فصل ؛ في قول أهل الزيغ والبدع
أما بعد:
فإن كثيرا من الزائغين عن الحق من المعتزلة وأهل القدر مالت بـهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلا لم ينزل بـه الله سلطانا، ولا أوضح بـه برهانا، ولا نقلوه عن رسول رب العالمين، ولا عن السلف المتقدمين.
وخالفوا روايات الصحابة رضي الله عنهم عن نبي الله صلى الله عليه وسلم في رؤية الله عز وجل بالأبصار، وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفات، وتواترت بـها الآثار وتتابعت بـها الأخبار.
وأنكروا شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمذنبين، ودفعوا الروايات في ذلك عن السلف المتقدمين.
وجحدوا عذاب القبر، وأن الكفار في قبورهم يعذبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون رضي الله عنهم أجمعين.
ودانوا بخلق القرآن نظيرا لقول إخوانهم من المشركين؛ الذين قالوا: {إن هذا إلا قول البشر}.
وأثبتوا أن العباد يخلقون الشر، نظيرا لقول المجوس الذين أثبتوا خالقين، أحدهما الخير والآخر يخلق الشر، وزعمت القدرية أن الله تعالى يخلق الخير، والشيطان يخلق الشر.
وزعموا أن الله تعالى يشاء ما لا يكون، ويكون مالا يشاء، خلافا لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وردا لقول الله تعالى: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله}، فأخبر تعالى أنا لا نشاء شيئا إلا وقد شاء الله أن نشاءه، ولقوله: {ولو شاء الله ما اقتتلوا}، ولقوله تعالى {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها}، ولقوله تعالى {فعال لما يريد}، ولقوله تعالى مخبرا عن نبيه شعيب صلى الله عليه وسلم أنه قال: {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علما}، ولهذا سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة؛ لأنهم دانوا بديانة المجوس، وضاهوا أقاويلهم.
وزعموا أن للخير والشر خالقين، كما زعمت المجوس ذلك، وأنه يكون من الشرور ما لا يشاء الله كما قالت المجوس، وأنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم من دون الله عز وجل، ردا لقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله}، وإعراضا عن القرآن، وعما أجمع عليه أهل الإسلام.
وزعموا أنهم منفردون بالقدرة على أعمالهم دون ربـهم، فأثبتوا لأنفسهم الغنى عن الله عز وجل، ووصفوا أنفسهم بالقدرة على ما لم يصفوا الله عز وجل بالقدرة عليه، كما أثبت المجوس لعنهم الله للشيطان من القدرة على الشر ما لم يثبتوا لله عز وجل، فكانوا مجوس هذه الأمة؛ إذ دانوا بديانة المجوس، وتمسكوا بأقاويلهم ومالوا إلى أضاليلهم.
وقنطوا الناس من رحمة الله، وآيسوهم من روحه، وحكموا على العصاة بالنار والخلود فيها، خلافا لقول الله تعالى {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}.
وزعموا أن من دخل النار لا يخرج منها، خلافا لما جاءت بـه الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إن الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن امْتَحَشُوا فيها وصاروا حمما)).
ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله عز وجل: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}.
وأنكروا أن له يدان مع قوله سبحانه: {لما خلقت بيدي}، وأنكروا أن يكون له عينان مع قوله سبحانه: {تجري بأعيننا}، وقوله: {ولتصنع على عيني}، وأنكروا أن يكون له سبحانه علم مع قوله: {أنزله بعلمه}، وأنكروا أن يكون له قوة مع قوله سبحانه: {ذو القوة المتين}.
ونفوا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا))، وغير ذلك مما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكذلك جميع أهل البدع من الجهمية والمرجئة والحرورية، أهل الزيغ فيما ابتدعوا وخالفوا الكتاب والسنة، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابـه رضى الله عنهم أجمعين، وأجمعت عليه الأمة كفعل المعتزلة والقدرية وأنا ذاكر ذلك بابا بابا، وشيئا شيئا إن شاء الله تعالى وبه المعونة.
|
 |