وصول أول دفعة من المهاجرين إلى الأردن وبناء قرية الزرقاء:
في نهاية شهر تموز أو بداية شهر آب 1902م تحركت المجموعة التي اختارت الأردن وهي مؤلفة من 120 عائلة من أصل أل 700 عائلة، ويتقدمهم المرشد الحاج عبد الله عادل إلى الأردن مستقلين العربات التي تجرها الخيول ، حيث تحركوا من قلعة حسن وقرية ألوار إلى مدينة أرض روم حيث وصلوها بشق الأنفس وبعد عناء بالغ ، وبعد أن استراحوا في أرض روم توجهوا إلى مدينة موشي، وما وصلوها إلا وهم فاقدين العشرات منهم من جراء الأمراض وسوء التغذية، وهكذا على طول الطريق من قلعة حسن إلى موشيهmapJordan_4.jpg وهم يدفنون موتاهم. ومن موشيه تحركوا متوجهين إلى بتليسي ومنها إلى ديار بكر ومنها إلى أورفه ثم قلعة بيرجيك حيث كان عدد الأسر قد قل إلى 85 أسرة من أصل 120. ثم توجهوا إلى حلب، وفي شمال مدينة حلب قاموا بوضع العربات على جانبي الطريق كمأوى للعائلات. في الساعات الأولى من وصولهم حلب جاء ضابط برتبة ملازم أول في الجيش العثماني واسمه حسن عبد القادر جاء لاستقبالهم ، وقد جاء من مقر عمله على دراجة عادية ( بسكليت )، وتعرف على المهاجرين ، وقام بدوره واتصل مع السلطات الحاكمة في حلب لمساعدة المهاجرين، وفعلاً تمكن من تزويد المهاجرين بالمؤونة والعلف للخيل. ثم غادروا حلب متجهين إلى حماة ثم حمص حيث وصلوها في شهر شعبان 1320 للهجرة وهذا يوافق شهر تشرين ثاني 1902 ميلادي.
بقي المهاجرون في حمص حتى انقضاء فصل الشتاء ثم تحركوا وعددهم 80 أسرة من مدينة حمص مستقلين القطار إلى الأردن ، ويصادف وصولهم إلى الزرقاء يوم 21 ذي الحجة 1320 للهجرة وهذا يوافق 20/3/1903 للميلاد ، حيث نزلوا أرض مخيم اللاجئين الحالي، وعلى مكان يقع غرب مخفر المخيم قاموا بنقل أمتعتهم من القاطرات على محاذاة منعطف طريق سكة الحديد والواقعة كما قلنا غربي مخفر المخيم.
فوجئت النساء والأطفال، فقد نزلوا من القطار على أرض سهلة، لا سكان فيها ولا زرع سوى وادي يقع جنوبهم فيه ماء وعلى طرفيه قليل من العشب، وصاروا يسألون بعضهم البعض، أهذا المكان هو جنة الزرقاء؟ وبدأت النساء والأطفال بالبكاء من شدة الصدمة، وجرت محاولات كثيرة من الرجال ذووا العائلات بتهدئة الحالة، حيث تمكنوا من تخفيف وطأة الصدمة عليهم، ولكن كان بالإمكان سماع أنين النساء اللواتي ينادين أمهاتهن وأباءهن وأخواتهن الذين بقوا في أرض الوطن.
كانت قضبان سكة الحديد واصلة فقط إلى حي جناعة، والعمل جار في شق العبارات وإنشاء الجسور ، وكانت شاحنات القطار تشاهد يومياً وهي تنقل اللوازم والفنيين والعمال إلى أماكن العمل.
ومنذ اليوم الأول من وصولهم قاموا بعمل أكشاك شبه أكواخ مي مكان نزولهم من القصب والدفلى والطين، وبعد أقل من شهر قاموا ببناء قرية الزرقاء واعتباراُ من 20/4/1903م وقبل نهاية سنة 1903م فرغوا نوعاً ما من إقامة وبناء قرية الزرقاء. وهكذا انتقل المهاجرون من الأكواخ الضيقة إلى مساكن جديدة بنيت من لبن الطين، ولكن الغرف والدور كان لها أسوار وأبواب وشبابيك يطمئن الساكن فيها. وفي شهر كانون الثاني 1903م بدأوا ببناء مسجد صغير ، وبالقرب منه بنو مدرسة هي عبارة عن غرفتين ، وكان رجال الدين الذين يجيدون القراءة والكتابة يقوم بتعليم الأطفال . وكانت للقرية ثلاثة أبواب وشارعين يمتدان من الشرق إلى الغرب وهما شارع الملك فيصل وشارع الملك عبد الله، وشارعين آخرين يمتدان من الشمال إلى الجنوب وهما شارع توبولات سابقاً ولكنه كان مغلقاً من الشمال والجنوب، والشارع الآخر هو شارع السخنة سابقاُ وكان يمتد من الشمال من بين داري عبد الرشيد ألخاص وعثمان داود ويمر بقرب بلدية الزرقاء الحالي ويتصل بشارع باب الواد الحالي جنوباُ وينتهي بي داري شاكر أرسلان وأحياد ماسه.

وكان لقرية الزرقاء ثلاثة أبواب ، أولاً الباب الشمالي الذي يقع في نهاية شارع السخنة بين داري عبد الرشيد ألخاص وعثمان داود, والثاني هو الباب الجنوبي الذي يقع بين داري شاكر أرسلان وأحياد ماسه، والباب الثالث هو الباب الغربي الذي يقع بين داري أحمد رمزي ومحمد جعفر. وكانت القرية شبه مسورة ، ولها عشرات النقاط الدفاعية على جميع الجهات، وذلك لصد أي هجوم مفاجئ ، وعندما يشعر أهل القرية بالخطر كانوا يرتبون الحراسات على جميع النقاط الدفاعية . ولا مبالغة إذا قلنا أن جحافل الغزاة من البدو كانت تغدو وتجئ من جنوب البلاد إلى شمالها ومن شرقها إلى غربها وبالعكس، والأمن كان مفقوداً ، حيث القوي يأكل الضعيف.
كانت الإمبراطورية العثمانية على ما يبدوا غير قادرة على فرض الأمن بين قبائل البدو، ولكن سكة الحديد وجسورها كانت تحت حراسة الجيش العثماني، حيث أن محطة سكة حديد الزرقاء كانت تحرسها مفرزة من الجيش التركي، وكانت المفرزة تقوم بحراسة الجسور الواقعة ضمن منطقة الزرقاء. ولكن تلك القوات لم تقم في يوم من الأيام بحماية المغزيين من الغازين. ومن الجدير بالملاحظة بأنه في كل موسم من مواسم الحج كانت السلطات التركية ترسل قوات إضافية إلى منطقة الزرقاء ، وتتخذ من قصر شبيب مركزاً لها ، وكانت مهمة هذه القوات الإضافية هو تأمين الحماية للحجاج فقط.
بدأت الزرقاء تزدهر منذ وضع الحجر الأساسي لها، لأن الشيشان لا هم لهم سوى تحسين قريتهم ، وفي سنة 1904 حصل الشيشان على أراضي زراعية على ضفاف نهر الزرقاء ، وقام الشيشان بجهود جبارة ، وكانوا رجالاً ونساءً وأطفالاً يعملون ليل نهار على استصلاح الأراضي وحفر القنوات وعمل السدود وبناء أسوار من الحجارة على امتداد الحقول والبساتين، حيث تحول وادي قرية الزرقاء إلى جنات تجري من تحتها الأنهار في سنين معدودة, ولم يكتفوا بذلك ، بل أقاموا على نهر الزرقاء عدة مطاحن تدار بواسطة المياه.
كان الإتصال بين المهاجرين وأقرباؤهم في الوطن الأم يتم بواسطة الرسائل ، وكانت دائرة البريد ضمن إدارة دائرة سكة الحديد ، أي في محطة سكة حديد الزرقاء، وأغلب الرسائل كانت ترد من أقارب يريدون الهجرة إلى قرية الزرقاء، وذلك في سبيل جمع الشمل، ولذلك قرر وجهاء الشيشان في قرية الزرقاء وعلى رأسهم الزعيم الروحي عبد الله التوجه إلى الشرق حيث واحات الأزرق ، وكانت تلك الأراضي كثيرة المخاوف والمخاطر لوجود الأشقياء والغزاة الرحل، لذلك جهز الشيشان أنفسهم وامتطوا جيادهم وكانوا ( 19 ) تسعة عشر رجلاً منهم الحاج عبد الله نفسه، والعالم جمال الدين الكيلاني والعابد التقي محمد الأجري (بحنه) والد عبد القدوس والحاج محمد جعفر وغيرهم ، وكذلك خمسة رجال من صويلح هم الحاج يحيى عادل وآرسبي وبيتخان وأيكوم الحاج أحمد وأوجرف. وتحركت هذه المجموعة ومعهم الحاج مرزه بن سالمرزه المؤرخ الشيشاني المعروف وذلك يوم الخميس 25/5/1912م ، وفي اليوم التالي يوم الجمعة 26/5/1912م وصلت هذه الجماعة إلى واحة الأزرق، وهناك استقبلهم واستضافهم حديثة الخريشه، وتحدث الشيشان بالنسبة لحضورهم وغايتهم، فوافق الشيخ حديثة بتعمير وإسكان الأزرق من قبل الشيشان شريطة أن يقوموا بإقامة مطحنة للحبوب، حيث أن العربان يجدون مشقة في طحن حبوبهم لأنهم يذهبون إلى بلاد بعيدة في سبيل ذلك، وبعد أن تمت الموافقة بين الطرفين أرادت الجماعة العودة إلى الزرقاء ، ولكن الشيخ حديثة لم يسمح لهم إلا بعد أن تناولوا الطعام، وزودهم بدليل للطريق, ووصلوا إلى الزرقاء بعد ظهر اليوم 27/5/1912م. ولكن الشيشان لم يقوموا بتعمير الأزرق وذلك لعدم وصول دفعات كبيرة من المهاجرين كما كان متوقعاً. وقد تم وضع حجر الأساس لقرية الأزرق بعد مرور وقت طويل أي في 30/7/1930م . وقد استخدمت العربات التي تجرها أربعة خيول لنقل المؤن والمواد اللازمة من الزرقاء إلى الأزرق، وفي عام 1931م بدأ باستخدام السيارات لتلك الغاية. وكانت المعيشة في الأزرق تتوقف على تربية الأبقار والجواميس لتوفر العشب والمياه، وكذلك استخراج مادة الملح. ويقال بأنه كان في الأزرق 1500 رأس من البقر والجواميس.
|
 |