حقيقة المشهد الزينبي في القاهرة
ردا على مقالة الدكتور/ أحمد راسم النفيس أحد دعاة التشيع في مصر عن قبر السيدة زينب، ومقالة الأستاذ/ فتحي الحديدي للرد عليه، وحيث أنني من المهتمين بدراسة هذا الشأن، امتدت أكثر من عشرين سنة، وقمت بتسجيلها في سلسلة كتبي عن الظاهر والباطن، فقد تبين لي أنه لم يرد ذكر قبر السيدة زينب الكبرى في العديد من روايات شهود العيان من الرحالة الذين رحلوا إلى مصر، ولا فيما دوّنه المؤرخون في كتبهم، ومنهم: عبد الرحمن بن الحكم ] ت: 257 [ الذي ألف عدة كتب في أخبار مصر ، ومعاصره محمد بن الربيع الجيزي، وكذا القضاعي [ت: 453]، وله تأليف في مزارات مصر سماه أنس الزائرين، وأحمد بن محمد السلفي [ت 576] الذي يصرح بأنه لم يمت لعلي بن أبي طالب ولد لصلبه في مصر، والرحالة ابن جبير الأندلسي أثناء رحلته إلى القاهرة عام 578 هـ، وابن أسعد الجواني [ت: 600]، وله مزارات الأشراف، والرحالة السائح الهروي [ت 611] ، والرحالة ياقوت الحموي البغدادي [ت 624 هـ] ، وابن ميسر المصري [ت: 677]، وله كتاب في تاريخ مصر، وابن تغري بردي [ت: 704]، في كتابه النجوم الزاهرة في أخبار ملوك مصر والقاهرة، والرحالة ابن بطوطة المغربي فيما شاهده من المزارات الشريفة عند وصوله مصر سنة [748 هـ]، والرحالة ابن دقماق المصري [792 هـ] الذي قال في أخبار مصر وخططها كتاب الانتصار لواسطة عقد الأمصار: "إن أول علوي دخل مصر هو علي بن محمد بن عبد اللَّـه بن الحسن المثنى دخلها [145هـ]، وابن الناسخ المصري [ت: 800] وكتابه مصابيح الدياجي وغوث الراجي، وهو مخطوط لم يطبع بعد، وابن الزيات الأنصاري [ت: 814]، وكتابه الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة ذكر فيه قائمة المسميات بزينب المدفونات بمصر تضم [11]ممن اسمهن زينب، وليس فيهن زينب بنت علي بن أبي طالب، ونور الدين السخاوي [ت: 814]، وله كتاب تحفة الأحباب، ترجم للمدفونات بمصر، وذكر منهن [4] اسمهن زينب، وليست منهن زينب الكبرى، والمقريزي [ت: 845]، وكتبه الخطط، واتعاظ الحنفاء بأخبار الفاطميين الخلفاء ، الذي بين اللبس في القضية حين قال: وفي خارج باب النصر في أوائل المقابر قبر السيدة زينب بنت أحمد بن جعفر بن محمد بن الحنفية يزار، وتسميه العامة مشهد السيدة زينب"، وهذا التصريح يكشف منشأ خطأ العامة وانتشار هذا الوهم.
بالإضافة إلى الرحالة خليل بن شاهين الزاهري الإسكندري [ت 873]، والقاضي ابن ظهيرة [ت: 891]، وكتابه الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة، والحافظ السخاوي [ت: 902]، وله كتاب منفرد في ترجمة زينب الكبرى، ولم يذكر أنها دفنت في مصر، والسيوطي [ت: 911]، وله كتاب حسن المحاضرة، وكتاب در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة ترجم فيه مئات الصحابة، وسبع صحابيات ليس فيهن زينب الكبرى، له أيضا رسالة العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية لم يشر فيها إلى سفر زينب الكبرى إلى مصر، ودفنها في أراضيها.
ومن القرائن المهمة ما رواه ابن تيمية [ت: 728] في إحدى مناظراته بمصر: "أن بعض النصارى يقول لبعض المسلمين: لنا سيد وسيدة، ولكم سيد وسيدة، ولنا السيد المسيح والسيدة مريم، ولكم السيد الحسين والسيدة نفيسة"، ولو كان قبر السيدة زينب معلوما عند المصريين آنذاك لكانت أولى بالذكر من السيدة نفيسة رضي اللَّـه عنها. خاصة وابن تيمية له بحث معروف حول رأس الحسين، إلا أن قضية مرقد السيدة زينب لم تشغله لأنها قضية أثيرت بعد موته بأكثر من قرنين من الزمان، ونخلص مما سبق إلى اتفاق كلمة المؤرخين على أن السيدة زينب بنت علي لم تدخل مصر، وبالتالي لم تدفن فيها.
من اخترع هذا القبر؟
أولا: خطأ وقع فيه الرحالة الكوهيني الذي دخل القاهرة في [14 محرم 369 هـ ] في خلافة أبو تميم نزار بن المعز لدين اللَّـه الفاطمي، فزار عدة مشاهد منها المشهد الزينبي، وقال: "دخلنا مشهد زينب بنت علي فوجدناه داخل دار كبيرة، وهو في طرفها البحري ليشرف على الخليج، فنزلنا إليه بدرج، وعاينا الضريح، فوجدنا عليه دربوزا،... ومكتوب على باب الحجرة هذا ما أمر به عبد اللَّـه ووليه أبو تميم أمير المؤمنين الإمام العزيز باللَّـه صلوات اللَّـه عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه المكرمين بعمارة هذا المشهد على مقام السيدة الطاهرة بنت الزهراء البتول زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب صلوات اللَّـه عليهما وعلى آبائها الطاهرين وأبنائها المكرمين".
ورد عليه البحّاثة السابقي بقوله: "إن هذا المشهد ليس للسيدة زينب الكبرى إذ لو كان لها مشهد بمصر بهذه الأبهة والفخامة التي يذكرها، فلماذا اختفى عن بقية الرحالين والمؤرخين، ولماذا اختفى أمره على معاصر الكوهيني المؤرخ الكبير الذي صرف همه في تحرير حوادث مصر خاصة، وهو ابن زولاق ] ت: 388 [ ، الذي كان حيا في مصر وقت زيارة الكوهيني، بينما ينكر دخول أي ولد لعلي لصلبه في مصر، ويقول أول من دخلها سكينة بنت علي بن الحسين، فالظاهر أن ما رآه الكوهيني هو مشهد زينب بنت يحيى المتوج بن الحسن الأنور ابن زيد بن حسن بن علي بن أبي طالب، وبه قال شيخ الأزهر الشيخ محمد بخيت المطيعي. وتعليقنا على هذا التحليل أن" ما رآه الكوهيني يثبت بما لا يدع مجالا للشك التزوير المتعمد الذي تخطط وتنفذ له الدولة الفاطمية كي تروج للشعب المصري زيارة أضرحة آل البيت، وهي تعلم يقينا كذب دعواها؛ فالكوهيني اطلع على لوحة كتبها الخليفة نزار بن المعز لدين اللَّـه الفاطمي للترويج لحب آل البيت، كما فعل الوزير طلائع بن زريك بعد ذلك بمائتي سنة في مشهد رأس الحسين، والخطأ الذي وقع فيه الكوهيني هو تصديقه لهذه الخدعة، وترديده لها دون أن يتأملها، أو يراجعها مع علماء عصره.
ثانيا: حلم من أحلام علي الخواص: يقول الشعراني [ت: 973 هـ] في كتابه المنن الكبرى وفي لواقح الأنوار القدسية عن شيخه علي الخواص الأمي الذي لا يقرأ سوى من اللوح المحفوظ، والذي أُعطي التصريف في ثلاثة أرباع مصر وقراها، أن السيدة زينب المدفونة بقناطر السباع ابنة الإمام علي t ، وأنها في هذا المكان بلا شك وتابعه في النقل عنه كل من تأخر كالقليوبي في تحفة الراغب، والصبَّان في إسعاف الراغبين والعدوي في مشارق الأنوار، والشبلنجي في نور الأبصار، والرفاعي في نور الأنوار، والشيخ جعفر النقدي في زينب الكبرى، وحسن قاسم في السيدة زينب . ومن ذلك ما كتبه ابن الناسخ المصري [ت 800 هـ] في المزارات المصرية، حيث وضع كتابا سماه مصابيح الدياجي وغوث الراجي، وهو مازال مخطوطا برقم [84] في فهرس البلدان، ذكر فيه قبر السيدة زينب بقناطر السباع، وعدّه من قبور الرؤيا، ولم يعرفنا لمن كانت هذه الرؤيا، كما لم يصرح بأن المدفونة هنا زينب الكبرى بنت علي بن أبي طالب؛ لأن تصريحه بأن المدفونة هنا حسب الرؤيا زينب فقط، لا يفيد أنها زينب الكبرى، وإن كان الذهن أسرع انتقالا إلى الفرد الأشهر" .
وعندما نناقش روايات دخول زينب مصر، نجد المثبتون لها اعتمدوا على أنها قدمت إلى المدينة عائدة من دمشق، بعد مقتل أخيها الحسين، جعلت تخطب في الناس وتؤلبهم على خلع يزيد والأخذ بثأر الحسين، فكتب والي المدينة عمرو بن سعيد بن العاص [الأشدق] إلى يزيد يُعلمه الخبر، فرد عليه أن فرّق بينها وبينهم، فأمرها بالخروج فاختارت مصر، ودخلتها في شعبان سنة [61 هـ]، ومعها فاطمة، وسكينة، وعلي أبناء الحسين، واستقبلها الناس في بلبيس، وتقدم إليها والِيها مسلمة بن مخلد الأنصاري، واستضافها في داره الحمراء، فأقامت به أحد عشر شهرا وخمسة عشرة يوما، وتوفيت يوم الأحد لخمسة عشر يوما مضت من رجب سنة [62 هـ]، وصلى عليها مسلمة بن مخلد ورجع بها فدفنوها بالحمراء بمخدعها من الدار حسب وصيتها، ونتبين من مناقشة هذه الروايات إلى:
استبعاد تصدي السيدة زينب رضوان اللَّـه عليها للخطابة في الناس، وهي التي لم يرَ أحد من الأجانب شخصها في نور النهار، فكيف تتخطى زوجها عبد اللَّـه بن جعفر وابن أخيها علي بن الحسين، وهو الولي الوحيد لدم أبيه، وأحق الناس به.
لم يذكر أي مصدر أن زوجها عبد اللَّـه بن جعفر الطيار سافر معها، أو أذن لها بالسفر، أو زارها بعد استقرارها في مصر، فلا يعقل أن تسافر دون علمه، أو دون مصاحبته، كما لم تثبت زيارة أحد بني هاشم لها في مصر في حياتها ، أو بعد مماتها.
كيف تسير السيدة/ زينب إلى مصر وواليها آنذاك مسلمة بن مخلد، وهو على رأس المطالبين بدم عثمان، ولم يبايع عليا ولم يأتمر بأمر نوابه على مصر؟ وتعدهما الشيعة من ألد أعداء علي ومن أخلص أحباء معاوية، فكيف تتخذ السيدة زينب داره مسكنا لها؟
إن بيت والي مصر مسلمة بن مخلد كان بمدينة الفسطاط، بعيدا عن مكان الضريح الحالي، فكيف يزعمون أنها دفنت في منزله، الذي تحول فيما بعد إلى الضريح الحالي؟
كان ميدان السيدة زينب الحالي جزءا من مسار النيل قديما, وكانت عليه قنطرة تسمى قنطرة السباع؛ لأنها كانت مزينة من جوانبها بتماثيل سباع, كما هو الحال في مداخل كوبري قصر النيل حاليا, وقد أنشأ هذه القنطرة ركن الدين بيبرس البندقنداري ] ت: 673 [ , وقد تم ردم هذا الجزء من الخليج وزالت القنطرة فاتسع الشارع بعد عدة قرون, وظهر مسجد السيدة, وسمي المكان ميدان السيدة زينب.
أن كتب العبيدلي الأخرى مثل أخبار المدينة، وكتاب النسب لم تشر لما نسب إليه في وريقات رسالته أخبار الزينبيات، وكثير من المؤلفين نقلوا عن كتبه كثيرا كأبي الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبين، وشيخ الشرف العبيدلي في تهذيب الأنساب، وابن طقطقي في النسب الأصيلي، والنسابة العمري في المجدي، وأكثرهم تعرض لترجمة زينب الكبرى ولكن لم ينقل أحد عنه أنها ذهبت إلى مصر وماتت بها.
الخلاصة: مشهد السيدة زينب المعروف هو قبر مختلق تأسس بعد وفاتها بما يقارب ألف سنة بناء على حلم رآه علي الخواص، وروج له الشعراني، وتحمس له أصحاب المصالح، وشيدت ضريحه أموال البسطاء، وركبوا له العمامة الكبيرة ووضعوا فيه صناديق النذور، حتى تدور عجلة الحياة على أبواب الوهم. أما رئاسة الديوان، وحكم الدين في الأضرحة وما يدور حولها من منكرات، وباقي قائمة المشاهد الكاذبة والمختلقة فيطول شرحها، وأهم عناصر هذه القائمة هو ضريح رأس الحسين رضي الله عنه، الذي يحتاج إلى مقالة ثانية والله المستعان، ومن أراد مزيدا من البيان فليرجع إلى كتابنا القول الصريح عن حقيقة الضريح.
|
 |
| |