قال تعالى: ويعلّمه الكتابَ والحكمةَ والتوراة والإنجيل
(3 آل عمران: 48)
ربما ترجع كتابة التوراة إلى ارتداد الشعب عن عبادة يهوه، خاصة بعد العودة من السبي والامتزاج بغيرهم.
وتعني التوراة الهداية والإرشاد وهي في أصلها كلمة عبرية.
والتوراة كتاب اليهود الذي نزل على موسى( ) عليه السلام والذي ضم عقائدهم وشرائعهم إلى جانب تاريخهم.
وقد مرّت التوراة بمراحل متعددة تطورت خلالها مادتها من رواية إلى اختيار وتنقيح وحذف ثم تدوين على يد جماعة من المشرعين مثل موسى عليه السلام المتكلم بوحي من الله تعالى (يهوه)، ومثل كوهن الكاهن الذي كان يعلم الشريعة ويشرحها ويشرف على إقامة الشعائر الدينية، وغيرهما من أهل الحكمة.
ويضم التوراة اليوم (36) سِفراً وهناك أسفار محذوفة تسمى اصطلاحاً: "الايوكريفا" تعتمدها بعض المذاهب المسيحية، وهي أسفار طوبِت، ويهوديت وتتمة سفر استير، وسفر حكمة سليمان، وسفر حكمة يشوع ابن سيراخ، ورسالة أرميا النبي، ونبوءة باروخ، وتتمة سفر دانيال، وسفر المكابين الأول والثاني.
وترجمت التوراة إلى العربية في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، والمترجم هو "أحمد بن عبد الله بن سلوم" ونقلها أيضاً عن العبرية يحيى بن زكريا. وترجمها في الأندلس عن اللاتينية في القرن الرابع سعديا ابن يعقوب، وشرحها كثيرون منهم مهذب الدين يوسف بن أبي سعيد الطيّب وصدقة ابن منجا السامري الحراني.
وكلمة "توراة" مستعربة من أصل كلمة "تورا" العبرية، ومعناها "قانون" واسم "العهد القديم" عند المسيحيين يقصد به التوراة، بينما اسم "العهد الجديد" يقصد به الأناجيل الأربعة، واسم "الكتاب المقدس" يقصد به العهدان القديم والجديد وتوابعهما.
وليست الأسفار الخمسة الأولى أقدم ما في التوراة، بل يُرجح بعض المؤرخين أن أسفار الأنبياء هي أقدم الأسفار جميعاً، وهناك أسفار كتبت في العهد السلوقي فيما بين عامي (168 و165 قبل الميلاد) أضاف عزرا الكاهن كثيراً إلى محتويات سفر الشريعة من عنده، وبدل كثيراً من أسماء الأماكن الموجودة في النص، كما أضيفت فيما بعد أسفار عديدة على يد أحبار اليهود. وصحب ظهور التوراة بعد العودة من السبي في (444) قبل الميلاد ظهور (التلمود) وهي تعاليم يهودية ظهرت في (بابل) وعرفت تحت اسم (التلمود البابلي) حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، ثم ظهرت بعد قرنين تعاليم أخرى في أورشليم دوّنها أحبار طبرية وأطلقوا عليها اسم (تلمود أورشليم).
إن عقيدة الإسلام في التوراة وغيرها توجب الإيمان بالكتب السماوية جميعها وبرسلها تنفيذاً لأوامر الله تعالى في القرآن الكريم: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} (35 فاطر: 24). وهذه الكتب سمي منها التوراة. والزبور والإنجيل وصحف إبراهيم والقرآن ووصف ما ذكر منها أنه قد أنزله سبحانه وتعالى هدى ونوراً وأنها جميعاً مصدقة لما بين يديه من الوحي السابق ومنه إلى ما مرّت به أحداث التاريخ من ضياع هذه الكتب أو تحريفها وعبث المنتسبين إليها ولذلك جاء القرآن الكريم بما أورد من أخبارها وتشاريعها مصححاً لها ومهيمناً عليها، كشرعة سماوية ختم الله تعالى بها الرسالات وجعلها خاتمة لها للناس كافة: "انظر: فلسفة حسان الكاتب العالمية ودستورها وملاحقها في مخطوطات مكتبة الأسد بدمشق ومخطوطات مركز الوثائق التاريخية بدمشق انظر ( معالم عن المؤرخ الموسوعي حسان الكاتب في مركز الوثائق التاريخية).
وكان من أهم أحداث التاريخ التي مرّت باليهودية والنصرانية وسببت ضياع الأصل المنزل ما كان من تاريخها الأليم مع الوثنية والرومانية والفارسية بالنسبة لما أصاب اليهودية والنصرانية منهم دهراً طويلاً.
ونقدم فيما يلي نبذة عن موسى عليه السلام وحياته والموسوية والتوراة كما تحدثت عن ذلك دوائر المعارف: حيث جاء في دائرة معارف القرن العشرين:
موسى هو الرسول المشهور صاحب الدين الموسوي وقد رأينا في الكلام عليه أن نذكر أولاً تاريخه ونشأته ووظيفته من المصادر العربية وما قيل عنه في المصادر العلمية العصرية مع بيان الوظيفة التي أداها للعالم على الأسلوب النقدي التاريخي حيث جاء عنه في المصادر العربية:
أرسل الله تعالى موسى بن عمران بن قاهات بن لاوي بن يعقوب ابن اسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام رسولاً بشريعة إلى بني إسرائيل وكان من أمره أنه لما ولدته أمه كان قد أمر فرعون مصر واسمه الوليد بقتل الأطفال فخافت عليه أمه وألقى الله تعالى في قلبها أن تلقيه في النيل فجعلته في تابوت وألقته فالتقطته آسية امرأة فرعون وربته فكبُر فبينما هو يمشي في بعض الأيام إذ وجد إسرائيلياً وقبطياً يختصمان فوكز موسى القبطي فقتله ثم عُرف ذلك وخاف موسى من فرعون وقصد نحو مدين واتصل بشعيب فزوّجه ابنته واسمها صفورة وأقام يرعى غنم شعيب عشر سنين ثم سار موسى بأهله في الشتاء وأخطأ الطريق وكانت امرأته حاملاً فأخذها الطلق في ليلة شاتية فأخرج زنده ليقدح فلم تظهر له ناراً واعياً مما يقدح فرفعت له نار فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم بقبس أو آتيكم بشهاب لعلكم تصطلون، فلما دنا منها رأى نوراً ممتداً من السماء إلى شجرة عظيمة من العوسج وقيل من العناب فتحيّر وخاف ورجع فنودي منها ولما سمع الصوت اطمأن وعاد فلما أتاها نودي من جانب الطور الأيمن من الشجرة أن يا موسى أني أنا الله رب العالمين. ولما رأى تلك الهيبة علم أنه ربه فخفق قلبه وكلَّ لسانه وضعفت بنيته ثم شدّ الله تعالى قلبه ولما عاد عقله نودي أنِ اخلع نعليك إنك بالواد المقدس وجعل الله تعالى عصاه ويده آيتين ثم أقبل موسى إلى أهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلاً واجتمع به هارون وسأله من أنت فقال أنا موسى فاعتنقا وتعارفا ثم قال موسى يا هارون إن الله أرسلنا إلى فرعون فانطلق معي. فقال هارون سمعاً وطاعة فانطلقا إليه وأراه موسى عصاه ثعباناً فاغراً فاه حتى خاف منه فرعون فأحدث في ثيابه. ثم أدخل يده في جيبه وأخرجها وهي بيضاء لها نور ساطع يبهر الأبصار. فلم يستطع فرعون النظر إليها ثم ردّها إلى جيبه وأخرجها فإذا هي كما كانت ثم أحضر لهما فرعون السحرة الذين عملوا الحيات وألقى موسى عصاه فتلقفت ذلك وآمن به السحرة فقتلهم فرعون عن آخرهم ثم أراهم الآيات من القمل والضفادع وصيرورة الماء دماً فلم يؤمن فرعون ولا أصحابه وآخر الأمر أطلق فرعون لبني إسرائيل أن يسيروا مع موسى فسار موسى ببني اسرائيل ثم ندم فرعون وسار بعسكره حتى لحقهم عند بحر القلزم فضرب موسى بعصاه البحر فانشق ودخل فيه هو وبنو إسرائيل وتبعهم فرعون وجنوده وغرقوا عن آخرهم. ومن جملة المعجزات التي أعطاها الله عز وجل موسى قضيته مع قارون.
قالوا: كان قارون ابن عم موسى عليه السلام وكان الله تعالى قد رزق قارون المذكور مالاً عظيماً يضرب به المثل على طول الدهر قيل إن مفاتيح خزائنه كانت تحمل على أربعين بغلاً وبنى داراً عظيماً صفّحها بالذهب وجعل أبوابها ذهباً وقد قيل عن ماله شيء يخرج عن الحصر فتكبّر قارون بسبب كثرة ماله على موسى عليه السلام واتفق مع بني إسرائيل على قذفه والخروج عن طاعته وأحضر امرأة بغياً من البغايا وجعل لها جُعلاً وأمرها بقذف موسى عليه السلام بنفسها واتفق معها على ذلك. ثم أتى موسى فقال إن قومك يا موسى قد اجتمعوا فخرج إليهم موسى عليه السلام وقال من سرق قطعناه ومن افترى جلدناه ومن زنى رجمناه.
فقال قارون وإن كنت أنت قال موسى نعم وإن كنت أنا، قال فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجَرت بفلانة. قال موسى فادعوها فإن قالت فهو كما قالت، فلما جاءت قال لها موسى أقسمتُ عليك بالذي أنزل التوراة إلا صدقت: أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟
قالت لا كذبوا ولكن جعلوا لي جُعلاً على أن أقذفك. فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام مُرْ الأرض بما شئت تطعك. فقال يا أرض خذيهم، فجعل قارون يقول يا موسى ارحمني وموسى يقول يا أرض خذيهم فابتلعتهم الأرض ثم خُسف بهم وبدار قارون.
ولما أهلك الله تعالى فرعون وجنوده قصد موسى المسير ببني إسرائيل إلى مدينة الجبارين وهي أريحا فقالت بنو إسرائيل يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، يا موسى اذهب أنت وربّك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون. فغضب موسى ودعا عليهم فقال الله تعالى فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض. فبقوا في التيه وأنزل الله عليهم المنّ والسلوى.
ثم أوحى الله تعالى إلى موسى إني متوفٍّ هارون فأت به إلى جبل كذا وكذا فانطلقا نحوه فإذا هما بسرير فنام عليه هارون وأخذ هارون الموت ورفع إلى السماء ورجع موسى إلى بني إسرائيل فقالوا له أنت قتلت هارون لحبنا إياه. قال موسى ويحكم أفتروني أقتل أخي؟ فلما أكثروا عليه سأل الله تعالى فأنزل السرير وعليه هارون وقال لهم إني متُّ ولم يقتلني موسى. ثم توفي موسى واختلف في صورة وفاته، قيل كان هو ويوشع يتمشيان فظهرت غمامة سوداء فخافها يوشع واعتنق موسى فانسل موسى من قماشه وبقي يوشع معتنق الثياب وعدم موسى وأتى يوشع بالقماش إلى بني إسرائيل فقالوا أنت قتلت موسى ووكلوا به فسأل يوشع الله تعالى أن يبين براءته فرأى كل رجل كان موكلاً عليه في منامه أن يوشع لم يقتل موسى وأن الله رفعه إليه فتركوه، وقيل بل تنبأ يوشع وأوحى الله تعالى إليه وبقي موسى يسأله فلم يخبره فعظم ذلك على موسى وسأل الله الموت فمات. وقيل غير ذلك وكانت وفاة موسى عليه السلام في التيه في سابع آذار لمضي ألف وستمائة وست وعشرين سنة من الطوفان في أيام "منوجهر" الملك وكان موت موسى بعد هارون أخيه بأحد عشر شهراً وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنوات وكان مولد موسى لمضي أربعمئة وخمس وعشرين سنة من مولد إبراهيم وكان بين وفاة إبراهيم ومولد موسى مئتان وخمسون سنة وولد موسى لمضي ألف وخمسمئة وست سنين من الطوفان وكان عمره لما خرج ببني إسرائيل من مصر ثمانين سنة وأقام في التيه أربعين سنة فيكون عمر موسى مئة وعشرين سنة وأما بنو إسرائيل فكانوا قبل أن يخرجهم موسى من تحت حكم فراعنة مصر رعية لهم، وكانوا على بقايا من دينهم الذي شرعه يعقوب ويوسف عليهما السلام، وكان أول قدومهم إلى مصر لمضي تسع وثلاثين سنة من عمر يوسف عليه السلام فأقاموا في مصر بقية عمر يوسف وهو إحدى وسبعون سنة لأن عمر يوسف كان مئة وعشر سنين فإذا نقصنا منها تسعاً وثلاثين سنة بقي إحدى وسبعون سنة وأقاموا أيضاً مدة ما كان بين وفاة يوسف ومولد موسى وهو أربع وستون سنة وأقاموا أيضاً ثمانين سنة من عمر موسى حتى خرج بهم فيكون جملة مقام بني إسرائيل بمصر حتى أخرجهم موسى مئتين وخمس عشرة سنة.
|
 |