ريحانة رسول الله ماذا تعرفون عنها؟
فاطمة بنت النبي الأعظم - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنها
المرأة كما أرادها الله تعالى مصدرًا للسكينة وراعية للبيت الذي هو مركز السكينة ومقر المؤسسة الأولى في مجتمع الإسلام مؤسسة الأسرة، إن واجب الرجل والمرأة على السواء هو تحقيق العبودية لله تعالى وإخلاص العبادة له، والله تعالى هو الذي حدد مكان كل منهما وميدانه فكل منهما يؤدي رسالته من المكان الذي حدده الله، مكان المرأة وميدانها البيت، وميدان الرجل خارج البيت، هكذا قُسمت الوظائف بينهما كما أراد الله تعالى.
أما ما يريده القردة والخنازير وأذنابهم من المتفرجنين فأمر غير ذلك إنهم يريدون اتباع الشهوات وأن تميلوا ميلاً عظيمًا حتى يعم الخراب ويظهر الفساد.
والنماذج الراقية للمرأة كما أرادها الله تعالى كثيرة زاخرة في تاريخ المسلمين، روى أبو هريرة رضي الله عنه وغيره من الصحابة أن رسول الله قال: ((خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة)) [1].
في رواية [2]: ((خير نساء أهل الجنة أربع خديجة وفاطمة ومريم وآسيا))، وفي صحيح [3] مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله أخبر فاطمة أنها سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة وذلك في حديث طويل أصله في صحيح البخاري [4] إلا في هذه العبارة.
هذه المرأة الكريمة العظيمة سيدة نساء هذه الأمة وريحانة رسول الله إنها ابنة أكرم الخلق وسيد ولد آدم رسول الله وأحب بناته وأهله إليه، كان إذا رجع من سفر أو غزا بدأ بالمسجد [5] ثم صلى فيه ثم أتى ببيت فاطمة فسلّم عليها ثم يأتي أزواجه .
روى الطبراني [6] بسند صحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ((ما رأيت أحدًا قط أفضل من فاطمة غير أبيها)) . هذا كلام أم المؤمنين عائشة.
وفي صحيح مسلم [7] أن النبي قال: ((إنما فاطمة بضعةٌ مني)). فهذه الابنة الكريمة ابنة أكرم الخلق الذي أخبر الصادق الأمين أنها سيدة نساء هذه الأمة كيف عاشت حياتها؟
أعاشت حياتها مثل حياة بنات الجبابرة والقياصرة؟ أم عاشت حياتها مثل بنات المترفين ترفل في حلل النعيم بالترف؟
كلا والله فإنها بنت نبي، لقد عاشت سيدة نساء هذه الأمة، عاشت في حياة التقشف وزهدت في بهارج الدنيا، إنها بنت بني من ربّى أمته على تحقيق العبودية لله تعالى وإخلاص العبادة له سبحانه، أفينسى ريحانته ؟ كلاّ فقد رباها على هذا المبدأ قبل غيرها، رباها على إخلاص العبودية لله والاشتغال بعبادة الله عن بهارج الدنيا. أتدرون كيف زوج سيد ولد آدم سيدة نساء هذه الأمة؟
يا نساء هذه الأمة اسمعن كيف زُوجت سيدتكن وانقشن قصتها في قلوبكن لعلكم جميعًا تذكرونها كلما نفخ الشيطان في ثيابكم بأوهام الخيلاء الكاذبة والفخر الزائف، حتى جعلتم بخيلائكم وفخركم جعلتم الحلال عسيرًا بينما شياطين الإنس والجن قد جعلوا الحرام مبذولاً يسيرًا في زمان الفتنة هذا وفساد الزمن.
روى الإمام أحمد في مسنده [8] أن عليًا رضي الله عنه لما خطب فاطمة من رسول الله قال له رسول الله : ((وهل عندك من شيء؟)).
قال: لا يا رسول الله، قال: ((وما فعلت درعك الحطمية التي أعطيتك يوم كذا وكذا؟)).
فقال علي: هي عندي.
فقال: ((فأعطها إياها)).
لقد نسي علىّ تلك الدرع فلم يعبأ بها عندما سأله رسول الله هل عنده من شيء؟ لأن تلك الدرع لم تكن تساوي شيئًا يُذكر، كانت درعا صغيرة من شر الدروع فلم يتذكرها علىّ رضي الله عنه ومع ذلك كانت كافية لتكون مهرًا لسيدة نساء هذه الأمة. وكان علىّ فقيرًا معدمًا، ابن عم رسول الله، لم يكن يملك من زينة هذه الدنيا وبهارجها شيئًا فأولم أتدرون ما كانت وليمته؟
آصع من شعير وتمر وحيس فلما رأى ذلك حمزة سيد الشهداء في رواية من الروايات [9] نحر ناقتين في وليمة علىّ رضي الله عنه. ثم جُهزت سيدة نساء العالمين، جهزها سيد ولد آدم الذي كانت الدنيا كلها بين يديه لو أشار إليها ببنانه لساقها إليه رب العزة والجلال، ومع ذلك أعرض عنها هو وأهل بيته، أتدرون ما جهز سيد الخلق ابنته سيدة نساء هذه الأمة؟ جهزها بخميلة أي ثوب واحد من قطيفة وقربة ووسادة من أدم - من جلد - حشوها ليف وفي رواية أنه زاد على ذلك رحى.
هذا هو جهاز سيدة نساء هذه الأمة +، ثم زُفت فاطمة إلى علىّ رضي الله عنه ولم يكن يملك مسكنًا فصبرت حتى التمس مسكنًا أخلاه له أحد الصحابة الكرام حارثة بن النعمان رضي الله عنه أخلاه له وانتقل إلى بعض بيوته فسكنه علىّ بفاطمة، وقامت سيدة نساء هذه الأمة خير قيام، ورعت بيتها وزوجها أكرم رعاية.
كانت تكون في خدمة بيتها تطحن وتعجن وتخدم بيتها وزوجها، تطحن بالرحى حتى أثرت الرحى في يديها فخشنت وتجرحت يداها رضي الله عنها.
بنات الجبابرة في القصور يرفلن في حلل النعيم والترف لا يقنعهن القليل والكثير من الديباج والذهب والحرير وبنت سيد الخلق في بيت زوجها تطحن بالرحى حتى أثر الرحى بيديها.
روى البخاري [10] في صحيحه عن علىّ رضي الله عنه قال: شكت فاطمة ما تلقى من الرحى فجاء سبي إلى النبي أي من أسرى الجهاد - سبايا من النساء - فانطلقت إلى أبيها فلم تجده فوجدت أم المؤمنين عائشة فأخبرتها بما تلقى فلما جاء النبي أخبرته أم المؤمنين عائشة بمجيء فاطمة.
يقول علىّ: فجاء النبي إلينا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبت لأقوم فقال النبي على مكانكما فقعد بيننا - بين علىّ وزوجه فاطمة - قال علىّ حتى وجدت برد أنامله على صدري فقال ألا أعلمكما خيرًا مما سألتماني إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعًا وثلاثين وتسبحا ثلاثًا وثلاثين وتحمدا ثلاثًا وثلاثين هو خير لكما من خادم.
وفي رواية قال علىّ رضي الله عنه: ((فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن )).
الله أكبر هذه هي التربية الراقية في بيت النبوة، أليست المهمة الحقيقة للرجل والمرأة هي إخلاص العبودية لله تعالى فليشتغلا إذن بعبادة الله ينسيان الدنيا ببهارجها وتهون عليهما مصائبها، وعليهما أن يشتغلا بذكر الله تعالى لتطمئن قلوبهما، خادم لم يرض النبي أن يعطي ريحانة قلبه جارية تخدمها ولكنه اختار لها العزيمة والصبر وأمرها أن تستعين على شئون حياتها بذكر الله وعبادته.
أليست سيدة نساء الأمة فعليها أن يكون مثالاً يحتذى في الصبر والمصابرة وتحقيق العبودية للرب سبحانه وتعالى.
وما كان لرسول الله ليحابي أحدًا من المسلمين حتى لو كانت بضعة قلبه وريحانة فؤادي فاطمة رضي الله عنها، ففي رواية [11]أنه لما جاءت فاطمة وعلىّ يكلمانه في شأن الخادم قال: لا والله لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تتلوى بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم ولكني أبيع السبي فأنفق عليهم.
وأهل الصفة هم فقراء أهل المدينة في هذا العصر المبارك. كانوا يأوون إلى مؤخرة المسجد النبوي فعُرف ذلك المكان بالصفة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا [الأحزاب:33].
______________________
أخرجه ابن عبد البر في الاسيعاب (4/382) وغيره .
[2] أخرجه الطبراني في الكبير (22/402) وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (4/382).
[3] أخرجه مسلم في صحيحه (4/1904-1905) برقم 2450.
[4] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب المناقب (3/1326-1327) برقم 3624
[5] ذكره ابن عبدالبر في الاستيعاب (4/449) وسنده ضعيف.
[6] أخرجه الحاكم في مستدركه (3/175) برقم 4756.
[7] أخرجه البخاري في صحيحه (3/1374).
[8]أخرجه أحمد في مسند (1/80) وغيره وفيه رجل لم يسم.
[9] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الأشربة باب تحريم الخمر (3/1568) برقم 1979.
[10] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الخمس (3/1133) برقم 3705.
[11] أخرجه أحمد (1/79و84و106) والحميدي برقم (44) وابن ماجه برقم (4152).
تتمحور دعوة الرسل جميعا من لدن آدم عليه السلام إلى نبينا صلى الله عليه وسلم حول قضية واحدة هي عبادة الله وحده ، وترك عبادة من سواه ، وهذا الأمر يشكل لب دعوة الرسل ومجمع رسالتهم . ومن خلال استعراض القرآن لدعوة الرسل نجد أن هذه القضية واضحة جلية ، مدلل عليها بأدلة كثيرة ، منها أن الدين الذي دعا إليه الرسل جميعاً دين واحد وهو الإسلام بمعناه العام أي الاستسلام لله بالطاعة ، قال تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام } ( آل عمران/19) ، وقال تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } (آل عمران/85 ) والإسلام هو الدين الذي نادى به جميع الأنبياء ، فنوحٌ يقول لقومه : { وأمرت أن أكون من المسلمين } ( يونس/72) والإسلام هو الدين الذي أمر الله به أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام : { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } (البقرة/131) ، ويوصي كل من إبراهيم ويعقوب أبناءه قائلاً : { فلا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون } (البقرة/132) ، وأبناء يعقوب يجيبون أباهم بعد أن سألهم ما يعبدون من بعده ؟ : { نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون } (البقرة/133) ، وموسى ينادي قومه قائلاً : { يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين } (يونس/84) ، والحواريون يقرون لعيسى عليه السلام بقولهم : { آمنا وأشهد بأنا مسلمون } (آل عمران/52) ، وحين سمع فريق من أهل الكتاب كلام الله : { قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين } (القصص/53)
فالإسلام شعار عام دعا إليه الأنبياء وأتباعهم منذ فجر البشرية إلى عصر النبوة المحمدية ، والإسلام هو الطاعة والانقياد والاستسلام لله تعالى بفعل ما يأمر به وترك ما ينهى عنه ، ولذلك فإن الإسلام في عهد نوح كان باتباع ما جاء به نوح ، والإسلام في عهد موسى كان باتباع شريعة موسى ، والإسلام في عهد عيسى كان باتباع الإنجيل ، والإسلام في عهد محمد صلى الله عليه وسلم كان بالتزام ما جاء به الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وهكذا سيظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
ومن الأدلة على تمركز دعوة الرسل حول توحيد الله سبحانه ونفي عبادة من سواه ، ما صرح به سبحانه في قوله تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة رسول أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت }(النحل: 36) ومن ذلك قوله تعالى: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون }(الأنبياء/25) وقال صلى الله عليه وسلم: ( الأنبياء إخوة لعلات ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد ) أخرجه البخاريومسلم ، وأولاد العلات مَنْ لهم أب واحد وأمهات شتى ، فوحدة الأب إشارة إلى أن الدين واحد وهو التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له ، واختلاف الأمهات إشارة إلى الاختلاف في فروع الشريعة ، فشريعة عيسى تخالف شريعة موسى في بعض الأمور ، وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم تخالف شريعة موسى وعيسى في أمور ، قال تعالى : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً } (المائدة/48) .
هذه هي حقيقة الدين الواحد الذي دعت إليه الرسل ، وأُنزلت في سبيل تحقيقه الكتب ، دين يدعو إلى إفراد الله بالعبادة ، ونبذ الآلهة الباطلة التي اتخذها البشر من الحجارة والأشجار ، دين يحرر الإنسان من عبودية العباد ، ليرقى به في مراتب التوحيد التي تضفي على حياته سعادة وطمأنينة ، لعلمه بأنه يعبد الخالق الرازق الذي أخرجه من العدم إلى الوجود ، والذي أمده بالنعم ، وأطعمه من جوع وآمنه من خوف ، فعبادة الله سعادة ما بعدها سعادة ، وعبادة غيره شقاء ما بعده شقاء
|
 |