منها أن أكثر الصحابة انفضوا عن رسول الله r إلى العير التى جاءت من الشام وتركوه وحده في خطبة الجمعة وتوجهوا إلى اللهو وأشتغلوا بالتجارة ، وذلك دليل على عدم الديانة.
والجواب أن هذه القصة إنما وقعت في بدء زمن الهجرة ( 1 ) ، ولم يكونوا إذ ذاك واقفين على الاداب الشريعة كما ينبغي ، وكان للناس مزيد رغبة في الغلة ، وظنوا أن لو ذهبت الإبل يزيد الغلاء ويعم البلاء ، ولم يخرجوا جميعهم بل كبار الصحابة كأبي بكر وعمر كانوا قائمين عنده r كما ثبت في الأحاديث الصحيحة ( 2 ) ، ولذا لم يشنع عليهم ( 3 ) ولم يوعهم سبحانه بعذاب ولم يعاتبهم الرسول r أيضاً .
ومنها ان اهل السنة رووا في صحاحهم عن ابن عباس أنه قال : قال رسول الله r (( سيجاء برجال من أمتى فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فاقول : أصحابي اصحابي ، فيقال : إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك . فأقول كما قال العبد الصالح : وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتنى كنت انت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد . فيقال : إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم )) .
والجواب أنا لا نسلم أن المراد بالأصحاب ما هو المعلوم في عرفنا ، بل المراد بهم مطلق المؤمنين به r المتبعين له ، وهذا كما يقال لمقلدى ابي حنيفة أصحاب ابي حنيفة ولمقلدي الشافعي اصحاب الشافعي وهكذا وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع ، وكذا يقول الرجل للماضين الموافقين له في مذهب أصحابنا ، مع ان بينه وبينهم عدة من السنين ، ومعرفته r لهم مع عدم رؤيتهم في الدنيا بسبب أمارات تلوح عليهم ، فقد جاء في الخبر أن عصاة هذه الأمة يمتازون يوم القيامة من عصاة غيرهم كما أن طائعيهم يمتازون عن طائعي غيرهم ، وجذبهم إلى ذات الشمال كان تاديباً لهم وعقاباً على معاصيهم ، ولو سلمنا أن المراد بهم ما هو معلوم في العرف فهم الذين ارتدوا من الأعراب على عهد الصديق t ، وقوله r (( أصحابي أصحابي )) لظن انهم لم يرتدوا كما يؤذن به ما قيل في جوابه من انك لا تدرى ما أحدثوا بعدك . فإن قلت : إن (( رجالاً )) في الحديث كما يحتمل أن يراد منه من ذكرت من مرتدي الأعراب يحتمل أن يراد ما زعمته الشيعة . أجيب : إن ما ورد في حقهم من الآيات والأحاديث وأقوال الأئمة مانع من إرادة ما زعمته الشيعة . أما الآيات فكقوله تعالى ] إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم [ وقوله تعالى ] الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله واولئك هم الفائزون ، يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم ، خالدين فيها ابداً إن الله عنده أجر عظيم [ وقوله تعالى ] والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين أتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه [ وقال تعالى ] لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة [ إلى غير ذلك من الآيات التى لا تحصى . وأما الأحاديث فقوله r (( أصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم أهتديتم )) قوله r (( الله الله في أصحابي )) الحديث ، إلى غير ذلك من الأخبار التى يضيق عنها المقام ، وأما اقوال الأئمة فقد مر لك شئ منها ، ولا مساغ للتخصيص الذى يزعمه الشيعة بوجه من الوجوه .
ومنها ان كثيراً من الصحابة فر من الزحف في غزوتي أحد وحنين ، الفرار من الزحف من أكبر الكبائر .
والجواب أن الفرار يوم أحد كان قبل النهي ، ولئن قلنا كان بعده فهو معفو عنه ، بدليل قوله تعالى ] ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم [ واما الفرار يوم حنين فبعد تسليم أنه كان فراراً في الحقيقة معاتباً عليه ما يصر عليه اولئك المخلصون بل أنقلبوا وظفروا بدليل قوله تعالى ] لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين . ثم انزل الله سكينته على رسول الله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين [ .
ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ابن العاص أن رسول الله r قال : (( إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أى قوم أنتم ؟ فقال عبد الرحمن بن عوف : كما أمرنا الله تعالى . فقال رسول الله r : كلا بل تتنافسون ثم تتدابرون ثم تتباغضون ثم تنطلقون إلى مساكن المهاجرين فتحملون بعضهم على رقاب بعض )) فإن هذا صريح في وقوع التنافس والتدابر والتباغض فيما بين الصحابة .
والجواب ان الخطاب وإن كان للصحابة لكن باعتبار وقوع ذلك فيما بينهم ، وهو لا يستدعى ان يكون منهم ، ويدل على ذلك أن الصحابة إما مهاجرون او انصار ، والحديث صريح في ان أولئك الفرقة ليسوا مهاجرين ، والواقع ينفى كونهم من الأنصار لأنهم ما حملوا المهاجرين على التحارب ، فتعين أنهم من التابعين ، وقد وقع ذلك منهم ، فإنهم حملوا المهاجرين على التحارب بينهم كمالك الأشتر وأضرابه ، ولا كلام لنا فيهم ( 4 ) .
ومنها أن الصحابة قد آذوا علياً وحاربوه ، وقد قال r (( من آذى علياً فقد آذاني )) .
والجواب أن تلك المحاربات كانت لأمور اجتهادية فلا يلحقهم طعن من ذلك . ولا بد ههنا من التفصيل ، ليتبين من هو على الحق ممن سلك التضليل فأقول : أعلم أن أعظم ما تداولت الألسن من الاختلاف الواقع بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما وقع في زمن الأمير كرم الله تعالى وجهه ، فنشأ منه وقعتان عظيمتان : وقعة الجمل ، ووقعة صفين . والأصل الأصيل لذلك قتل عثمان . t ، وأنكر الهشامية تلك الوقعتين ، وإنكار ذلك مكابرة لا يلقى لها سمع ، لأن الخبر متواتر في جميع مراتبه .
وتلخيص الأولى أنه لما قتل عثمان t عنه صبراً توجع المسلمون ، فسار طلحة والزبير وعائشة – وكان قد لقيها الخبر وهي مقبلة من عمرتها – نحو البصرة ، فلما علم علي كرم الله وجهه بمخرجهم اعترضهم من المدينة لئلا يحدث ما يشق عصا الإسلام ، ففاتوه ، وأرسل ابنه الحسن وعماراً يستنفران أهل المدينة واهل الكوفة ، ولما قدموا البصرة أستعانوا باهلها وبيت مالها ، حتى إذا جاءهم الإمام كرم الله تعالى وجهه حاول الصلح واجتماع الكلمة وسعى الساعون بذلك ، فثار قتلة عثمان وكان ما كان ، وانتصر علي كرم الله تعالى وجهه ، وكان قتالهم من ارتفاع النهار يوم الخميس إلى صلاة العصر لعشر خلون من جمادى الآخرة .
ولما ظهر علي t جاء إلى أم المؤمنين t فقال (( غفر الله لك )) قالت (( ولك . وما أردت إلا الإصلاح )) ثم انزلها دار عبدالله بن خلف وهي أعظم دار في البصرة على سنيه بنت الحارث أم طلحة الطلحات ، وزارها بعد ثلاث ورحبت به وبايعته وجلس عندها فقال رجل : يا أمير المؤمنين إن بالباب رجلين ينالان من عائشة فامر القعقاع بن عمر ان يجلد كل واحد منهما مائة جلدة وان يجردهما من ثيابهما ففعل .
ولما ارادت الخروج من البصرة بعث إليها بكل ما ينبغى من مركب وزاد ومتاع واذن لمن نجا من الجيش ان يرجع إلا أن يحب المقام ، وأرسل معها أربعين امرأة وسير معها اخاها محمداً . ولما كان اليوم الذى ارتحلت فيه جاء علي كرم الله تعالى وجهه فوقف على الباب في الهودج فودعت الناس ودعت لهم وقالت : (( يا بني لا يغتب بعضكم بعضاً ، إنه ما كان بيني وبين علي بن أبي طالب t في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها ، وإنه لمن الأخيار )) فقال علي كرم الله تعالى وجهه (( صدقت ، والله ما كان بيني وبينها إلا ذلك ، وإنها زوجة نبيكم r في الدنيا والآخرة )) وسار معها مودعاً أميالاً ، وسرح نبيه معها بقية ذلك اليوم .
وكانت رضي الله تعالى عنها بعد ذلك إذا ذكرت ما وقع تبكي حتى تبل خمارها . ففي هذه المعاملة من الأمير كرم الله تعالى وجهه دليل على خلاف ما تزعمه الشيعة من كفرها – وحاشاها رضي الله عنها – وفي ندمها وبكائها على ما كان دليل على أنها لم تذهب إلى ربها إلا وهي نقية من غبار المعركة ، على أن في كلامها ما يدل على أنها كانت حسنة النية في ذلك . وقال غير واحد إنها أجتهدت ولكنها أخطات في الاجتهاد ولا إثم على المجتهد المخطئ بل أجر على أجتهاده ( 5 ) وكونها رضي الله تعالى عنها من أهل الاجتهاد مما لا ريب فيه .
نعم قالت الشيعة إنه يبطل إجتهادها أنه r قال يوماً لأزواجه كأني بإحداكن تنبحها كلاب الحوأب ، فإياك أن تكون يا حميراء والحوأب كجعفر منزل بين البصرة ومكة قيل نزلته عائشة ونبحتها كلابه فتذكرت الحديث وهو صريح في النهي ولم ترجع .
والجواب عن ذلك أن الثابت عندنا أنها لما سمعت ذلك وتحقيقه من محمد بن طلحه همت بالرجوع إلا أنها لم توافق عليه ومع هذا شهد لها مروان بن الحكم مع ثمانين رجلاً من دهاقين تلك الناحية أن هذا المكان مكان آخر وليس الحوأب ، على أن (( إياك أن تكوني يا حميراء )) ليس موجوداً في الكتب المعول عليها عند أهل السنة فليس في الخبر نهي صريح ينافي الاجتهاد ، على أنه لو كان فلا يرد محذوراً أيضاً لأنها أجتهدت فسارت حين لم تعلم أن في طريقها هذا المكان ، لو أنها علمت لم يمكنها الرجوع لعدم الموافقة عليه . وليس في الحديث بعد هذا النهي امر بشئ لتفعله ، فلا جرم مرت على ما قصدته من إصلاح ذات البين المأمورة به بلا شبهة .
واما طلحة والزبير رضي الله عنهما فلم يموتا إلا على بيعة الإمام كرم الله تعالى وجهه . وأما طلحة فقد روى الحكم عن ثور بن مجزأة أنه قال : مررت بطلحة يوم الجمل في آخر رمق فقال لي : من أنت ؟ قلت : من اصحاب أمير المؤمنين علي t ، فقال : أبسط يدك أبايعك ، فبسطت يدى فبايعني وقال : هذه بيعة علي ، وفاضت نفسه . فأتيت علياً t فأخبرته فقال : الله أكبر صدق الله تعالى ورسوله r ابي الله سبحانه أن يدخل طلحة الجنة إلا وبيعتي في عنقه .
وأما الزبير t فقد ناداه علي كرم الله تعالى وجهه وخلا به وذكره قول النبي r له : لتقاتلن علياً وأنت له ظالم ، فقال : لقد اذكرتني شيئاً أنسانيه الدهر ، لا جرم لا أقاتلك ابداً ، فخرج من العسكرين نادماً وقتل بوادي السباع مظلوماً قتله عمرو بن جرموز . وقد ثبت عند الفريقين أنه جاء بسيفه واستاذن على الأمير كرم الله تعالى وجهه فلم ياذن له ، فقال : أنا قاتل الزبير ، فقال : أبقتل أبن صفية تفتخر ؟ سمعت رسول الله r يقول (( بشر قاتل ابن صفية بالنار )) .
واما عدم قتله فلقيام الشبهة على ما قيل ، ونظيره ما أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي عن الحسن أن أناساً من الصحابة t ذهبوا يتطرقون ، فقتل واحد منهم رجلاً قد فر وهو يقول : إني مسلم ، فغضب رسول الله r غضباً شديداً ولم يقتل القاتل . وكذا قتل أسامة t فيما أخرجه السدى رجلاً يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فلامه رسول الله r جداً ولم يقبل عذره وقال له : كيف أنت ولا إله إلا الله ؟ ونزل قوله تعالى ] ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً [ الآية وأجاب آخرون بأن العلماء أختلفوا في أنه هل يجب على الحاكم القصاص إذا لم يطلبه الولي أم لا ؟ ولعل الأمير كرم الله تعالى وجهه ممن لا يرى الوجوب بدون طلب ولم يقع . وروى أيضاً أن الأمير t قال لما جاءه عمر بن طلحة بعد موت أبيه (( مرحباً بابن أخي ، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم : ] ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين [ )) وهذا ونحوه يدل على أنهما رضي الله تعالى عنهما لم يذهبا إلا طاهرين متطهرين .
وأما تلخيص الواقعة الثانية فقد ذكر المؤرخون أن معاوية t كان قد أستنصر ابنا عثمان t ووكلاه في طلب حقهما من قتله أبيهما ، فلما بلغه فراغ علي كرم الله تعالى وجهه من وقعة الجمل ومسيرة إلى الشام خرج عن دمشق ( 6 ) حتى ورد صفين في نصف المحرم فسبق إلى سهولة المنزل وقرب من الفرات ، فلما ورد الأمير t دعاهم إلى البيعة فلم يفعلوا ، وطلبوا منه قتلة عثمان – وكانوا قد أنحازوا إلى عسكره ، ولهم عشائر وقبائل ومع هذا لم يمتازوا بأعيانهم – فمال t إلى التأخير حتى يمتازوا ويتحقق القاتل من غيره ، فأبي معاوية إلا تسليم من يزعمونه قاتلاً . وكثر القيل والقال حتى أتهم بنو أمية الأمير كرم الله تعالى وجهه بأنه الذى دلس على قتلة عثمان t ، وكان كرم الله تعالى وجهه قد تصرف بسلاح عثمان فقال لذلك قائلهم :
إذا غار نجم لاح نجم يراقبه
ولا تنهبوه لا تحل مناهبه
سواء علينا قاتلوه وسالبه
كصدع الصفا لا يرأب الصدع شاعبه
وعند علي سيفه وحرائبه
وهل ينسين الماء ما عاش شاربه
كما فعلت يوماً بكسرى مرازبه
ألا ما لليلى لا تغور كواكبه
بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم ( 7 )
بني هاشم لا تعجلونا فإنه
وإنا وإياكم وما كان منكم
بني هاشم كيف التعاقد بيننا
لعمرك لا أنسى ابن أروى وقتله ( 8 )
هم قتلوه كي يكونوا مكانه
وكان الأمير كرم الله تعالى وجهه يلعن القتلة ويقول (( يا معاوية ، لو نظرت بعين عقلك دون عين هواك لرأيتنى أبرأ الناس من قتلة عثمان )) . وتصرفه t بسلاحه لأنه كان من الأشياء الراجعة إلى بيت المال ، وحكمه إذ ذاك كحكم المدافع في زماننا في أن حق التصرف في ذلك للإمام .
ثم إنه قد وقع الحرب بينهم مراراً وبقى كرم الله تعالى وجهه بصفين ثلاثة أشهر وقيل سبعة وقيل تسعة ، وجرى ما تشيب منه الرءوس وتهون معه حرب البسوس ، وليلة الهرير أمرها شهير ، وآل الأمر إلى التحكيم ، وحدث من ذلك ما أوجب ترك القتال مع معاوية والاستغال بأمر الخوارج ، وذلك تقدير العزيز العليم . وأهل السنة إلا من شذ يقولون : إن علياً كرم الله تعالى وجهه في كل ذلك على الحق لم يفترق عنه قيد شبر ، وعن مقاتليه في الوقعتين مخطئون باغون وليسوا بكافرين خلافاً للشيعة ، ولا فاسقين خلافاً للعمرية أصحاب عمر بن عبيد من المعتزلة . وأما أن الحق مع علي كرم الله تعالى وجهه فغني عن البيان ، وأما كون المقاتل باغياً فلأن الخروج على الإمام الحق بغي ، وقد صح عنه r أنه قال : ويح عمار تقتله الفئة الباغية وقد قتله عسكر معاوية . وقوله حين اخبر بذلك (( قتله من أخرجه )) ومما لا يلتفت إليه وإلا لصح أن يقال إن رسول الله r قاتل حمزة وأضرابه ممن قاتل معه r ، وكذا قول من قال : المراد من الفئة الباغية الفئة الطالبة أى لدم عثمان ، فلا يدل الخبر على البغي بالمعنى المذموم ، وأما كونه ليس بكافر فلما في نهج البلاغة أن علياً كرم الله تعالى وجهه خطب يوماً فقال : (( أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والإعوجاج والشبهة )) ، وقوله تعالى ] وإن طائفتان من المؤمنين أقتتلوا فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله ، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يجب المقسطين [ فسمى الله تعالى الطائفتين المقتتلين (( مؤمنين )) وامر بالإصلاح بينهما . واجاب بعض الشيعة عن الآية بأنها في قتال المؤمنين بعضهم مع بعض دون القتال مع الإمام والبغي عليه ، والخطاب فيها للأئمة أمروا أن يصلحوا بين طائفتين من المؤمنين أقتتلوا فيما بينهم ، وأن يقاتلوا إذا بلغت إحداهما حتى تفئ .
ولا يخفى ما في هذا الجواب من الوهن وعدم نفعه للمجيب اصلاً ، لأن الأمر الثاني يستدعى أن يكون القتال مع الإمام ضرورة فافهم . ومما يدل على ؟أن المحارب غير كافر صلح الحسن t مع معاوية ، وهو مما لا مجال لإنكاره . وقد روى المرتضى وصاحب ( الفصول المهمة ) من الإمامية أنه لما أبرم الصلح بينه t وبين معاوية خطب فقال : إن معاوية نازعني حقاً لي دونه ، فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة ، وقد كتنم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني ، ورأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها ولم ارد بذلك إلا صلاحكم أنتهى . وفي هذا دلالة ظاهرة على إسلام الفريق الصالح وأن المصالحة لم تقع إلا أختياراً ، ولو كان المصالح كافراً لما جاز ذلك ولما صح أن يقال (( فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة )) أهـ . فقد قال سبحانه وتعالى ] وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله [ . ويدل على وقوع ذلك أختياراً أيضاً ما رواه صاحب ( الفصول ) عن ابي مخنف من أن الحسين t كان يبدى كراهة الصلح ويقول لو جز أنفى كان أحب إلى مما فعله أخى ، فإنه لا معنى لهذا الكلام لو لم يكن وقوع الصلح من اخيه رضي الله عنهما أختياراً فإن الضرورات تبيح المحظورات وهو ظاهر .
وبعد هذا كله قد ثبت عند جمع أن معاوية t ندم على ما كان منه في المقاتلة والبغي على الأمير كرم الله تعالى وجهه واتفق أن بكى عليه كرم الله تعالى وجهه . فقد أخرج ابن الجوزى عن ابي صالح قال : قال معاوية لضرار : صف لي علياً . فقال : أو تعفيني . قال : بل تصفه . فقال : أوتعفيني . قال : لا أعفيك . قال : أما ولابد فإنه كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلاً ، ويحكم عدلاً ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته . كان والله غزير الدمعة ، طويل الفكرة ، يقلب كفه ويخاطب نفسه . يعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما خشن . كان والله كاحدنا يجيبنا إذا سألناه ، ويبتدئنا إذا أتيناه ، ويأتينا إذا دعوناه . إلى أن قال : لا تطمع القوى في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله ، فاشهد بالله لقد رايته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سجوفه ، وغارت نجومه ، وقد مثل في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ، فكأنى اسمعه يقول : يا دنيا يا دنيا ألى تعرضت أم بي تشوقت ؟ هيهات هيهات ، غرى غيرى قد بتتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك ، فعمرك قصير ، وعيشك حقير ، وخطوك كبير ، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق . قال : فذرفت دموع معاوية ، فما يملكها وهو ينشفها بكمه ، وقد أختنق القوم بالبكاء . ثم قال معاوية : رحم الله تعالى أبا الحسن ، كان والله كذلك ، فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ فقال : حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها . انتهى .
وما يذكره المؤرخون من ان معاوية t كان يقع في الأمير كرم الله تعالى وجهه بعد وفاته ويظهر ما يظهر في حقه ويتكلم بما يتكلم في شأنه مما لا ينبغي ان يعول عليه او يلتفت إليه ، لأن المؤرخين ينقلون ما خبث وطاب ، ولا يميزون بين الصحيح والموضوع والضعيف ، واكثرهم خاطب ليل لا يدرى ما يجمع فالاعتماد على ذلك في مثل هذا المقام الخطر والطريق الوعر والمهمة القفر الذى تضل فيه القطا وتقصر دونه الخطا مما لا يليق بشان عاقل فضلاً عن فاضل .
وما جاء من ذلك في بعض روايات صحيحة وكتب معتبرة رجيحة فينبغي ايضاً التوقف عن قبوله والعمل بموجبه ، لأن له معارضات مسلمة في الصحة والثبوت . على أن من سلم من داء التعصب بما يندفع به الطعن عن أولئك السادة الماثل ، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل .
( 1 ) وعندما كانت خطبة الجمعة بعد الصلاة لا قبلها كما في تفسير سورة الجمعة للحافظ ابن كثير عن ابي داود في مراسيله .
( 2 ) في حديث جابر بن عبدالله ان الذين ثبتوا مع النبي أثنا عشر رجلاً فيهم أبو بكر وعمر .
( 3 ) أى على اللذين خرجوا عند وصول القافلة التجارية إلى المدينة ، وكان الذى جاء بالقافلة دحية بن خليفة .
( 4 ) أنظر البيان الوافى عن الأشتر في تعليقات ( العواصم من القواصم ) ص 109 ثم في ص 116 – 119 وص 122 وتقدم في هامش ص 259 أنه هو أحد اثنين زورا الكتاب على لسان عثمان إلى والى مصر . وفي تاريخ الطبري ( 5 : 194 ) أعتراف الأشتر بانه أحد قتلة عثمان ، وذلك عند ما سخط على علي كرم الله تعالى وجهه لأنه ولي عبدالله بن عباس البصرة فقال الأشتر (( ففيم قتلنا الشيخ إذن ؟ )) أما أضراب الأشتر ممن شاركه في قتل عثمان فتجد البيان عنهم في ( العواصم من القواصم ) .
( 5 ) إنها أجتهدت واصابت ، لأنها أرادت الإصلاح والتعاون مع أمير المؤمنين علي على إقامة حدود الله في القتلة المجرمين . والدماء التى سفكت في وقعة الجمل كانت جريمة اخرى من جرائم قتلة عثمان لا يلحق منها شئ بعلي ولا بعائشة ومن معها ، ولو توفقوا إلى إقامة الحدود على قتلة عثمان ، لتغيرت الحوادث بعد ذلك ، ولما وجدت الخوارج ولا الروافض ، ولما قتل علي كرم الله تعالى وجهه . ولكن لله في كل شئ حكمه قد يطلعنا عليها وقد تخفى عنا .
( 6 ) لما أنتهى على من حرب الجمل وسار من البصرة إلى الكوفة فدخلها يوم الأثنين 12 من رجب ، وأرسل جرير بن عبداله البجلي إلى معاوية في دمشق يدعوه إلى طاعته ، فجمع معاوية رءوس الصحابة وقادة الجيوش وأعيان أهل الشام وأستشارهم فيما يطلب علي . فقالوا : لا نبايعه حتى يقتل قتلة عثمان ، أو يسلمهم إلينا . فرجع جرير إلى علي بذلك . فأستخلف علي على الكوفة ابا مسعود عقبة بن عامر وخرج منها فعسكر بالنخيلة أول طريق الشام م العراق . وبلغ معاوية أن علياً تجهز وخرج بنفسه لقتاله فخرج هو ايضاً قاصداً صفين .
( 7 ) لأن عثمان كانت جدته لأمه البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم وكنيتها أم حكيم .
( 8 ) هي أروى بنت كريز أم عثمان ، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب
|
 |
| |