المبحث الرابع: عقيدة الإمام الشافعي رحمه الله
أ – قوله رحمه الله في التوحيد :
(1) أخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان قال : ( قال الشافعي : من حلف بالله أو باسم من أسمائه فحنث فعليه الكفارة , ومن حلف بشيء غير الله مثل أن يقول الرجل والكعبة وأبي وكذا وكذا ما كان , فحنث فلا كفارة عليه ويمين , ومثل ذلك قوله لعمري .. لا كفارة عليه ويمين بغير الله فهي مكروهة منهي عنها من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عز وجل نهاكم أن تحلفوا بآبائكم , فمـن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليسكت ) [121]. ... ) [122].
وعلل الشافعي ذلك بأن أسماء الله غير مخلوقة , فمن حلف باسم الله فحنث فعليه الكفارة ) [123].
(2) وأورد ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية عن الشافعي أنه قال : ( القول في السُّنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشادة أن لا إله إلا الله , وأن محمداً رسول الله وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يَقرُب من خلقه كيف شاء وأن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء ) [124].
(3) وأورد الذهبي عن المزني قال : ( قلت : إن كان أحد يخرج ما في ضميري وما تعلق به خاطري من أمر التوحيد فالشافعي , فصرت إليه وهو في مسجد مصر , فلما جثوتُ بين يديه قلت : هجس في ضميري مسألة في التوحيد فعلمت أن أحداً لا يعلم علمك فما الذي عندك ؟ فغضب ثم قال : أتدي أين أنت ؟ قلت نعم . قال : هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون , أَبَلغَك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالسؤال عن ذلك ؟ قلت : لا قال : هل تكلم فيه الصحابة ؟ قلت : لا , قال : ندري كم نجماً في السماء ؟ قلت : لا , قال : فكوكب منها تعرف جنسه , طلوعه , أفوله , ممَ خُلق ؟ قلت : لا , قال : فشيء تراه يعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقَه ؟ ثم سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها ففرعها على أربعة أوجه فلم أصب في شيء منه فقال : شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات تدع علمه وتتكلف علم الخالق إذ هجس في ضميرك ذلك فارجع إلى قول الله تعالى : ( وإلهُكُم إلهٌ واحدٌ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم . إنَّ في خلق السموات والأرض ) [125]. . فاستدل بالمخلوق على الخالق ولا تتكلف على ما لم يبلغه عقلك ) [126].
(4) وأخرج ابن عبدالبر عن يونس بن عبدالأعلى [127]. قال : ( سمعت الشافعي يقول : إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى أو الشيء غير الشيء فاشهــد عليـه بالزندقة ) [128].
(5) وقال الشافعي في كتابه الرسالة : ( والحمد لله .. الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به خلقه ) [129].
(6) وأورد الذهبي في السير عن الشافعي أن قال : ( نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن ووردت بها السُّنة وننفي التشبيه عنه كما نفى عن نفسه فقال : ( ليس كَمِثْلِه شيء ) [130]. .. ) [131].
(7) وأخرج ابن عبدالبر عن الربيع بن سليمان قال : ( سمعت الشافعي يقول في قول الله عز وجل : ( كلاّ إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجُوبون ) [132]. . أعلمنا بذلك أن ثم قوماً غير مجموبين ينظرون إليه لا يضامون في رؤيته ) [133].
(8) وأخرج اللالكائي عن الربيع بن سليمان قال : ( حضرت محمد بن إدريس الشافعي جاءته رقعة من الصعيد فيها : ما تقول في قوله تعال ( كلاّ إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجُوبون ) قال الشافعي : فلما حجبوا هؤلاء في السخط كان هذا دليلاً على أنه يرونه في الرضا . قال الربيع : قلت : يا أبا عبدالله وبه تقول ؟ قال : نعم به أدين الله ) [134].
(9) وأخرج ابن عبد البر عن الجارودي [135]. قال : ( ذكر عند الشافعي إبراهيم بن إسماعيل بن عليه [136]. فقال : أنا مخالف له في كل شيء وفي قول لا إله إلا الله لست أقول كما يقول أنا أقول : لا إله إلا الله الذي كلّم موسى عليه السلام تكليماً من وراء حجاب وذاك يقول لا إله إلا الله الذي خلق كلاماً اسمعه موسى من وراء حجاب ) [137].
(10) وأخرج اللالكائي عن الربيع بن سليمان , قال الشافعي : ( من قال القرآن مخلوق فهو كافر ) [138].
(11) وأخرج البيهقي عن أبي محمد الزبيري قال : ( قال رجل للشافعي أخبرني عن القرآن خالق هو ؟ قال الشافعي : اللهم لا . قال : فمخلوق ؟ قال الشافعي : اللهم لا . قال : فغير مخلوق ؟ قال الشافعي : اللهم نعم . قال : فما الدليل على انه غير مخلوق ؟ فرفع الشافعي رأسه وقال : تُقر بأن القرآن كلام الله , قال : نعم . قال الشافعي : سبقت في هذه الكلمة قال الله تعالى ذكره : ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) [139]. , : ( وكَلَّم الله موسى تكلما ) [140]. . قال الشافعي : فتقر الله بأن الله كان وكان وكلامه ؟ أو كان الله ولم يكن كلامه ؟ فقال الرجل : بل كان الله وكان كلامه . قال : فتبسّم الشافعي وقال : يا كوفيون إنكم لتأتوني بعظيم من القول إذا كنتم تقرون بأن الله كان قبل القبل وكان كلامه فمن أين لكم الكلام : إن الكلام الله , أو سوى الله , أو غير الله , أو دون الله ؟ قال : فسكت الرجل وخرج ) [141].
(12) وقد جزء الاعتقاد المنسوب للشافعي – من رواية أبي طالب العشاري [142]. ما نصّه قال : وقد سُئل عن صفات الله عز وجل وما ينبغي أن يؤمن به , فقال : ( لله تبارك وتعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم , أمته لا يسع [143]. أحداً من خلق الله عز وجل قامت لديه [144]. الحجة إن القرآن نزل به وصحيح عنده [145]. قول النبي صلى الله عليه وسلم , فيما روى عنده العدل خلافه [146]. فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر بالله [147]. عز وجل , فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالدراية [148]. والفكر ونحو ذلك أخبار الله عز وجل أنه سميع وأن له يدين بقوله عز وجل : ( بل يداه مبسوطتان ) [149]. وأن له يميناً بقوله عز وجل : ( والسموات مطويات بيمينه ) [150]. , وإن له وجهاً بقوله عز وجل : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) [151]. , وقوله : ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) [152]. وأن له قدماً بقوله صلى الله عليه وسلم : ( حتى يضع الرب عز وجل فيها قدمه ) [153]. يعني جهنم لقوله صلى الله عليه وسلم , للذي قتل في سبيل الله عز وجل أنه : ( لقي الله عز وجل وهو يضحك إليه ) [154]. وأنه يهبط كل ليلة إلى السماء الدنيا بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم , بذلك وأنه ليس بأعور لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذكر الدجال فقال : ( إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور ) [155]. وإن المؤمنين يرون ربهم عز وجل يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر وأنه له إصبعاً بقوله صلى الله عليه وسلم : ( ما من قلب إلا هو بين أصبعين من أصابع الرحمن عز وجل ) [156]. وإن [157]. هذه المعاني التي وصف الله عز وجل بها نفسه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم , لا يدرك [158]. حقه [159]. ذلك بالفكر والدراية [160]. ولا يكفر بجهلها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه وإن [161]. كان الوارد بذلك خبراً يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع : ( وجبت الدينونة ) [162]. على سامعه بحقيقته والشهادة عليه كما عاين وسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولكن نثبت [163]. هذه الصفات وننفي [164]. التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) [165]. .. ) [166].خر الاعتقاد .
ب- قوله رحمه الله في القدر :
(1) أخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان , قال : ( سُئل الشافعي عن القدر فقال :
ما شـئت كان وإن لم أشـأ وما شئت إن لم تشأ لم يكن
خلقت العباد على ما علـمت ففي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننـت وهذا خذلت وهذا أعـنت وذا لم تعـن
فمنهم شقـي ومنهم سعـيد ومنهم قبيح ومنهم حسن ) [167].
(2) أورد البيهقي في مناقب الشافعي أن الشافعي قال : ( إن مشيئة العباد هي إلى الله تعالى ولا يشاءون إلا أن يشاء الله ربُّ العالمين , فإن الناس لم يخلقوا أعمالهم وهي خلق من خلق الله تعالى أفعال العباد وإن القدر خيره وشره من الله عز وجل , وإن عذاب القبر حق , ومساءلة القبور حق , والبعث حق , والحساب حق , والجنة والنار حق , وغير ذلك مما جاءت به السُّنن ) [168].
(3) واخرج اللالكائي عن المزني قال : ( قال الشافعي : تدري ما القدري ؟ الذي يقول إن الله لم يخلق الشيء حتى عمل به ) [169].
(4) وأورد البيهقي عن الشافعي حيث قال : ( القدرية الذين قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : ( هم مجوس هذه الأمة ) [170]. الذين يقولون إن الله لا يعلم المعاصي حتى تكون ) [171].
(4) وأخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان عن الشافعي أنه كان يكره الصلاة خلف القدري [172].
ج – قوله رحمه الله في الإيمان :
(1) أخرج ابن عبدالبر عن الربيع قال : ( سمعت الشافعي يقول : الإيمان قول وعمل واعتقاد بالقلب , ألا ترى قول الله عز وجل : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) [173]. , يعني صلاتكم إلى بيت المقـدس فسمى الصـلاة إيماناً وهي قول وعمـل وعقد ) [174].
(2) وأخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان قال : ( سمعت الشافعي يقول : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) [175].
(3) وأخرج البيهقي عن أبي محمد الزبيري قال : ( قال رجل للشافعي أي الأعمال عند الله أفضل ؟ قال الشافعي : ما لا يقبل عملاً إلا به , قال : وما ذاك ؟ قال الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو , أعلى الأعمال درجة , وأشرفها منزلة , وأسناها حظاً . قال الرجل ألا تخبرني عن الإيمان : قول وعمل , أو قول بلا عمل ؟ قال الشافعي : الإيمان عمل لله والقول بعض ذلك العمل , قال الرجل : صف لي ذلك حتى أفهمه و قال الشافعي : إن للإيمان حالات ودرجات وطبقات فمنها التام المنتهي تمامه , والناقص البينِّ نقصانه , والراجح الزائد رجحانه , قال الرجل : وإن الإيمان لا يتم وينقص ويزيد ؟ قال الشافعي : نعم , قال : وما الدليل على ذلك ؟ قال الشافعي : إن الله جلّ ذكره فرض الإيمان على جوارح بني آدم , فقسّمه فيها, وفرّقه عليها . فليس من جوارحه جارحة إلا وقد ولكت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها بفرض من الله تعالى : فمنها : قلبه الذي يعقل به , ويفقه ويفهم وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره .
ومنها : عيناه اللتان ينظر بهما , وأُذناه اللتان يسمع بهما , ويداه اللتان يبطش بهما , ورجلاه اللتان يمشي بهما , وفرجه الذي الباهُ من قبله ولسانه الذي ينطق به , ورأسه الذي فيه وجهه .
فرض على القلب غير ما فرض على اللسان , وفرض على السمع غير ما فرض على العينين , وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين , وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه .
فأما فرض الله على القلب من الإيمان : فالإقرار والمعرفة والعقد والرضا والتسليم بأن الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له , لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً , وأن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله , والإقرار بما جاء من عند الله من نبي أو كتاب فذلك ما فرض الله جل ثناؤه على القلب وهو عمله : ( إلا من أُكره وقلبُه مطمئن بالإيمان ولكن مَن شرح بالكُفر صدراً ) [176]. وقال : ( ألا بذكر الله تطمئن القُلوب ) [177]. وقال : ( مِنَ الذي آمنوا بأفواههم ولم تُؤمن قُلُوُبُهُم ) [178]. , وقـال : ( وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تُخفوه يُحاسبكم به الله ) [179]. , فذلك ما فرض الله على القلب من الإيمان , وهو عمله , وهو رأس الإيمان .
وفرض : ( الله ) على اللسان : القول والتعبير عن القلب بما عقد وأقرّ به , فقال في ذلك : ( قُولُوا آمنا بالله ) [180]. . وقال : ( وقُولوا للناس حُسنا ) [181]. فذلك ما فرض الله على اللسان من القول , والتعبير عن القلب , وهو عمله , والفرض عليه من الإيمان .
وفرض الله على : ( السمع ) : أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرّم الله , وأن يُبغض عما نهى الله عنه , فقال في ذلك : ( وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم ) [182]. ثم استثنى موضع النسيان , فقال جلّ وعزّ : ( وإما يُنسينّك الشيطان ) أي : فقعدت معهم : ( فلا تقعد بعد الذكرى مع القـوم الظالمين ) [183]. , وقـال : ( فبشر عبد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هو أولوا الألباب ) [184]. , وقال : ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ) إلى قوله : ( للزكاة فاعلون ) [185]. , وقال : ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ) [186]. , وقال : ( وإذا مروا باللغو مروا كراماً ) [187]. فذلك ما فرض الله , جلّ ذكره , على السمع من التنزيه عمّا لا يحل له , وهو عمله وهو من الإيمان .
( وفرض على العينين ) ألا ينظر بهما إلى ما حرّم الله , وأن يغضهما عمّا نهاه عنه , فقال تبارك وتعالى , في ذلك : ( قُل للمؤمنين يَغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ) [188]. الآيتين : أن ينظر أحدهم إلى فرج أخيه و ويحفظ فرجه من أن يُنظر إليه .
وقال : كل شيء من حفظ الفرج , في كتاب الله , فهو من الزنا إلا هذه الآية فإنها في النظر .
فذلك ما فرض الله على العينين من غضّ البصر , وهو عملهما وهو من الإيمان .
ثم أخبرنا عمّا على القلب والسمع والبصر , في آية واحدة , فقال و سبحانه وتعالى في ذلك : ( ولا تقف ما ليس له به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً ) [189]. قال : يعني وفرض على الفرج : أن لا يهتكه بما حّرم الله عليه : ( والذين هُم لفروجهم حافظون ) [190]. , وقال : ( وما كنت تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ) [191]. الآية يعني بالجلود : الفروج والأفخاذ فذلك ما فرض الله على الفروج من حفظهما عمّا لا يحل له , وهو عملهما .
( وفرض على اليدين ) ألا يبطش بهما إلى ما حرّم الله تعالى , وأن يبطش بهما , إلى ما أمر الله من الصدقة وصلة الرحم , والجهاد في سبيل الله , والطهور للصلوات , فقال في ذلك : ( يا أيها الذين آمنوا إذا قُمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم إلى المرافق ) [192]. إلى آخر الآية , وقال : ( فإذا لقيتم الذي كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منّا بعد وإما فداء ) [193]. لأن الضرب , والحرب , وصلة الرحم , والصدقة من علاجها .
( وفرض على الرجلين ) ألا يمشي بهما إلى ما حرّم الله , جلّ ذكره , فقال في ذلك : ( ولا تـمش في الأرض مرحاً إنّك لن تخـرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً ) [194].
( وفرض على الوجه ) السجود لله بالليل والنهار , ومواقيت الصلاة , فقال في ذلك : ( يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تُفلحون ) [195]. , وقال : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا من الله أحداً ) [196]. يعني المساجد : ما يسجد عليه ابن آدم في صلاته , من الجبهة وغيرها .
قال : فذلك ما فرض الله على هذه الجوارح .
وسمىّ الطهور والصلوات إيماناً في كتابه , وذلك حين صرف الله تعالى , وجه نبيه صلى الله عليه وسلم من الصلاة إلى بيت المقدس , وأمره بالصلاة إلى الكعبة . وكان المسلمون قد صلّوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً , فقالوا : يا رسول الله , أرأيت صلاتنا التي كنا نصليها إلى بيت المقدس , ما حالها وحالنا ؟
فأنزل الله تعالى : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس برءوف رحيم ) [197]. فسمّى الصلاة إيماناً , فمن لقي الله حافظاً لصلواته , حافظاً لجوارحه , مؤدياً بكل جارحة من جوارحه ما أمر الله به وفرض عليها – لقي الله مستكمل الإيمان من أهل الجنة , ومن كان لشيء منها تاركاً متعمداً مما أمر الله به – لقي الله ناقص الإيمان . قال : وقد عرفت نقصانه وإتمامه , فمن أين جاءت زيادته ؟
قال الشافعي : قال الله جلّ ذكره : ( وَإذا ما أنْزلت سُورةٌ فَمِنْهُم مَنْ يقولُ أيُّكُم زَادَتْهُ هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتْهُم إيماناً وهُم يَستَبشرون . وأمَّا الذين في قُلوبهم مَرَضٌ فزادتْهُم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهُم كافرون ) [198]. وقال : ( إنَّهم فتيةٌ آمنوا بِربِّهم وزدناهم هُدى ) [199].
قال الشافعي : ولو كان هذا الإيمان كله واحداً لا نقصان فيه ولا زيادة – لم يكن لأحد فيه فضل , واستوى الناس , وبطل التفضيل . ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة , وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجـات عند الله : ( في الجنة ) وبالنقصان من الإيمان دخل المُفرِّطون النار .
قال الشافعي : إن الله جل وعز , سابق بين عباده كما سُوبق بين الخيل يوم الرهان . ثم إنهم على درجاتهم من سبق عليه , فجعل كل امـرىء على درجة سبقه , لا ينقصه فيها حقه , ولا يُقدّم مسبوق على سابق , ولا مفضول على فاضل . وبذلك فضل أول هذه الأمة على آخرها . ولو لم يكن لما سبق إلى الإيمان فضل على من أبطأ عنه – للحق آخر هذه الأمة بأولها ) [200].
د – قوله رحمه الله في الصحابة :
(1) أورد البيهقي عن الشافعي أنه قال : ( أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن والتوراة والإنجيل وسبق لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم , فرحهم الله , وهنأهم بما أتاهم في ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين , فهم أدوا إلينا سُنن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وشاهدوه والوحي ينزل عليه , فعلموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم عاماً وخاصاً وعزماً وإرشاداً , وعرفوا من سُنّته ما عرفنا وجهلنا , وهو فوقنا في كل علم واجتهاد , وورع وعقل , وأمر استدرك به علم واستنبط به وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا منت آرائنا عندنا لأنفسنا والله أعلم ) [201].
(2) وأخرج البيهقي عن ربيع بن سليمان قال : ( سمعت الشافعي يقول في التفضيل : أبوبكر وعمر وعثمان وعلي ) [202].
(3) وأخرج البيهقي عن محمد بن عبدالله بن عبدالحكم [203]. قال : ( سمعت الشافعي يقول : أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم , أبوبكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي – رضي الله عنهم - ) [204].
(4) وأخرج الهروي عن يوسف بن يحيي البويطي قال : ( سألت الشافعي أأصلي خلف الرافضي ؟ قال : لا تصل خلف الرافضي ولا القدري ولا المرجئ . قلت : صفهم لنا , قال : من قال : الإيمان قول فهو مرجئ , ومن قال : إن أبابكر وعمر ليسا بإمامين فهو رافضي , ومن جعل المشيئة إلى نفسه فهو قدري ) [205].
هـ - نهيه رحمه الله عن الكلام والخصومات في الدين :
(1) أخرج الهروي عن الربيع بن سليمان قال : ( سمعت الشافعي يقول : ... لو أن رجلاً أوصى بكتبه من العلم لآخر , وكان فيها كتب الكلام , لم تدخل في الوصية لأنه ليس من العِلْم ) [206].
(2) وأخرج الهروي عن الحسن الزعفراني قال : ( سمعت الشافعي يقول : ما ناظرت أحداً في الكلام إلا مرة وأنا أستغفر الله من ذلك ) [207].
(3) وأخرج الهروي عن الربيع بن سليمان قال : ( قال الشافعي : لو أردت أن أضع على كل مخالف كتاباً كبيراً لفعلت , ولكن ليس الكلام من شأني , ولا أحب أن ينسب إليّ منه شيء ) [208].
(4) وأخرج ابن بطة عن أبي ثور قال : ( قال لي الشافعي : ما رأيت أحداً ارتدى شيئاً من الكلام فأفلح ) [209].
(5) وأخرج الهروي عن يونس المصري قال : ( قال الشافعي : لأن يبتلي الله المرء بما نهى الله عنه خلا الشرك بالله خير من أن يبتليه بالكلام ) [210].
فهذه أقوال الإمام الشافعي رحمه الله في مسائل أصول الدين , وهذا موقفه من عِلْم الكلام.
--------------------------------------------------------------------------------
[121] أخرجه البخاري – كتاب الإيمان والنذور , باب لا تحلفوا بآبائكم 11/530 , ومسلم كتاب الإيمان باب النهي عن الحلف بغير الله 3/1266 , ح1646
[122] مناقب الشافعي 1/405
[123] رواه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ص193 , وأيونعيم في الحلية 9/112-113 , والبيهقي في السنن الكبرى 10/28 , وفي الأسماء والصفات ص255-256 , وذكره البغوي في شرح السنة 1/188 , وانظر العلو ص121 , ومختصره ص77
[124] اجتماع الجيوش الإسلامية ص165 , إثبات العلو ص124 , وانظر مجموع الفتاوى 4/181-183 , والعلو للذهبي ص120 , ومختصره للألباني ص176
[125] سورة البقرة 163-164
[126] سير أعلام النبلاء 10/31
[127] هو ينس بن ميسرة الصدفي قال عنه ابن حجر ( ثقة من صغار العاشرة مات سنة 264هـ ) تقريب التهذيب 2/385 , وانظر ترجمته في ذرات الذهب 2/149 , وطبقات الشافعية لابن هداية الله ص28
[128] الانتقاء ص79 , ومجموع الفتاوى 6/178
[129] الرسالة ص7 - 8
[130] سورة الشورى 11
[131] السير 20/341
[132] سورة المطففين 15
[133] الانتقاء ص79
[134] شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/506
[135] لعله موسى بن أبي الجارود قال عنه النووي ( أحد أصحاب الشافعي والآخذين عنه الرواة عنه ) , وقال ابن وهبة الله ( كان يفتي بمكة على مذهب الشافعي ولا يعلم تاريخ وفاته ) , تهذيب الأسماء واللغات 2/120 , وطبقات الشافعة لابن هداية الله ص29
[136] هو إبراهيم بن إسماعيل بن علية قال عنه الذهبي ( جهمي هالك كان يناظر ويقول بخلق القرآن مات سنة 218هـ ) ميزان الاعتدال 1/20 , وانظر ترجمته في لسان الميزان 1/34-35
[137] الانتقاء ص79 , والقصة ذكرها الحافظ في مناقب الشافعي للبيهقي , اللسان 1/35
[138] شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/252
[139] سورة التوبة 6
[140] سورة النساء 164
[141] مناقب الشافعي 1/407-408
[142] هو محمد بن علي العشاري شيخ صدوق معروف وقد تفرد برواية هذا الجزء وهو مما أدخل عليه فحدّث به بسلامة باطن قاله الذهبي في الميزان 3/656 , لكن اعتمد فير واحد من السلف ما هو مثبت في هذه العقيدة كالموفق ابن قدامة في كتاب صفة العلو ص124 , وابن أبي يعلى في الطبقات 1/283 , وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص165 , والذهبي نفسه في السير 10/79 , ثم إن هذه الرسالة التي سأنقلها بنصها قد قرئت على الإمام الحافظ ابن نصر الدمشقي ونقلها جميعها ابن أبي يعلى في الطبقات وسأثبت الفروق بينهما .
[143] في الطبقات ( لا يسمع )
[144] في الطبقات ( عليه )
[145] في الطبقات ( عنه بقوله )
[146] في الطبقات ( سقطت كلمة خلافة )
[147] في الطبقات ( فهو بالله كافر )
[148] في الطبقات ( ولا بالرواية )
[149] سورة المائدة 64
[150] سورة الزمر 67
[151] سورة القصص 88
[152] سورة الرحمن 27
[153] أخرجه البخاري كتاب التفسير باب ( وتقول هل من مزيد ) 8/564 , ح4848 – ومسلم كتاب الوصية وصفة نعيمها وأهلها باب النار يدخلوها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء 4/2187 , ح 2848 - كلاهما من طريق قتادة عن أنس بن مالك
[154] أخرجه البخاري كتاب الجهاد باب الكفار يقتل المسلم 6/39 , ح2826 – ومسلم كتاب الإمارة باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة 3/1504 , ح1890 – كلاهما من طريق الأعرج عن أبي هريرة .
[155] أخرجه البخاري كتاب الفتن باب ذكر الدجال 13/91 – ح7131 – ومسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة باب ذكر الدجال وصفته 4/2248 , ح2933 – كلاهما من طريق قتادة عن أنس بن مالك .
[156] أخرجه بنحو هذا اللفظ أحمد في المسند 4/182 , وابن ماجه في المقدمة باب : فيما أنكرت الجهمية 1/72 , ح 199 والحاكم في المستدرك 1/525 , والآجري في الشريعة ص317 , وابن منده في الرد على الجهمية ص87 , جميعهم من حديث النواس بن سمعان قال الحاكم ( صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ) وأقره الذهبي في التلخيص , وقال ابن منده ( حديث النواس بن سمعان حديث النواس بن سمعان حديث ثابت رواه الأئمة المشاهير ممن لا يمكن الطعن على واحد منهم )
[157] في الطبقات ( فإن )
[158] في الطبقات ( مما لا يدرك )
[159] في الطبقات ( حقيقته )
[160] في الطبقات ( والروية )
[161] في الطبقات ( فإن كان )
[162] ما بين القوسين مثبت من الطبقات
[163] في الطبقات ( يثبت )
[164] في الطبقات ( وينفي )
[165] سورة الشورى 11
[166] نقلت هذا الاعتقاد من نسخة مصورة من أصل خطي محفوظ في المكتبة المركزية بجامعة ليدن بهولندا
[167] مناقب الشافعي 1/412-413 , شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/702
[168] مناقب الشافعي 1/415
[169] شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/701
[170] أخرجه أبوداوود كتاب السنة باب في القدر 5/66 - ح4691 , والحاكم في المستدرك 1/85 , كلاهما من طريق أبي حازم عن ابن عمر , قال الحاكم ( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر ولم يخرجاه ) وأقره الذهبي .
[171] مناقب الشافعي 1/413
[172] مناقب الشافعي 1/413
[173] سورة البقرة
[174] الانتقاء ص81
[175] مناقب الشافعي 1/387
[176] سورة النحل 106
[177] سورة الرعد 28
[178] سور المائدة 41
[179] سور البقرة 284
[180] سورة البقرة 136
[181] سورة البقرة 83
[182] سورة النساء 140
[183] سورة الأنعام 68
[184] سورة الزمر 17-18
[185] سورة المؤمنون 1-4
[186] سورة القصص 55
[187] سورة الفرقان 72
[188] سورة النور 30-31
[189] سورة الإسراء 36
[190] سورة المؤمنين
[191] سورة فصلت 22
[192] سورة المائدة 6
[193] سورة محمد 4
[194] سورة الإسراء 37
[195] سورة الحج 77
[196] سورة الحج 18
[197] سورة البقرة 143
[198] سورة التوبة 124-125
[199] سورة الكهف 13
[200] مناقب الشافعي 1/387-393
[201] مناقب الشافعي 1/442
[202] مناقب الشافعي 1/432
[203] هو محمد بن عبدالله بن عبدالحكم المصري أبو عبدالله , قال عنه الشيرازي ( صحب الشافعي وتفقه به وحمل في المحنة إلى بغداد إلى ابن أبي داؤد ولم يجب إلى ما طلب منه ورد إلى مصر .. مات سنة اثنتين وستين ومائتين ) طبقات الفقهاء ص99 وانظر ترجمته في طبقات الشافعية لابن هداية الله ص30 وشذرات الذهب 2/154
[204] مناقب الشافعي 1/433
[205] ذك الكلام ( ق-215 ) وأورده الذهبي في السير 10/31
[206] ذم الكلام ( ق –213 ) وأورده الذهبي في السير 10/30
[207] ذم الكلام ( ق-213 ) وأورده الذهبي في السير 10/30
[208] ذم الكلام ( ق-215 )
[209] الإبانة الكبرى ص535-536
[210] مناقب الشافعي لابن أبي حاتم ص182
|
 |