لابن السبيل بناه ، أو نهراً أجراه ، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته ، تلحقه من بعد موته " 19
14 ـ الإصلاح بين الناس عندما تنشب بينهم الفتن ، وتكثر بينهم الخصومات ، وتغشاهم القطيعة الفظيعة ، ويغزوهم التدابر والتهاجر .
قال تعالى : ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس( 20
عن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" ألا أُنبَّئكم بدرجة أفضل من الصلاة والصيام والصدقة ؟ " قالوا : بلى ، قال : " إصلاح ذات البين ، وفساد ذات البين هي الحالقة " 21
وعن أبي أيوب الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم : " ألا أدلُّك على صدقةٍ يحبُّ اللهُ موضِعَها ؟ تصلحُ بين الناسِ ، فإنها صدقةٌ يحبُّ الله موضعها " 22
وعن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" أفضل الصدَّقَة إصلاحُ ذات البينِ" 23
15 ـ الوقوف مع أهل البلايا ، والمشي في حاجة من ابتلوا بالرزايا ، والعون لأصحاب الحاجات ، والمساعدة لأولي الضرر ، والمساندة لمن يحتاج التأييد والتسديد .
فعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" أحبُّ الناس إلى اللهِ أنفعهم ، وأحبُّ الأعمالِ إلى الله عزَّ وجلَّ سرورٌ تدخله على مسلمٍ ، أو تكشفُ عنه كربةُ ، أو تقضي عنهُ ديناً ، أو تطردُ عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجةٍ أحبُّ إلىَّ من أن أعتكفَ في المسجدِ شهراً ، ومن كفَّ غضبهُ ، ستر الله عورتهُ ، ومن كظم غيظاً ، ولو شاءَ أن يمضيهُ أمضاهُ ، ملأ الله قلبهُ رضى يوم القيامة ، ومن مشى مع أخيه المسلمِ في حاجته حتى يثبتها لهُ ، أثبت اللهُ تعالى قدمةُ يومَ تزِلُّ الأقدامُ ، وإنِّ سوءَ الخلقِ ليفسدُ العملَ ، كما يفسدُ الخلُّ العسل " 24
وعن البراء بن عا*هذه الكلمة ممنوعة**هذه الكلمة ممنوعة* ـ رضي الله عنه ـ قال :" أمرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بسبعٍ : بعيادةِ المريضِ ، واتّباعِ الجنائزِ ، وتشميتِ العاطسِ ، ونصرِ الضَّعيفِ ، وعونِِ المظلومِ ، وإفشاءِ السَّلامِ ، وإبرارِ المقسِمِ "25
ولن يعدم المؤمن الطريقة الصحيحة في الدعوة إلى الله تعالى في السفر وغيره ، فعلى قدر صدقه مع ربه ، واهتمامه بدينه ، وحرصه على نشر الخير للناس ، يُفتح عليه من ربِّه ، وتأتيه الوسائل والسبل المشروعة التي لم تكن له على بال .
فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" ... ومن يتحرَّ الخير يُعطه ، ومن يتوق الشر يُوقه " 26
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم
1 فصلت : 33
2 صحيح البخاري (3/324) (2942) .
3 صحيح سنن الترمذي (2/343) (2161) .
4 صحيح سنن ابن ماجه (1/46) (196 ) .
5 رواه الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك ، انظر : صحيح الترغيب والترهيب (1/145) (86) .
6 رواه أحمد في المسند والطبراني في الكبير ، انظر : صحيح الجامع (1/) (890) .
7 أخرجه أبو سهل القطان في حديثه عن شيوخه ، انظر : السلسلة الصحيحة (3/323) (1335) .
8 أخرجه تمام في الفوائد والطبراني في الكبير ، انظر: السلسلة الصحيحة (2/435) (794) .
9 صحيح البخاري (7/108) (6035) .
10 صحيح سنن أبي داود (3/911) (4014) .
11 رواه الطبراني في الكبير والدار قطني في الإفراد ، انظر : السلسلة الصحيحة (1/712 ) (426) .
12 صحيح مسلم (1090) (1728 ) .
13 صحيح سنن أبي داود (2/500) (2298) .
14 أي ؛ انقطع بي السبيل لموت دابتي .
15 صحيح مسلم (3/1197) (1893) .
16 التحريم : 6
17 صحيح مسلم (4/1664) (2733) .
18 صحيح سنن ابن ماجه (1/46) (194) .
19 أخرجه البيهقي ، انظر : صحيح الجامع (1/443) (2231) وقال الألباني : حسن .
20 النساء: 114 .
21 صحيح سنن أبي داود (3/929) 4111) .
22 أخرجه الأصبهاني في الترغيب والطبراني في الكبير، انظر: السلسلة الصحيحة (6-1/298) (2644) .
23 أخرجه عبد بن حميد في المنتخب والبخاري في التاريخ ، انظر: السلسلة الصحيحة (6-1/289) (2639) .
24 أخرجه الطبراني في الكبير وابن عساكر في التاريخ ، انظر: السلسلة الصحيحة (2/608) (906) .
25 صحيح البخاري ( 7/166 ) ( 6235 ).
26 أخرجه الخطيب في تاريخه وابن عساكر في تاريخ دمشق ، انظر : السلسلة الصحيحة (1/605) (342)
|
 |