كان القدماء يعتقدون ان الفرد هو الذي يوجه الاحداث , الفرد الممتاز بطبيعة الحال . وان المجتمع او الدهماء لا دور لهم الا الانقياد للزعيم والسير في الطريق الذي يوجههم فيه .
وقام المحدثون يعارضون هذه النظرية بعنف , ويقولون ان المجتمع هو الذي يستطيع اكثر من غيره ان يتفهم التيارات التي تسري فيه فيتمشى معها ويعمل على انضاجها , وان الفرد العادي لا يقل اهمية عن الفرد الممتاز في هذا المجال .
ولم يكتف هؤلاء المحدثون بأن يفسروا التاريخ الحديث وحده هذا التفسير - اي في الفترة التي صار فيها للفرد العادي كيان متميز - بل راحوا يزيدون ان الفرد والجماعة كليهما محكومان منذ فجر التريخ بالتطور المادي او التطور الاقتصادي , وان هذا الاخير وحده هو الذي يصنع التاريخ , وهو يصنع التاريخ في اعتقادهم من خلال الجماعات لا من خلال الافراد .
والواقع ان اصدار حكم واحد ينطبق على جميع الحالات امر عسير .
والاصح والاقرب الى العدالة في نظري ان نقول ان هناك تفاعلا دائما بين الفرد وبين المجتمع في كل حركة كبيرة من حركات التاريخ , كلاهما يأخذ ويعطي . ولكن الدفعة الايجابية قد تكون أبرز في أحد الجانبين منها في الاخر , فيبدون هذا الجانب راجح الكفة , وان كانت الكفة الاخرى لا تصل في حالة من الحالات الى حد الخواء .
المجتمع يبرز مرة والفرد يبرز مرة , والتفاعل موجود دائما في جميع الحالات . والرد على المتطرفين الذين يلغون دور الفرد الممتاز في التوجيه والقيادة , ويجعلونه قوة سالبة بالنسبة لقوة المجتمع , او لقوة المادة والاقتصاد .. الرد البسيط على هؤلاء ان نتصور بعض احداث التاريخ التي ارتبطت بحياة فرد ثم نفترض ان هذا الفرد لم يوجد , أفكانت الاحداث تسير على نفس النسق وتؤدس نفس النتيجة ؟ اذا كان الجواب نعم , فهذا الفرد اذا ليس له دور ايجابي في الموضوع . واذا كان الجواب لا , فمن اين جاء الفارق والمجتمع هو هو في الحالتين ؟
خذ نابليون فلعله منأبرز الافراد الذين لعبوا دورا في التاريخ , وتصور لحظة انه ليس هو الذي يلعب على المسرح , وانما هو شخص أخر ليست له اطماع نابليون ولا تركيبه العصبي والفكري والجسدي , ولا عقده النفسية ,ولا مشاعر " شعوره " ولا خفايا " لا شعوره " .. هل كان يسير تاريخ فرنسا في ذات الخط الذي سار فيه صعودا وهبوطا ونجاحاً وخيبة ؟
الذي يقول نعم لا شك يغالط نفسه ويغالط التاريخ .
نابليون دون شك هو القوة الفعالة في الفترة التي ظهر فيها على مسرح الاحداث . ولكنه وحده لم يكن ليفعل ما فعل من معارك وفتوحات . فلولا تطلع الشعب الفرنسي للغلبة والفتح , والطاقة المنبثقة من الثورة , لذهبت عبقرية نابليون الحربية مع الريح , لأنها تكون أذ ذاك عبقرية بلا رصيد . ورصيدها كان تلك الدفعة المتطلعة في نفوس الشعب , المستعدة للبذل والجهد وتحمل مشقات الحروب . ولو كان نابليون قد ظهر مثلا في الحرب الاخيرة والشعب الفرنسي متميع منحل الاخلاق مشغول بشهواته وملذاته , فأغلب الظن ان عبقريته الحربية كانت ستفقد قيمتها في الصراع . وكل ما كان يمكن ان يحصل عليه هو هزيمة مشرفة بدل تلك الهزيمة المنكرة التي لوثت وجه فرنسا في تاريخها الحديث .
ومن المضحك ان تصاب النظن الجماعية , صاحبة الفكرة القائلة بأن المجتمع هو الاصل , وان الفرد ليس له كيان مستقل ولا توجيه , ولا دور في صناعة التاريخ .. من المضحك ان تصاب هذه المجتمعات " بالزعامة الفردية " ليهدم نظرياتها على أساسها , ويكذب في عالم الواقع ما تقول في عالم النظريات .
التفاعل أذن موجود دائماً بين الفرد والمجتمع . ولكن الامثلة التي ذكرناها كانت واضحة الدلالة على الدور البارز الذي قام به أفراد في صناعة التاريخ , وليس الامر واحداً في جميع الاحوال .
خذ مثلا الثورة الفرنسية ... والثورة الشيوعية .
الجماهير هنا هي القوة الفعالة . القوة الدافعة . المركز الذي ينبثق منه النور او ينتفض منه اللهيب .
وأبرز ما تبرز الجماعة في الثورة الفرنسية في عمليات التدمير والتخريب. وفي التقلبات المفاجئة في الموقف . واندفاع التيار الشعبي الى اليمين تارة ثم الى اليسار تارة اخرى بنفس الحماسة ونفس القوة .
ذلك طابع الجماهير وتلك كانت ثورة الجماهير .
وقد كان للثورة زعماء .. ما ينكر أحد انهم كانوا ذوي أثر في توجيه الثورة ولكنهم في هذه المرة ليسوا القوة البارزة على المسرح , ان دورهم اقرب الى دور عامل الاشارة الذييوجه القاطرة على الشريط , ولكن القوة الدافعة ليست في يد محول الاشارة . وانما هي في المرجل المنطلق كالمجنون .
ولعل هذه الثورات هي التي اوحت لعلماء الاجتماع المحدثين بنظرتهم القائلة ان الجموع هي العنصر المحرك , وفي القوةالفعالة في أحداث التاريخ .
ولكن قياس التاريخ كله على بعض اجزاء منه خطأ علمي , فالواقع يشمل هذه الامثلة وتلك , والحقيقة المشتركة هي وجود التفاعل الدائم بين الفرد اولمجتمع مع بروز احدهما على الاخر هنا وهناك .
وهتلر ؟ ما مكانه في هذا الجدل القائم بين الفرد والمجتمع ؟
لعل هتلر من الامثلة النادرة في التاريخ , التي يكاد يتساوى فيها دور الفرد ودور المجتمع في توجيه الاحداث وتسيير دفة الامور .
ولاشك ان المعجبين بهتلر سيقولون : كلا ان شخصيته الفذة كانت هي محور الاحداث كلها في تلك الفترة م الزمان .
ولكن أنصار نظرية املجتمع سيقولون من جانب أخر , ان هتلر لك يكن الا منفذا للدوافع الكامنة في المجتمع الالماني عقب الحرب الاولى , وعقب الهزيمة الظالمة التي أصابت المانيا في تلك الحرب .
ولكن هؤلاء واولئك متطرفون .
فلنأخذ كل هذه العوامل الايجابية في نفوس الشعب الالماني , ولنحذف وجود هتلر , ولنضع بدلا منه شخصا اخر , وا لا نضع احداً مكانه , هل تكون النتيجة واحدة ؟
الفرق يساوي شخصية هتلر .
ومن جانب أخر فلنأخذ هتلر بكل عبقريته ومزاياه ولنضعه في غير المانيا او في المانيا في غير تلك الفترة وفي غير هذه الظروف . هل تكون النتيجة واحدة ؟
الفرق يساوي الشعب الالماني في عهد هتلر .
وهذه القضية تصدق في كل حالة , هذا حق . ولكن لا تتقارب النسبة في الحسبتين في جميع الحالات كما تتقارب في حالة هتلر . فالميزان يميل احيانا هنا واحيانا هناك . ولكنه في هذه الحالة يكاد يسوي بين الكفتين بعد تأرجح بسيط هنا او هناك .
والخلاصة من هذا كله أن المسألة متروكة للمصادفات .
المصادفة هي التي تبرز الزعيم الفذ القادر الموجه . والمصادفة هي التي تجعل الشعوب تثب وثباتها الجبارة .
وليس في وسع أي شعب ان يقول انه يستطيع ان يربي زعماؤه على مبادئ معينة , ليضمن قيامهم على تنفيذ هذه المبادئ وعدم الانحراف عنها حين توضع في أيديهم مقاليد الامور .
وليس كل يوم يولد عبقري يترجم الطاقة الكامنة الى عمل حي , والمشاعر الى حقائق .
مع ذلك فليس هناك ما يدعو الى اليأس من أمر البشرية .
هنالك شئ ولو قليل الضمان .
أثارة وعي الشعوب يجعل انحراف الزعماء أصعب , واستجابتهم لدواعي العدالة في الحكم أقرب الى التحقيق .وكلما زاد وعي الشعب واد استقرار حياته وأمن النكسات المدمرة .
ةتلك مهمة الدعاة .
وهي مهمة دائمة لا تنتهي ما بقيت الحياة على الارض .
وخير الدعوات ما يربط القلوب بالله , اي بالقوة المتحكمة في قوى الارض , القاهرة فوق قوى الارض .
وواجب الدعاة الا ييأسوا , مهما وجدوا امامهم من صعاب . ومهما تحملوا من تضحيات ومشاق . وليخرجوا من حسابهم انهم يعملون للناس . وليجعلوا في حسابهم انهم يعملون لله .
|
 |