لقد حوى القرآن فيما حوى تصوُّراً لجانب من علم الله الشامل، ليهتدي العقل البشري به، فيرتاد آفاق العالم المعلوم منها والمجهول، فتتَّسِعُ المدارك، ويسطع نور الإيمان المطلق بوحدانية الله؛ الَّذي بيده مفاتيح العلوم كلِّها. ففي الوقت الَّذي كانت دراسة العلوم الكونية والطبيعية، في نظر بعض الشرائع السماوية، أمراً محرَّماً في العصور الماضية، جاء الإسلام ليكون أجرأ مَنْ كشف الحجب عن العقل البشري، ذلك الكنز الهائل الَّذي يحمله الإنسان في رأسه، فأمره بالبحث والدراسة في البرِّ والبحر، والتفكر في النفس البشرية، لإدراك عظمة الكون الَّتي تنمُّ عن عظمة خالقه، وليستفيد من بديع صنع الله وينتفع به.
وإن القرآن الكريم ليتناول القضايا الكونية بطريقة مثيرة للاهتمام وآسرة للُّب، فهو يمسُّ موضوع المجهول منها مسّاً رقيقاً ولا يتوغَّل فيه، تاركاً لعقل الإنسان المجال واسعاً للبحث والدراسة والتمحيص، للوصول إلى قوانين الكون، والَّذي جعل الله تعالى له سنناً لا تتبدَّل، وأمر الإنسان أن يبحث عنها ويدركها، ويتعامل معها في حدود طاقته وحاجته. وفي هذا تشريف للإنسان، إذ أعطاه تعالى العينين والعقل وفيهما قُوَّتا الإبصار والبصيرة، ليشاهد ويفكر ويبحث ويتعمَّق متى شاء وأراد، والغاية الأهمُّ الَّتي ترجى من وراء ذلك هي الوصول إلى الحقيقة الَّتي توصله بدورها إلى الخالق العظيم. وهذا كلُّه من توابع الإيمان ونتائجه، إذ لا معنى لإيمان غير مقترن بعملٍ ومتابعة للجهود، من أجل اكتشاف ما غاب عن علمنا الحالي، بما يرضي الله عنَّا، لنكون رسل العلم والعقل والتفكير، والمحبَّة والسَّلام والإسعاد.
وتجدر الإشارة إلى أن القرآن الكريم ليس كتاب نظريَّات علمية، ولم يأت ليكون بنصِّه منهجاً للعلم التجريـبي، بل هو منهج للحياة كلِّها، وسبيل لتحريض العقل ليعمل وينطلق، وتقييم للمجتمع دون أن يدخل في جزئيات وتفاصيل علمية بحتة؛ فمعرفة هذه التفاصيل متروكة للعقل بعد تقييمه وإطلاق سراحه. إذ يكتفي بالإشارة إلى القضايا الكونية، لأن تعريف الناس بمباحث العلوم الكونية ليس من مقاصد الشريعة، بل إن غايتها أن تجعلهم يتوصَّلوا إلى هذه المعارف بعقولهم واجتهاداتهم، فإذا اهتدَوُا إليها وقد علموا أن القرآن سبقهم في الإشارة إليها، والحضِّ عليها، استدلُّوا على أن القرآن الكريم ليس من كلام البشر، وبذلك يفتح أمامهم باب الهداية والإيمان بالله تعالى وبهذا الدِّين الخالد.
|
 |