النسخ في اللغة :
هو الاستكتاب , كالا ستنساخ والانتساخ , وبمعنى النقل والتحويل , ومنه تناسخ المواريث والدهور , وبمعنى الأزالة , ومنه نسخت الشمس الظل , وقد كثر استعماله في هذا المعنى في ألسنة الصحابة والتابعين فكانوا يطلقون على المخصص والمقيد لفظ الناسخ .
-
النسخ في الأسطلاح :
هو رفع أمر ثابت في الشريعة المقدسة بأرتفاع أمده وزمانه , سواء أكان ذلك الأمر المرتفع من الأحكام التكليفيه أم الوضعيه , وسواء أكان من المناصب الألهيه أم من غيرها من الأمور التي ترجع الى الله تعالى بما أنه شارع , وهذا الأخير كما في نسخ القرآن من حيث التلاوة فقط , وانما قيدنا الرفع بالأمر
الثابت في الشريعة ليخرج به ارتفاع الحكم بسبب ارتفاع موضوعه خارجا , كأرتفاع وجوب الصوم بأنتهاء شهر رمضان , وارتفاع وجوب الصلاة بخرج وقتها , وارتفاع ما لكية شخص لماله بسبب موته , فأن هذا النوع من ارتفاع الأحكام لا يسمى نسخا , ولا اشكال في امكانه ووقوعه , ولا خلاف فيه من أحد .
ولتوضيح ذلك نقول :ان الحكم المجعول في الشريعة المقدسة له نحوان من الثبوت :
أحدهما : ثبوت ذلك الحكم في عالم التشريع والأنشاء , والحكم في هذه المرحلة يكون مجعولا على نحو القضية الحقيقية , ولا فرق في ثبوتها بين وجدود الموضوع في الخارج وعدمه , وانما يكون قوام الحكم بفرض وجود الموضوع .
فإذا قال الشارع : شرب الخمر حرام ---- مثلا ----- فليس معناه أن هنا خمرا في الخارج . وأن هذا الخمر محكوم بالحرمة , بل معناه أن الخمر متى ما فرض وجوده في الخارج فهو محكوم بالحرمة في الشريعة سواء أكان في الخارج خمر بالفعل أم لم يكن , ورفع هذا الحكم في هذه المرحلة لا يكون الا بالنسخ .
وثانيهما : ثبوت ذلك الحكم في الخارج بمعنى أن الحكم في الخارج بمعنى أن الحكم يعود فعليا بسبب فعلية موضوعه خارجا , كما إذا تحقق وجود الخمر في الخارج , فأن الحرمة المجعولة في الشريعة للخمر تكون ثابتة له بالفعل , وهذه الحرمة تستمر باستمرار موضوعها , فإذا انقلب خلا فلا ريب في ارتفاع تلك الحرمة الفعلية التي ثبتت له في حال خمريته , ولكن ارتفاع هذا الحكم ليس من النسخ في شئ , ولا كلام لأحد في جواز ذلك ولا في وقوعه , وانما الكلام في القسم الأول , وهو رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع والإنشاء .
-
امكان النسخ :
المعروف بين العقلاء من المسلمين وغيرهم جواز النسخ بالمعنى المتنازع فيه << رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع والإنشاء >> وخالف في ذلك اليهود والنصارى فأدعوا استحالة النسخ , واستندوا في ذلك إلى شبهة هي أوهن من بيت العنكبوت .
وملخص هذه الشبهة :
ان النسخ يستلزم عدم حكمة الناسخ , أو جهله بوجه الحكمة , وكلا هذين اللازمين مستحيل في حقه تعالى , وذلك لأن تشريع الحكم من الحكيم المطلق لا بد وأن يكون على طبق مصلحة تقتضيه , لأن الحكم الجزافي ينافي حكمة جاعله , وعلى ذلك فرفع هذا الحكم الثابت لموضوعه اما أن يكون مع بقاء الحال على ماهو عليه من وجه المصلحة وعلم ناسخه بها , وكشف الخلاف على ما هو الغالب في الأحكام والقوانين العرفية , وهو يستلزم الجهل منه تعالى . وعلى ذلك فيكون وقوع النسخ في الشريعة محالا لأنه يستلزم المحال .
والجواب:
ان الحكم المجعول من قبل الحكيم قد لا يراد منه البعث , أو الزجر الحقيقيين كالأوامر التي يقصد بها الأمتان , وهذا النوع من الأحكام يمكن إثباته أولا ثم رفعه , ولا مانع من ذلك , فأن كلا من الإثبات والرفع في وقته قد نشأ عن مصلحة وحكمة , وهذا النسخ لا يلزم منه خلاف الحكمة , ولا ينشأ من البداء الذي يستحيل في حقه تعالى ,
وقد يكون الحكم المجعول حكما حقيقيا , ومع ذلك ينسخ بعد زمان , لا بمعنى أن الحكم بعد ثبوته يرفع في الواقع ونفس الأمر , كي يكون مستحيلا على الحكيم العالم بالواقعيات , بل هو بمعنى أن يكون الحكم المجعول مقيدا بزمان خاص معلوم عند الله , مجهول عند الناس , ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان , لانتهاء أمده الذي قيد به , وحلول غايته الواقعية التي أنيط بها .
والنسخ بهذا المعنى ممكن قطعا , بداهة : أن دخل خصوصيات الزمان في مناطات الأحكام مما لا يشك في عاقل , فأن يوم السبت --- مثلا --- في شريعة موسى <ع> قد أشتمل على خصوصية تقتضي جعله عيدا لأهل تلك الشريعة دون بقية الأيام , ومثله يوم الجمعة في الإسلام , وهكذا الحال في أوقات الصلاة والصيام والحج , وإذا تصورنا وقوع مثل هذا في الشرائع فلنتصور أن تكون للزمان خصوصية من جهة استمرار الحكم وعدم استمراره , فيكون الفعل ذا مصلحة في مدة معينة , ثم لا تترتب عليه تلك المصلحة بعد انتهاء تلك المدة , وقد يكون الأمر بالعكس .
وجملة القول : إذا كان من الممكن أن يكون للساعة المعينة , أو اليوم المعين أو الأسبوع المعين , أو الشهر المعين تأثير في مصلحة الفعل أو مفسدته أمكن دخل السنة في ذلك أيضا , فيكون الفعل مشتملا على مصلحة في سنين معينة , ثم لا تترتب عليه تلك المصلحة بعد انتهاء تلك السنين , وكما يمكن أن يقيد إطلاق الحكم من غير جهة الزمان بدليل منفصل , فكذلك يمكن أن يقيد إطلاقه من جهة الزمان أيضا بدليل منفصل , فكذلك يمكن أن يقيد إطلاقه من جهة الزمان أيضا بدليل منفصل , فان المصلحة قد تقتضي بيان الحكم على جهة العموم أو الإطلاق , مع أن المراد الواقعي هو الخاص أو المقيد ، ويكون بيان التخصيص أو التقييد بدليل منفصل.
فالنسخ في الحقيقة تقييد لاطلاق الحكم من حيث الزمان ولا تلزم منه مخالفة الحكمة ولا البداء بالمعنى المستحيل في حقه تعالى ، وهذا كله بناء على أن جعل الاحكام وتشريعها مسبب عن مصالح أو مفاسد تكون في نفس العمل . وأما على مذهب من يرى تبعية الاحكام لمصالح في الاحكام أنفسها فإن الامر أوضح ، لان الحكم الحقيقي على هذا الرأي يكون شأنه شأن الأحكام الامتحانية.
-
النسخ في الشريعة الأسلامية :
لا خلاف بين المسلمين في وقوع النسخ , فان كثيرا من أحكام الشرائع السابقة قد نسخت بأحكام الشريعة الأسلامية , وان جملة من أحكام هذه الشريعة قد نسخت بأحكام اخرى من هذه الشريعة نفسها , فقد صرح القرآن الكريم بنسخ حكم التوجه في الصلاة الى القبلة الأولى , وهذا مما لا ريب فيه .
وإنما الكلام في أن يكون شئ من أحكام القرآن منسوخا بالقرآن ، أو بالسنة القطعية ، أو بالإجماع ، أو بالعقل . وقبل الخوض في البحث عن هذه الجهة يحسن بنا أن نتكلم على أقسام النسخ ، فقد قسموا النسخ في القرآن إلى ثلاثة أقسام:
1= نسخ التلاوة دون الحكم :
وقد مثلوا لذلك بآية الرجم فقالوا : إن هذه الاية كانت من القرآن ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها ، وقد قدمنا لك في بحث التحريف أن القول بنسخ التلاوة هو نفس القول بالتحريف وأوضحنا أن مستند هذا القول أخبار آحاد وأن أخبار الآحاد لا أثر لها في أمثال هذا المقام .
فقد أجمع المسلمون على أن النسخ لا يثبت بخبر الواحد كما أن القرآن لا يثبت به ، والوجه في ذلك - مضافا إلى الإجماع –
أن الأمور المهمة التي جرت العادة بشيوعها بين الناس ، وانتشار الخبر عنها على فرض وجودها لا تثبت بخبر الواحد فإن اختصاص نقلها ببعض دون بعض بنفسه دليل على كذب الراوي أو خطئه وعلى هذا فكيف يثبت بخبر الواحد أن آية الرجم من القرآن ،
وأنها قد نسخت تلاوتها ، وبقي حكمها ، نعم قد تقدم أن عمر أتى بآية الرجم وادعى أنها من القرآن فلم يقبل قوله المسلمون ، لان نقل هذه الآية كان منحصرا به ، ولم يثبتوها في المصاحف ، فالتزم المتأخرون بأنها آية منسوخة التلاوة باقية الحكم .
2=نسخ التلاوة والحكم :
ومثلوا لنسخ التلاوة والحكم معا بما تقدم نقله عن عائشة في الرواية العاشرة من نسخ التلاوة في بحث التحريف ، والكلام في هذا القسم كالكلام على القسم الاول بعينه.
3= نسخ الحكم دون التلاوة :
وهذا القسم هو المشهور بين العلماء والمفسرين ، وقد ألف فيه جماعة من العلماء كتبا مستقلة ، وذكروا فيها الناسخ والمنسوخ . منهم العالم الشهير أبو جعفر النحاس ، لحافظ المظفر الفارسي ، وخالفهم في ذلك بعض المحققين ، فأنكروا وجود المنسوخ في القرآن .
وقد اتفق الجميع على إمكان ذلك ، وعلى وجود آيات من القرآن ناسخة لأحكام ثابتة في الشرائع السابقة ، ولأحكام ثابتة في صدر الإسلام . ولتوضيح ما هو الصحيح في هذا المقام نقول : إن نسخ الحكم الثابت في القرآن يمكن أن يكون على أقسام ثلاثة :
1= إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بالسنة المتواترة ، أو بالإجماع القطعي الكاشف عن صدور النسخ عن المعصوم <ع> وهذا القسم من النسخ لا إشكال فيه عقلا ونقلا ، فإن ثبت في مورد فهو المتبع ، وإلا فلا يلتزم بالنسخ ، وقد عرفت أن النسخ لا يثبت بخبر الواحد .
2= إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بآية أخرى منه ناظرة إلى الحكم المنسوخ ، ومبينة لرفعه ، وهذا القسم أيضا لا إشكال فيه ، وقد مثلوا لذلك بآية النجوى " سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى " .
3=إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بآية أخرى غير ناظرة إلى الحكم السابق ، ولا مبينة لرفعه ، وإنما يلتزم بالنسخ لمجرد التنافي بينهما فيلتزم بأن الاية المتأخرة ناسخة لحكم الاية المتقدمة .
والتحقيق : أن هذا القسم من النسخ غير واقع في القرآن ،
كيف وقد قال الله عز وجل : " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " .
-
|
 |