بسم الله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد : -
قال الله تعالى : } يآ أيها الذين ءامنواْ استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين { .
يتكرر ذكر الصبر في القرآن كثيراً ، ذلك أن الله سبحانه يعلم ضخامة الجهد الذي تقتضيه الاستقامة على الطريق بين شتى النوازع والدوافع ،والذي يقتضيه القيام على دعوة الله في الأرض بين شتى الصراعات والعقبات ، والذي يتطلب أن تبقى النفس مشدودة الأعصاب ، مجندة القوى يقظة المداخل والمخارج .. ولابد من الصبر في هذا كله .. على الطاعات ، وعن المعاصي ، والصبر على جهاد المشاقين لله ، والصبر على الكيد بشتى صنوفه ، والصبر على بطء النصر ، والصبر على بعد الشقة ، والصبر على انتفاش الباطل ، والصبر على قلة الناصر ، والصبر على طول الطريق الشائك ، والصبر على التواء النفوس ، وضلال القلوب ، وثقلة العناد ، ومضاضة الإعراض ، ..
وحين يطول الأمد ، ويشق الجهد ، قد يضعف الصبر ، أو ينفد ، إذا لم يكن هناك زاد ومدد . ومن ثم يقرن الصلاة إلى الصبر ، فهي المعين الذي لا ينضب ، والزاد الذي لا ينفد . المعين الذي يجدد الطاقة ، والزاد الذي يزود القلب ، فيمتد حبل الصبر ولا ينقطع.
ثم يضيف إلى الصبر ، الرضى والبشاشة ، والطمأنينة ، والثقة ، واليقين . إنه لابد للإنسان الفاني الضعيف المحدود أن يتصل بالقوة الكبرى ، يستمد منها العون حين يتجاوز الجهد قواه المحدودة . حينما تواجهه قوى الشر الباطنة والظاهرة .حينما يثقل عليه جهد الاستقامة على الطريق بين دفع الشهوات وإغراء المطامع ، وحينما تثقل عليه مجاهدة الطغيان والفساد وهي عنيفة . حينما يطول به الطريق وتبعد به الشقة في عمره المحدود ، ثم ينظر فإذا هو لم يبلغ شيئاً وقد أوشك المغيب ، ولم ينل شيئاً وشمس العمر تميل للغروب . حينما يجد الشر نافشاً والخير ضاوياً ، ولاشعاع في الأفق ولامعلم في الطريق ..
هنا تبدو قيمة الصلاة .. إنها الصلة المباشرة بين الإنسان الفاني والقوة الباقية . إنها الموعد المختار لالتقاء القطرة المنعزلة بالنبع الذي لا يغيض . إنها مفتاح الكنز الذي يغني ويقني ويفيض . إنها الانطلاقة من حدود الواقع الأرضي الصغير إلى مجال الواقع الكوني الكبير . إنها الروح والندى والظلال في الهاجرة ، إنها اللمسة الحانية للقلب المكدود المتعب .. ومن هنا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم – إذا كان في الشدة قال : ( أرحنا بها يابلال ) .. ويكثر من الصلاة إذا ح*هذه الكلمة ممنوعة**هذه الكلمة ممنوعة*ه أمر ليكثر من اللقاء بالله .
إن هذا المنهج الإسلامي منهج عبادة ، والعبادة فيه ذات أسرار . ومن أسرارها أنها زاد الطريق وأنها مدد الروح . وأنها جلاء القلب . وأنه حيثما كان تكليف كانت العبادة هي مفتاح القلب لتذوق هذا التكليف في حلاوة وبشاشة ويسر .. إن الله سبحانه حينما انتدب محمداً – صلى الله عليه وسلم – للدور الكبير الشاق الثقيل ، قال له
يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا . نصفه أو انقص منه قليلاً . أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً .. إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ).. فكان الإعداد للقول الثقيل ، والتكليف الشاق ، والدور العظيم هو قيام الليل وترتيل القرآن ..
(إن الله مع الصابرين )
معهم يؤيدهم ، ويثبتهم ، ويقويهم ، ويؤنسهم ، ولا يدعهم يقطعون الطريق وحدهم ، ولا يتركهم لطاقتهم المحدودة ، وقوتهم الضعيفة ، إنما يمدهم حين ينفد زادهم ، ويجدد عزيمتهم حين تطول بهم الطريق .. وهو يناديهم في أول الآية ذلك النداء الحبيب : ((يا أيها الذين آمنوا )) ويختتم النداء بذلك التشجيع العجيب : ((إن الله مع الصابرين )) .
|
 |