الفصل الأول : أدلة القائلون على كفر تارك الصلاة وإجابة المانعون
الدليل الأول
قال القائلون بكفر تارك الصلاة : من الأدلة على كفر تارك الصلاة قول الله تبارك و تعالى ( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ) التوبة 11 , ووجه الدلالة من الآية هي أن الله تعالى اشترط لثبوت الأخوة بيننا وبين المشركين , ثلاثة شروط :
الأولى : أن يتوبوا من الشرك .
الثانية : أن يقيموا الصلاة .
الثالثة : أن يؤتوا الزكاة .
فإن تابوا من الشرك , ولم يقيموا الصلاة , ولم يؤتوا الزكاة , فليسوا بإخوة لنا .
وإن أقاموا الصلاة , ولم يؤتوا الزكاة فليسوا بإخوة لنا .والأخوة في الدين لا تنتفي إلا حيث يخرج المرء من الدين بالكلية , فلا تنتفي بالفسوق , والكفر دون الكفر , ألا ترى إلى قوله تعالى ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ) البقرة 178 , فجعل الله القاتل عمداً أخاً للمقتول , مع أن القتل عمداً من أكبر الكبائر .
ثم ألا تنظر إلى قوله تعالى ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) الحجرات 9-10 , فأثبت الله تعالى الأخوة بين الطائفة المصلحة , والطائفتين المقتتلتين , مع أن قتال المؤمن من الكفر كما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ) , لكنه كفر لا يخرج من الملة , إذ لو كان مخرجاً من الملة , ما بقيت الأخوة الإيمانية معه , والآية الكريمة قد دلت على بقاء الأخوة الإيمانية مع الاقتتال .
وبهذا علم أن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة , إذ لو كان فسقاً أو كفر دون كفر , ما انتفت الأخوة الدينية به , كما لم تنتف بقتل المؤمن وقتاله , ولكن : هل تارك الزكاة كافراً كما دل عليه مفهوم آية التوبة ؟
الجواب : أن تارك الزكاة لا يكفر – مع أن بعض أهل العلم قال بتكفيره – ولكنه يعاقب بعقوبة عظيمة , ذكرها الله تعالى في كتابه , وذكرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سنته , ومنها ما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه , أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ذكر عقوبة مانع الزكاة , وفي آخره , ثم يرى سبيله , إما إلى الجنة وإما إلى النار , وقد رواه مسلم في " باب مانع الزكاة " وهو دليل على أنه لا يكفر , إذ لو كان كافراً ما كان له سبيل إلى الجنة .
فيكون منطوق هذا الحديث مقدماً على مفهوم آية التوبة , لأن المنطوق مقدم على المفهوم , كما هو معلوم في أصول الفقه .
وأجاب القائلون بعدم تكفير تارك الصلاة : بإن هذا الدليل وهو أستدللاكم بقول الله جل شأنه : ( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ) التوبة 11 وإنكم قلتم أن الله تعالى اشترط لثبوت الأخوة بيننا وبين المشركين إقام الصلاة ، فمن لم يقم بها ، فلا يعد أخاً لنا في الدين إلى آخر ما ذكرتموه من أن الأخوة في الدين لا تنتفي إلا حيث يخرج المرء من الدين بالكلية , فلا تنتفي بالفسوق , والكفر دون الكفر , و يمكن الرد عليه من وجهين :
إحداهما :
أنه قرن بالصلاة الزكاة ، فهل من تاب وأقام الصلاة لكنه لم يزك لا يكون أخاً في الدين عليه ما على المسلمين ، وله ما للمسلمين ؟!
فإن قلتم : لا ، بل هو أخ في الدين !
قلنا لكم : ما هو دليل التفريق في الآية بين الصلاة والزكاة ، وهما مذكورتان بالترتيب والتساوي عقيب التوبة ؟
فإن قلتم : لأنه ورد ما يخرج تارك الزكاة من الكفر المخرج من الملة وذلك كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه , أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ذكر عقوبة مانع الزكاة , وفي آخره , ثم يرى سبيله , إما إلى الجنة وإما إلى النار إذ لو كان كافراً ما كان له سبيل إلى الجنة , فيكون منطوق هذا الحديث مقدماً على مفهوم آية التوبة , لأن المنطوق مقدم على المفهوم , كما هو معلوم في أصول الفقه .
قلنا لكم : وهذا ما ذكرتموه هو في حق تارك الصلاة أيضاً فقد ورد ما يخرج تارك الصلاة من الكفر المخرج من الملة وذلك كما في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ ) وفي آخر الحديث قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ ) صححه الألباني , فلو كان كافراً ما كان له أن يدخل الجنة , فمنطوق هذا الحديث مقدماً على مفهوم آية التوبة كما قررتم في تارك الزكاة .
فإن قلتم : أن تارك الزكاة ليس أخاً في الدين !!
قلنا : هذا باطل من القول بيقين ، ليس عليه أي دليل !
وأما الوجه الثاني :
قال الإمام ابن عطية في " المحرر الوجيز " :
" تابوا : رجعوا عن حالهم ، والتوبة منهم تتضمن الإيمان " .
فإقامة الصلاة مشروطة ومسبوقة بالتوبة التي هي متضمنة للإيمان ، إذ ذكر الله التوبة قبل ذكر الصلاة أو الزكاة ، فدل ذلك على أنها هي قاعدة الأصل في الحكم بأخوة الدين .
لذا قال الطبري في " جامع البيان " :
" يقول جل ثناؤه : فإن رجع هؤلاء المشركون – الذين أمرتكم أيها المؤمنون بقتلهم – عن كفرهم وشركهم بالله إلى الإيمان به وبرسوله ، وأنابوا إلى طاعته ، وأقاموا الصلاة المكتوبة ، فأدوها بحدودها، وآتوا الزكاة المفروضة أهلها: فهم إخوانكم في الدين الذي أمركم الله به ، وهو الإسلام " .
الدليل الثاني
قال القائلون بكفر تارك الصلاة : من الأدلة على كفر تارك الصلاة قول الله تبارك و تعالى ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ) القلم 35- 43 .
فقد أخبر الله تعالى أنه لا يجعل المسلمين كالمجرمين , ثم ذكر أحوال المجرمين الذين هم ضد المسلمين ومن أحوالهم أنهم يدعون إلى الجسود لربهم فيحال بينهم وبينه فلا يستطيعون السجود مع المسلمين عقوبة لهم على ترك السجود مع المسلمين في دار الدنيا وهذا يدل على أنهم من الكفار والمنافقين , إذ لو كانوا من المسلمين لأذن لهم الله تبارك وتعالى في السجود كما إذن للمسلمين , فلا يستطيع السجود عندما يكشف الله عن ساقه سبحانه وتعالى إلا المسلمين ويحال ذلك على غيرهم فدل ذلك على أنهم – تاركى الصلاة – مع من لا يأذن له في الصلاة وهم الكفار والمنافقين .
وأجاب القائلون بعدم تكفير تارك الصلاة : بإن الذين قصدهم الله تبارك وتعالى في قوله ( وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ) , هم الذين يسمعون الأذان والإقامة فيأبون , وبذلك فسرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في صحيح مسلم عن ابي هريرة قال اتى النبي رجل اعمى فقال يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله أن يرخص له فرخص له فلما ولى دعاه فقال هل تسمع النداء قال نعم قال فأجب فلم يجعل مجيبا له بصلاته في بيته إذا سمع النداء فدل على أن الإجابة المأمور بها هي إتيان المسجد للجماعة , وقد قالها غير واحد من السلف , وهذا هو الذي فهمه أعلم الأمة وأفقههم من الإجابة وهم الصحابة رضي الله عنهم فقال ابن المنذر في كتاب الأوسط روينا عن ابن مسعود وابي موسى انهما قالا من سمع النداء ثم لم يجب فإنه لا تجاوز صلاته رأسه إلا من عذر مجمع الزوائد 2/42 , قال وروي عن عائشة أنها قالت من سمع النداء فلم يجب لم يرد خيرا ولم يرد به سنن البيهقي 3/57 , وعن ابي هريرة انه قال ان تمتليء أذنا ابن آدم رصاصا مذابا خير له من ان يسمع المنادي ثم لا يجيبه , فهذا وغيره يدل أن الإجابة عند الصحابة هي حضور الجماعة وأن المتخلف عنها غير مجيب فيكون عاصيا .
قال الشوكاني في تفسيره :
"ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون" قال الواحدي: قال المفسرون: يسجد الخلق كلهم لله سجدة واحدة ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون، لأن أصلابهم تيبس فلا تلين للسجود. قال الربيع بن أنس: يكشف عن الغطاء فيقع من كان آمن بالله في الدنيا فيسجدون له، ويدعي الآخرون إلى السجود فلا يستطيعون، لأنهم لم يكونوا آمنوا بالله في الدنيا.
"وقد كانوا يدعون إلى السجود" أي في الدنيا "وهم سالمون" أي معافون عن العلل متمكنون من الفعل. قال إبراهيم التميمي: يدعون بالأذان والإقامة فيأبون. وقال سعيد بن جبير: يسمعون حي على الفلاح فلا يجيبون. قال كعب الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقيل يدعون بالتكليف المتوجه عليهم بالشرع فلا يجيبون، وجملة "وهم سالمون" في محل نصب على الحال من ضمير يدعون " أهـ .
قال ابن كثير في تفسيره للأية :
عن أبي بردة عن أبي موسى قال حدثني أبي قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول ( إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا فيذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويبقى أهل التوحد فيقال لهم ما تنتظرون وقد ذهب الناس فيقولون إن لنا ربا كنا نعبده في الدنيا ولم نره - قال - وتعرفونه إذا رأيتموه فيقولون نعم فيقال فكيف تعرفونه ولم تروه قالوا إنه لا شبيه له فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون له سجدا وتبقى أقوام ظهورهم مثل صياصي البقر فينظرون إلى الله تعالى فيريدون السجود فلا يستطيعون فذلك قوله تعالى: "يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون" فيقول الله تعالى عبادي أرفعوا رءوسكم فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلا من اليهود والنصارى في النار ) , قال أبو بردة : فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: الله الذي لا إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلف له ثلاثة أيمان; فقال عمر: ما سمعت في أهل التوحيد حديثا هو أحب إلي من هذا. وقال قيس بن السكن: حدث عبدالله بن مسعود عند عمر بن الخطاب فقال: إذا كان يوم القيامة قام الناس لرب العالمين أربعين عاما شاخصة أبصارهم إلى السماء, حفاة عراة يلجمهم العرق, فلا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم أربعين عاما, ثم ينادي مناد: أيها الناس, أليس عدلا من ربكم الذي خلقكم وصوركم وأماتكم وأحياكم ثم عبدتم غيره أن يولي كل قوم ما تولوا؟ قالوا: نعم. قال: فيرفع لكل قوم ما كانوا يعبدون من دون الله فيتبعونها حتى تقذفهم في النار, فيبقى المسلمون والمنافقون فيقال لهم: ألا تذهبون قد ذهب الناس؟ فيقولون حتى يأتينا ربنا; فيقال لهم: أو تعرفونه؟ فيقولون: إن اعترف لنا عرفناه. قال فعند ذلك يكشف عن ساق ويتجلى لهم فيخر من كان يعبده مخلصا ساجدا, ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأن في ظهورهم السفافيد, فيذهب بهم إلى النار, ويدخل هؤلاء الجنة; فذلك قوله تعالى: "ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون".
قال القرطبي في تفسيره :
قوله تعالى: "وقد كانوا يدعون إلى السجود" أي في الدنيا. "وهم سالمون" معافون أصحاء. قال إبراهيم التيمي: أي يدعون بالأذان والإقامة فيأبونه. وقال سعيد بن جبير: كانوا يسمعون حي على الفلاح فلا يجيبون. وقال كعب الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقيل: أي بالتكليف الموجه عليهم في الشرع، والمعنى متقارب. وقد مضى في سورة البقرة الكلام في وجوب صلاة الجماعة. وكان الربيع بن خيثم قد فلج وكان يهادي بين الرجلين إلى المسجد، فقيل: يا أبا يزيد، لو صليت في بيتك لكانت لك رخصة. فقال : من سمع حي على الفلاح فليجب ولو حبواً. وقيل: لسعيد بن المسيب: إن طارقاً يريد قتلك فتغيب. فقال: أبحيث لا يقدر الله علي؟ فقيل له: اجلس في بيتك. فقال: اسمع حي على الفلاح، فلا أجيب !
الدليل الثالث
قال القائلون بكفر تارك الصلاة : ومن الأدلة على كفر تارك الصلاة قول الله تبارك و تعالى ( فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصّلاَةَ وَاتّبَعُواْ الشّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً إِلاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئا ً) مريم 59 ,60 , فقوله تعالى ( إِلاّ مَن تَابَ وَآمَنَ ) دليل على أنهم حين إضاعتهم للصلاة واتباع الشهوات لم يكونوا مؤمنين .
وأجاب القائلون بعدم تكفير تارك الصلاة : أن استدلالكم بهذه الآية فهو بعيد إذ أن السلف الصالح فسر هذه الآية وقد أختلفوا في معنى الأضاعة وكذلك اختلفوا في الخلف الذين أضاعوا الصلاة وأتبعوا الشهوات , فمنهم من قال أن أضاعة الصلاة ليس معناها أضاعتها بالكلية وإنما هي أضاعة أركانها وواجباتها , ومنهم من قال أن الأضاعة هي تأخيرها عن وقتها , ومنهم من قال أنه يقصد بها أضاعته صلاة الجماعة في المسجد , هذا من ناحية معنى الأضاعة أما من ناحية الخلف فمنهم من يقول أنهم اليهود , ومنهم من يقول أنهم اليهود والنصارة , ومنهم من يقول أنهم أقوام من أمة محمد صلي الله عليه وسلم يأتون في آخر الزمان , وإذا كان الأمر كذلك فلا يمكن لكم الأستدلال بهذا الآية التى أختلف في تفسير معنها وحملها على أن الذين ( يَلْقُونَ غَيّاً ) هم تاركى الصلاة من هذه الأمة مع وجود أدلة صحيحة وصريحة على أن من آتاء بالتوحيد ولم يشرك بالله تعالى فإن الله قد يغفر له ويدخله الجنة إذ أن الله تعالى قال أنه يغفر الذنوب جميعاً ولا يغفر أن يشرك به سبحانه وتعالى , والصلاة من جملة هذه الذنوب , قال تعالى ( إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) النساء 48 , والصلاة دون ذلك و لا شك .
قال صاحب تفسير أضواء البيان :
" واختلف أهل العلم في المراد بإضاعتهم الصلاة، فقال بعضهم : المراد بإضاعتها تأخيرها عن وقتها. وممن يروى عنه هذا القول ابن مسعود، والنخعي، والقاسم بن مخيمرة، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: إن هذا القول هو الصحيح. وقال بعضهم: إضاعتها الإخلال بشروطها، وممن اختار هذا القول الزجاج، وقال بعضهم: المراد بإضاعتها جحد وجوبها. ويروى هذا القول وما قبله عن محمد بن كعب القرظي، وقيل: إضاعتها في غير الجماعات. وقيل: إضاعتها تعطيل المساجد، والاشتغال بالصنائع والأسباب.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وكل هذه الأقوال تدخل في الآية. لأن تأخيرها عن وقتها، وعدم إقامتها في الجماعة، والإخلال بشروطها، وجحد وجوبها، وتعطيل المساجد منها ـ كل ذلك إضاعة لها، وإن كانت أنواع الإضاعة تتفاوت، واختلف العلماء أيضاً في الخلف المذكورين من هم؟ فقيل: هم اليهود. ويروى عن ابن عباس ومقاتل. وقيل: هم اليهود والنصارى، ويروى عن السدي. وقيل: هم قوم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يأتون عند ذهاب الصالحين منها، يركب بعضهم بعضاً في الأزقة زنى. ويروى عن مجاهد وعطاء وقتادة ومحمد بن كعب القرظي. وقيل: إنهم البربر، وقيل: إنهم أهل الغرب. وفيهم أقوال أخر.
قال مقيده عفا الله عنه : وكونهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليس بوجيه عندي , لأن قوله تعالى ( فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ ) صيغة تدل على الوقوع في الزمن الماضي، ولا يمكن صرفها إلى المستقبل إلا بدليل يجب الرجوع إليه كما ترى. والظاهر أنهم اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين خلفوا أنبياءهم وصالحيهم قبل نزول الآية، فأضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات " .
كما أن هذه الآية قد بينة أن هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات ( فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً ) , أنهم سوف يدخلون النار , ولكن ليس فيها أنهم مخلدون فيها, فكون أن تارك الصلاة يعاقب على تركه لها فهاذا لا خلف فيه إذ هو صاحب كبيرة من الأثم يستحق عليها العذاب " أهـ .
الدليل الرابع
قال القائلون بكفر تارك الصلاة : ومن الأدلة على كفر تارك الصلاة قول الله تبارك و تعالى ( ماسَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ) المدثر 42 – 47 , فلا يخلو إما أن يكون كل واحد من هذه الخصال هو الذي سلكهم في سقر وجعلهم من المجرمين او مجموعها فإن كان كل واحد منها مستقلا بذلك فالدلالة ظاهرة وإن كان مجموع الأمور الأربعة فهذا إنما هو لتغليظ كفرهم وعقوبتهم وإلا فكل واحد منها مقتض للعقوبة إذ لا يجوز أن يضم ما لا تأثير له في العقوبة إلى ما هو مستقل بها .
ومن المعلوم أن ترك الصلاة وما ذكر معه ليس شرطا في العقوبة على التكذيب بيوم الدين بل هو وحده كاف في العقوبة فدل على أن كل وصف ذكر معه كذلك إذ لا يمكن لقائل ان يقول لا يعذب إلا من جمع هذه الأوصاف الأربعة فإذا كان كل واحد منها موجبا للإجرام وقد جعل الله سبحانه المجرمين ضد المسلمين كان تارك الصلاة من المجرمين السالكين في سقر وقد قال ( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ) القمر 48-47 , وقال تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ ) المطففين 29 , فجعل المجرمين ضد المؤمنين المسلمين .
فأجاب القائلون بعدم تكفير تارك الصلاة : بأن الآية إنما فيها أنهم يدخلون النار عقوبة لهم على هذه الخصال التي اتصفوا بها وهذا لا يختلف فيه أحد إذ من المعلوم أن الأنسان – المسلم – إذا أذنب ذنبا فإن الله عز وجل سوف يحاسبه على هذا الذنب , فإما أن يدخله النار بسبب ذلك أو يمن عليه بكرمه ومنه فيتجاوز عنه ويدخله الجنة , وهذه الآية من هذا القبيل , وليس فيها أن من أتصف بهذه الصفات أن مصيره إلى النار خالداً مخلداً فيها فهي بهذا لا تكون فيها حجة على تكفير تارك الصلاة الكفر الأكبر المخرج من الملة , وأما وصف الآية تارك الصلاة بإنه من المجرمين , فتحمل على الإجرام غير المخرج من الملة .
الدليل الخامس
قال القائلون بكفر تارك الصلاة : ومن الأدلة على كفر تارك الصلاة قوله تعالى ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ) الماعون 4-5 , قالوا : والوعيد بالويل في القرآن إنما يطلق على الكفار، كقوله تعالى ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) فصلت 6-7 ، وقوله جل جلاله ( وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ ءَايَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) الجاثية 6-9 , وقوله عز وجل ( وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) إبراهيم 2 .
فأجاب القائلون بعدم تكفير تارك الصلاة : أن استدلالكم بكلمة

ويل ) وأنها تطلق في القرآن على الكفار محتمل ، لأنها جاءت في موضعين ولم يقصد بها الكفار وهما ( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ) , ( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ) ، فعلق الويل بالتطفيف وبالهمز واللمز، وهذا لا يكفر به بمجرده ، فَوَيْلُ تارك الصلاة ؛ إما أن تكون ملحقًا بويل الكفار كما أشرتم في التعريف بكلمة الـ( ويل ) ، أو بويل الفساق كما بينة الايتان السابقتان ( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ) , ( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ) , والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال .
الدليل السادس
قال القائلون بكفر تارك الصلاة : ومن الأدلة على كفر تارك الصلاة قَولَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ ) صححه الالباني , والمراد بالكفر هنا، الكفر المخرج عن الملة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، جعل الصلاة فصلا بين المؤمنين والكافرين، ومن المعلوم أن ملة الكفر غير ملة الإسلام، فمن لم يأت بهذا العهد فهو من الكافرين .
فأجاب القائلون بعدم تكفير تارك الصلاة : يجب حمل كلمة " كفر " التي في هذا الحديث على كفر النعمة , وعدم حملها على كفر الجحود , وهذا له صور كثيرة في غير هذا الحكم , فقد حمل الكفر الوارد في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ) متفق عليه , وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في الأنساب و النياحة على الميت ) صححه الألباني , وغير ذلك كثير , فكل ذلك يحمل على كفر النعمة لا كفر الجحود , وقد سئل ابن عباس رضي الله عنه عن قول الله سبحانه وتعالى ( وَمَن لّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) المائدة 44 , قال رضي الله عنه ( ليس بالكفر الذي يذهبون إليه إنه ليس كفرا ينقل عن الملة ، كفر دون كفر ) .
وهذا الرد يكون على كل الاحاديث التي جاء فيها ما يعبر على ان تارك الصلاة متصف بوصف الكفر كقوله صلى الله عليه وسلم ( بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة ) , وقوله صلى الله عليه وسلم ( من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله ) , وكذلك الآيات القرآنية التي فيها ان تارك الصلاة يوصف بوصف الكفر فتحمل على انه كفر دون كفر , وسبب حمل هذه الأحاديث والآيات على الكفر الأصغر دون الأكبر هو وجود آيات وأحاديث تصف تارك الصلاة بأنه من جملة المسلمين وأنه يحاسب ويكون مصيره على الجنة كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ ) صححه الألباني , وقال الله تعالى ( إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) النساء 48 , والصلاة دون ذلك و لا شك .
الدليل السابع
قال القائلون بكفر تارك الصلاة : ومن الأدلة على كفر تارك الصلاة ما جاء عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ , فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ , قَالَ : فَمَنْ رَضِيَ وَتَابِعَ , قَالُوا : أَفَلاَ نُقَاتِلُهُمْ قَالَ : لاَ , مَا صَلُّوا ) مسلم , وكذلك ما جاء عن عَبْدُ الرَّحْمَانِ بْنُ أَبِي النُّعْمِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذُهَيْبَةٍ فِي أَدِيمِ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ , نَاشِزُ الْجَبْهَةِ , كَثُّ اللِّحْيَةِ , مَحْلُوقُ الرَّأْسِ مُشَمِّرُ الإِزَارِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ , فَقَالَ

وَيْلَكَ , أَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ قَالَ : ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ , فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ أَضْرِبُ عُنُقَهُ قَالَ : لَعَلَّهُ يَكُونُ يُصَلِّي ) مسلم .
فأجاب القائلون بعدم تكفير تارك الصلاة : َأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " لَعَلَّهُ يُصَلِّي " فَإِنَّمَا فِيهِ الْمَنْعُ مِنْ قَتْلِ مَنْ يُصَلِّي , وَلَيْسَ فِيهِ قَتْلُ مَنْ لاَ يُصَلِّي أَصْلاً , بَلْ هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ , وَإِذَا سَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حُكْمٍ فَلاَ يَحِلُّ لأََحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ عليه السلام مَا لَمْ يَقُلْ , فَيَكْذِبُ عَلَيْهِ , وَيُخْبِرُ ، عَنْ مُرَادِهِ بِمَا لاَ عِلْمَ لَهُ بِهِ ( فَيَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) .
وأما حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ , فَلاَ حُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ , فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلاَّ الْمَنْعُ مِنْ قَتْلِ الْوُلاَةِ مَا صَلُّوا , وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ جَازَ قَتْلُهُ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ قُتِلَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى( وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىَ الاُخْرَىَ فَقَاتِلُواْ الّتِي تَبْغِي حَتّىَ تَفِيَءَ إِلَىَ أَمْرِ اللّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِين َ) الحجرات 9 , فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقِتَالِ الْبُغَاةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ إلَى أَنْ يَفِيئُوا , ثُمَّ حَرَّمَ قَتْلَهُمْ إذَا فَاءُوا. وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ مَنَعَ حَقًّا مِنْ أَيِّ حَقٍّ كَانَ وَلَوْ أَنَّهُ فِلْسٌ وَجَبَ عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى , أَوْ لأَدَمِيٍّ , وَامْتَنَعَ دُونَ أَدَائِهِ فَإِنَّهُ قَدْ حَلَّ قِتَالُهُ ; لأََنَّهُ بَاغٍ عَلَى أَخِيهِ , وَبَاغٍ فِي الدِّين ِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ عَمَلٍ لِلَّهِ تَعَالَى لَزِمَهُ وَامْتَنَعَ دُونَهُ , وَلاَ فَرْقَ , فَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ أُجْبِرُوا عَلَى أَدَاءِ مَا عَلَيْهِمْ بِالتَّعْزِيرِ وَالسَّجْنِ. كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَنْ أَتَى مُنْكَرًا فَلاَ يُزَالُ يُؤَدَّبُ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ أَوْ يَمُوتَ غَيْرَ مَقْصُودٍ إلَى قَتْلِهِ وَحَرُمَتْ دِمَاؤُهُمْ بِالنَّصِّ وَالإِجْمَاعِ , وَتَارِكُ الصَّلاَةِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلاَءِ , إنْ امْتَنَعَ قُوتِلَ , وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ لَمْ يَحِلَّ قَتْلُهُ .
ملاحظة : هل يكفر تارك الصلاة بترك فريضة واحدة ، أو فريضتين ، أو لا يكفر إلا بترك الجميع ؟
لقد اختلف العلماء القائلون بتكفير تارك الصلاة هل يكفر بترك صلاة واحدة؟ أو بترك صلاتين؟ أو ثلاث؟ أو بالترك الكلي، فلا يسجد لله سجدة ؟
فذهب فريقاً منهم إلى أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر، حتى يذهب وقتها؛ كافر , وذهاب الوقت أن يؤخر الظهر إلى غروب الشمس، والمغرب إلى طلوع الفجر: وإنما جعل آخر أوقات الصلوات ما وصفنا؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة، وفي السفر، فصلى إحداها في وقت الأخرى، فلما جعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأولى منها وقتًا للأخرى في حال والأخرى وقتًا للأولى في حال؛ صار وقتاهما وقتًا واحدًا في حال العذر، كما أمرت الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس، أن تصلي الظهر والعصر، وإذا طهرت آخر الليل، أن تصلي المغرب والعشاء , فهذا يدل على أن التكفير، يكون بترك صلاة واحدة، حتى يخرج وقتها .
وذهب آخرون إلى أنه لا يكفر حتى يترك ثلاث صلوات وتضايق وقت الرابعة : ووجه هذا القول أن الموجب للقتل هو الإصرار على ترك الصلاة والإنسان قد يترك الصلاتين لكسل أو ضجر أو شغل يزول قريبا ولا يدوم فلا يسمى بذلك تاركا للصلاة فإذا كرر الترك مع الدعاء إلى الفعل علم أنه إصرار .
وذهب فريقاً آخر إلى أن تارك الصلاة، لا يكفر إلا بالترك الكلي أي لا يسجد لله سجدة : لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ) ، فمن كان يصلي أحياناً لم يصدق عليه أنه ترك الصلاة ، ويقول ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) , ولم يقل من ترك صلاة فقد كفر ، ولم يقل بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك صلاة ، بل قال ( ترك الصلاة )، فظاهره أنه لا يكفر إلا إذا كان تركها تركاً عاماً مطلقاً .
قال القائلون بعدم تكفير تارك الصلاة : أن أضطرابكم في أمر عظيم، وهو " التكفير " , ليعد دليلا على عدم انضباط المسألة عندكم إذ أن مكفرين تارك الصلاة غير متفقين على من هو تارك الصلاة , فإن قلنا لكم ماهو الحد في هذا الترك، الذي يكون به التارك كافرًا ؟
فسوف يكون الجواب مضطرباً على عدة أوجه , وهذا الأمر يدل على اضطرابكم في الحكم على تاركها .