حقك أيها المصلي إن كنت من المريدين للآخرة أن لا تغفل عن التنبيهات التي في شروط الصلاة وأركانها
صلاة الخاشعين
حقك أيها المصلي إن كنت من المريدين للآخرة أن لا تغفل عن التنبيهات التي في شروط الصلاة وأركانها. فلنبدأ من سماعك نداء المؤذن فأحضر حينها في قلبك هول النداء يوم القيامة وتشمر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة فإن المسارعين إلى هذا النداء هم الذين ينادون باللطف يوم العرض الأكبر فاعرض قلبك على هذا النداء فإن وجدته مملوءا بالفرح والاستبشار مشحونا بالرغبة فاعلم أنه يأتيك النداء بالبشرى والفوز يوم القضاء.لذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول: (أرحنا بها يا بلال) إذ كانت قرة عينه.
وأما الطهارة فإذا أتيت بها في مكانك ثم في ثيابك ثم في بشرتك فلا تغفل عن قلبك واجتهد له تطهيرا بالتوبة والندم على ما فرطت وتصميم العزم على الترك في المستقبل فعليك تطهير باطنك لأنه موضع نظر الخالق.
وأما ستر العورة فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق فإن كان ظاهر بدنك موضع لنظر الخلق فما بالك في عورات باطنك وفضائح أسرارك التي لا يطلع عليها إلا ربك عز وجل؟ فأحضر تلك الفضائح ببالك وطالب نفسك بسترها وتحقق أنه لا يستر عن عين الله سبحانه ساتر. وإنما يغفرها الندم والحياء والخوف فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث جنود الخوف والحياء من مكامنهما فتذل بها بنفسك ويستكين تحت الخجلة قلبك وتقوم بين يدي الله عز وجل قيام العبد المجرم المسيء الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكسا رأسه من الحياء والخوف.
وأما الاستقبال فهو صرف ظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله تعالى أفترى أن صرف القلب عن سائر الأمور إلى الله عز وجل ليس مطلوبا منك هيهات فلا مطلوب سواه وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن وضبط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغي على القلب فينقلب عن وجه الله فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك قال صلى الله عليه وسلم(إذا قام العبد إلى صلاته فكان هواه ووجهه وقلبه إلى الله عز وجل انصرف كيوم ولدته أمه).
أما الاعتدال قائما فإنما هو مثول بالشخص والقلب بين يدي الله عز وجل فليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مطرقا متنكسا تنبيها عن إلزام القلب التواضع والتذلل والتبري عن التكبر وليكن على ذكرك خطر القيام بين يدي الله عز وجل عند العرض للسؤال . واعلم أنك قائم بين يدي الله عز وجل وهو مطلع عليك فاستحي منه.
وأما النية فاعزم على إجابة الله عز وجل في امتثال أمره بالصلاة وإتمامها والكف عن نواقضها ومفسداتها وإخلاص جميع ذلك لوجه الله سبحانه رجاء لثوابه وخوفا من عقابه وطلبا للقربة منه وعظم في نفسك قدر مناجاته وانظر من تناجي وكيف تناجي وبماذا تناجي؟
وأما التكيبر فإذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذبه قلبك فإن كان في قلبك شيء هو أكبر من الله سبحانه فالله يشهد إنك لكاذب فإن كان هواك أغلب عليك من أمر الله عز وجل فأنت أطوع له منك لله تعالى فقد اتخذته إلهك وكبرته وما أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة والاستغفار وحسن الظن بكرم الله وعفوه.
وأما دعاء الاستفتاح فأول كلماته قولك (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض) وليس المراد بالوجه الوجه الظاهر فإنك إنما وجهته إلى جهة القبلة والله سبحانه يتقدس عن أن تحده الجهات إنما المراد وجه قلبك أن تتوجه به إلى فاطر السموات والأرض وإياك أن تكون في أول مفاتحتك للمناجاة بالكذب والاختلاق ولن ينصرف الوجه إلى الله إلا بانصرافه عما سواه وإذا قلت (حنيفا مسلما)فينبغي أن يخطر ببالك أن المسلم هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده فان لم تكن كذلك فاجتهد أن تعزم عليه في المستقبل وتندم على ما سبق من الأحوال. وإذا قلت (وما أنا من المشركين) فأخطر ببالك الشرك الخفي وكن حذرا مشفقا من هذا الشرك وإذا قلت (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) فاعلم أنه عدوك ومترصد لصرف قلبك عن الله حسدا لك على مناجاتك مع الله عز وجل وسجودك له واعلم أن استعانتك بالله تكون بفعل ما يحبه الله عز وجل ليس بالقول فقط. واعلم أن من مكائد الشيطان أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة وتدبير فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما تقرأ.
ثم افتتح قراءتك ب(بسم الله الرحمن الرحيم) وافهم أن الأمور كلها بالله سبحانه تعالى فلا جرم كان (الحمد لله)أي الشكر لله إذ النعم كلها منه سبحانه وتعالى ومن يرى من غير الله نعمة أو يقصد غير الله سبحانه بشكر ففي تسميته وحمده نقص. فإذا قلت (الرحمن الرحيم) فأحضر قلبك جميع أنواع لطفه لتتضح لك رحمته فينبعث بها رجاؤك. ثم استشعر من قلبك التعظيم والخوف بقولك (مالك يوم الدين) أما العظمة فلأنه لا ملك إلا له وأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو مالكه ثم جدد الإخلاص بقولك (إياك نعبد) وجدد العجز والاحتياج والتبرئ من الحول والقوة بقولك (إياك نستعين) وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا بإعانته وأن له المنة إذ وفقك لطاعته واستخدمك لعبادته وجعلك أهلا لمناجاته.
ثم إذا فرغت من التعوذ ومن البسملة والتحميد ومن إظهار الحاجة إلى الإعانة فلا تطلب إلا أهم حاجاتك وقل (اهدنا الصراط المستقيم) الذي يسوقنا إلى جواره سبحانه ويفضي بنا إلى مرضاته. هذا الطريق الذي منّ الله به على النبيين والصديقين والشهداء والصالحين دون الذي غضب الله عليهم من الكفار ( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم والضالين) ثم التمس الإجابة وقل (آمين).
ثم احرص على أن تقرأ القرآن مرتلا كما نزل وأن تفهم ما تقرأ من السور فالصلاة مفتاح القلوب وفيها تنكشف أسرار الكلمات واحرس حواسك عن الالتفات لشيء واحرس سرك عن الالتفات إلى غير الصلاة فإذا التفت لغيره فذكر نفسك باطلاع الله عليك وبقبح تهاونك بمن تناجي.
أما الركوع والسجود فينبغي أن تجدد عندهما ذكر كبرياء الله سبحانه وترفع يديك مستجيرا بعفو الله عز وجل من عقابه بتجديد نية ومتبعا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ثم تستأنف له ذلا وتواضعا بركوعك وتجتهد في ترقيق قلبك وتجديد خشوعك وتستشعر ذلك وعز مولاك وتستعين على تقرير ذلك في قلبك بلسانك فتسبح ربك وتشهد له بالعظمة وتكرر ذلك على قلبك ثم ترتفع من ركوعك راجيا أنه راحم لك ومؤكدا للرجاء في نفسك بقولك (سمع الله لمن حمده)أي أجاب لمن شكره ثم تردف ذلك الشكر المتقاضي للمزيد فتقول (ربنا لك الحمد) وتكثر الحمد بقولك (ملء السموات وملء الأرض)ثم تهوي إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة فتمكن أعز أعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب. وإذا وضعت نفسك موضع الذل فاعلم أنك رددت الفرع إلى أصله فانك من التراب خلقت واليه تعود فعند هذا جدد على قلبك عظمة الله وقل(سبحان ربي الأعلى) وأكده بالتكرار فإذا رق قلبك ارفع رأسك مكبرا وسائلا حاجتك وقائلا (رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم)أو ما أردت من الدعاء) ثم أكد التواضع بالتكرار فعد إلى السجود ثانيا.
وأما التشهد فإذا جلست له فاجلس متأدبا وصرح بأن جميع ما تدلي به من الصلوات والطيبات أي من الأخلاق الطاهرة لله وكذلك الملك لله وهو معنى التحيات وأحضر في قلبك النبي صلى الله عليه وسلم وشخصه الكريم وقل(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد عليك ما هو أوفى منه ثم تسلم على نفسك وعلى جميع عباد الله الصالحين.
ثم تأمل أن يرد الله سبحانه عليك سلاما وافيا بعدد عباده الصالحين. ثم تشهد لله تعالى بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة مجددا بإعادة كلمتي الشهادة ومستأنفا للتحصن بها. ثم ادع في آخر صلاتك بالدعاء المأثور مع التواضع والخشوع والضراعة والابتهال وصدق الرجاء بالإجابة وأشرك في دعائك أبويك وسائر المؤمنين. واقصد عند التسليم السلام على الملائكة والحاضرين وانو ختم الصلاة به واستشعر شكر الله سبحانه على توفيقه لك لإتمام هذه الطاعة وتوهم أنك مودع لصلاتك هذه وانك ربما لا تعيش لمثلها قال صلى الله عليه وسلم(صل صلاة مودع)ثم أشعر قلبك الوجل والحياء من التقصير في الصلاة وخف أن لا تقبل صلاتك وأن تكون ممقوتا بذنب ظاهر أو باطن فترد صلاتك في وجهك وترجو مع ذلك أن يقبلها تعالى بكرمه وفضله.
دعاء عند الركوع:
(اللهم لك ركعت ولك خشعت وبك آمنت ولك أسلمت وعليك توكلت أنت ربي خشع سمعي وبصري ومخي وعظمي وما استقلت بي قدمي لله رب العالمين.)
وعند الرفع من الركوع:
سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولاينفع ذا الجد منك الجد)
دعاء عند السجود:
اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت. سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين. اللهم سجد لك سوادي وخيالي وآمن بك فؤادي أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي وهذا ماجنيت على نفسي فاغفر لي لا يغفر الذنوب إلا أنت.
|
 |