أشارت دراسة نفسية قام بها البروفيسور ( بيتر مارش) أُستاذ علم النفس بجامعة كامبريدج إلى أن لكل إنسانٍ ( مياه إقليمية) و ( حدوداً ) .. تماماً مثل الدول ..
إن كل منا يجلس في منتصف ثلاث دوائر غير مرئية تحيط به لا تسمح بإختراقها إلا لمن نحبهم فقط , وننزعج إذا اقتحم علينا حياتنا أو دوائرنا أشخاص غير مرغوب فيهم .. ، ويضرب البرفيسور مثلاً على ذلك :
إنك لو كنت جالساً على شاطئ البحر الخالي من البشر ، تراقب غروب الشمس .. ، لماذا تضيق وتتوتر اذا إقترب منك أحد الغرباء وجلس جوارك ؟؟!! وبرغم أنه لم يقتحم هدوءك بالكلام فإنك تضيق به وتقول أنه إقتحم عزلتك .. !!
في حين أنه في الحقيقة لم يقتحم سوى إحدى الدوائر الثلاث التي تحتفظ بها لأحبائك وأقرب الناس اليك ..
ونأتي الى معرفة حقيقة هذه الدوائر .. :
الدائرة الأولى :
وتبعد حوالي نصف متر عن جسد الإنسان .. أي بإمتداد الساعد فقط ، وهذه الدائرة تحدد ما يُطلق عليه العلماء بـ ( المنطقة الحميمة ) التي تحيط بأجسادنا مباشرة ، لا نسمح بدخولها لغير الأحباب وأقرب الأقرباء .
وعندما نحتضن من نحب زوجاً أو أُماً أو إبناً .. إلخ ، تندمج دائرتانا الحميمتين ونصبح مركزاً في دائرة واحدة تجمعنا ، وهذه المنطقة هي منطقة المشاعر الفياضة ، وعندما نكره بشدة .. نحاول إقتحام دائرة الخصم لإلغاء وجوده ونفوذه , مثلما يحدث في المشاجرات والقتال المتلاحم ..
الدائرة الثانية :
وهي أوسع من الدائرة الأولى ، وتبعد حوالي متر وربع عن أجسادنا - أي بإمتداد الذراع بكامله .. ، وهذه الدائرة تحدد إطار الصداقة مع الذين نتعامل معهم من الأصدقاء والجيران وزملاء العمل أو كل من نتعامل معه بشكلٍ غير رسمي .. ، وفي هذه المنطقة أو الدائرة تسمح المسافة بالمصافحة واللمس البعيد والمخاطبة والرؤية الشاملة ..
ويستخدم الناس هذه الدائرة ببساطة عندما يكون أحد الشخصين في درجة إجتماعية أو وظيفية أعلى بكثير من الآخر ، أما عندما يقترب الأقل من الأعلى فإنه يحرص على ألا يتعدى حدود هذه الدائرة ولا يدخل في المنطقة الشخصية .. ، والعكس غير صحيح .. فالأعلى قد يدخل الى منطقة الصداقة للأقل منه في درجة علوه ، مثال على ذلك :
عندما يعطي الجندي التحية لضابط في رتبة أعلى نجده يحافظ على هذه المسافة ولايتخطاها ، ويمكن ملاحظة إقتراب الأبناء من الآباء للكشف عن أبعاد العلاقة وما اذا كان الأب متسلطاً أم ودوداً ..
الدائرة الثالثة :
وهي أوسع الثلاث ، حيث تبعد عن الجسم حوالي أربع أمتار ، وهذه الدائرة تمثل المنطقة الإجتماعية التي تشمل من يحيطون بنا في حفل صغير مثلاً ، ونتعامل فيها مع الغرباء .. ، وخارج الدائرة الثالثة يقع ما يُسمى بـ ( المنطقة العامة ) التي يتواجد فيها الناس حولنا في الشارع أو الأسواق بدون أن يثيروا أدنى إهتمام ..
لو تأملنا التاس في الأماكن العامة مثل الحدائق وعربات القطار ، نرى بشكل عملي كيف يُحوِّل الناس الحدود الوهمية لتلك الدوائر إلى حدود فعلية .. بإستعمال الحقائب أو الملابس وحتى الصُحف يضعونها بجوارهم أو يحيطون أنفسهم بها ، وكأنها الأسلاك الشائكة الإجتماعية التي تمنع الأغراب من الدخول في المياه الإقليمية أو الحدود التي نرسمها ونحددها لنا ، وتلك ملحوظة تظهر أكثر لدى المرأة .. ، واذا تم التعامل فيها يتم بشكل عابر بالإشارة .. كالتلويح بالسلام عبر الطريق ..
وإذا حدث أن إقتحم غرباء مناطقنا ودوائرنا الخاصة لأسباب خارجة عن إرادتنا - مثل التواجد بالمصاعد مثلاً .. ففي هذه الحالة نحاول إيجاد حواجز وأسلاكاً شائكة وذلك بتحاشي إلتقاء النظرات والصمت والإطراق لأسفل أو النظر لأعلى .. ، واذا زاد الإزدحام قد نضطر لعقد اليدين فوق الصدر أو إحتضان الحقائب لصنع الحواجز ..
|
 |