النعمة والإنسان
يجب أن يعلم الإنسان لمن هذا الوجود نفعا حتى يعرف نفسه لمن ذلك الموجود إنسانا ، فالإنسان لا شك حين يستقرئ الكون كله ، ما يحيط به حسه وما يستنبطه من وراء ذلك عقله ، يجد نفسه سيد هذه الأجناس كلها ، وإذا كانت السيادة في الكون تعنى الخادميه والمخدوميه فالإنسان بما يرى من ملكوت الله مخدوم كل ذلك الكون ، فكل الأجناس كما قلنا تصب في خدمته : من تحته مباشرة وهو الحيوان ، ومن تحت الحيوان مباشرة النبات ، ومن تحت النبات مباشرة وهو الجماد ، والأجناس هذه مرتبه ترتيب حكمة بحيث يخدم الأدنى فيها كل الأصناف الأعلى منه ، فالجماد الذي نراه ممثلا في الشمس والقمر والجبال وعناصر الأرض والماء ، كل ذلك يخدم الأجناس التي تعلوه ، فهو في خدمة النبات يمده بكل عناصر الغذاء والنمو ، وهو أيضا في خدمة الحيوان يمده بكل عناصر البقاء والإستبقاء ، وهو أيضا في خدمة الإنسان يمده بكل ذلك ، فإذا ارتقينا إلى النبات وجدناه لا يخدم من دونه وهو الجماد وإنما يخدم من هو أعلى منه وهو الحيوان والإنسان ، فإذا ارتقينا إلى الجنس الثالث وهو الحيوان وجدناه لا يخدم من دونه وإنما يخدم من هو أعلى منه وهو الإنسان ، ثم تقف حلقات الخدمة فلا نجد للإنسان ارتباطا بغيره من الأجناس يكون هو في خدمته ، إذًا فقد انتهت خدمة الكون كله عند الإنسان ، وبقي على الإنسان أن يبحث عن مهمة نفسه في هذا الوجود ، فقد عرفنا أن الجماد له مهمة يؤديها مع الحيوان ومع الإنسان ، والحيوان له مهمة يؤديها مع الإنسان ثم تنتهي دورة الخدمة ، فأين هي مهمة الإنسان ؟
كان ينبغي عليك أيها العاقل المفكر الذي غرك أنك تبتكر كثيرا من أسرار الكون ، كان ينبغي عليك أن تفهم مهمتك أولا قبل أن تستنبط من غيرك مهمة يؤديها لك ، تلك هي مهمة العقل الأولى ، يجب أ، يبحث الإنسان عن مهمته ، فإن لم يبحث عن مهمته ليجدها فليعتبر نفسه أدنى من الجماد وأتفه من النبات وأقل شأنا من الحيوان ، وكيف يكون السيد المخدوم أقل شأنا من الخادم ؟ أي أنه لابد أن يكون للإنسان المخدوم مهمة تناسب سيادته على بقية الأكوان ، فتلك وقفه عقليه يجب أن يقفها الإنسان الآن , ثم عليه أن يقف وقفه أخرى : أيها الإنسان ، متى خدمتك هذه الأجناس التي هي في خدمتك ؟ أخدمتك بعد أن وجد لك عقل تفكر به لتخدمك أو وجدت لك قدره عليها ؟ أم خدمتك هذه الأجناس قبل أن يوجد لك عقل وقبل أن يوجد لك فكر ؟ أخدمتك وهي في متناولك بحيث تأتمر بأمرك أن اطلعي أيتها الشمس وأبزغ أيها القمر وتحرك أيها الهواء وأمطري أيتها السماء ، إنه لم تكن لك قدرة على شئ من ذلك ، فكان من الواجب عليك أن لا تستقبل وجودك بتلك البلادة التي تقف فيها عند أن تنتفع بالأشياء دون أن تبحث لنفسك عن مهمة تحاول أن تجدها لنفسك ، حتى لا تكون أتفه ممن دونك ، كل شئ في الوجود يعطيك وأنت تعطي من ؟ كان يجب عليك أن تبحث هذا البحث ، وكان يجب أن تفكر هذا الفكر ، فهب أنك كنت في بيت وحدك ولا أحد في البيت ثم استيقظت فوجدت مائدة عليها أصناف الطعام لفطورك دون أن تعلم أن في البيت أحدا يهتم بك ، أما كان الأجدر بعقلك وفكرك أن تبحث عمن جاء بتلك المائدة ؟ وألا تتناول المائدة تناول الغافل ولا تبحث عمن أتى لك بها ؟ فكذلك الإنسان الذي وجد أشياء في خدمته بدون قدرة له عليها وبدون دراية له بها ، فكان من الواجب على الإنسان أن يبحث عمن أوجد له هذه الأشياء وعمن سخرها لخدمته دون قدرة له عليها ، وقبل أن توجد له قدرة وقبل أن يوجد له فكر .
|
 |