مشهورة غدت مغمورة
في البيت المشرف على شارع" الحارثي" أمام حانة" الحاج هموا"، وتحديدا قرب مرقص" فونتين" حيث أصوات الموسيقى تندلع، والرقص لا ينقطع، تعيش عائلة المعلم البشير؛ المكونة من الأب، وابنه" سعيد"، "وزهرة"، و"فضيلة"، أما والدتهما فقد توفيت إثر حادثة سير إبان عودتها من زيارة ضريح" سيدي إبرهيم"، في إحدى القرى النائية بسوس.
ماتت الأم وخلفت لزوجها الواجم المبهوت هؤلاء البؤساء، زاد بؤسهم وشقاؤهم بموت والدتهم. تحمل الأب ــ وبكل جلدــ أعباء العمل من أجل إسعاد هذه الأسرة، وحاول جاهدا أن يوفر لهم ما يلزم من مأكل وملبس، لكنه عجز عن ذلك؛ لا لشيء إلا لأن امتهانه للبناءلا يمكنه من كسب ما يعيش به ولو على شظف. اضطر الأب أن يرسل ابنته" زهرة" عند عمتها في البيضاء، وابنه" سعيد" ليتم دراسته الثانوية عند احد أصدقائه بالرباط..
وباختصار عاش الأب مع" فضيلة" البالغة من العمر خمس وعشرين سنة؛ عيناها صغيرتان يظهر ورائهما البؤس، ورغم شفتاها الغليضتان، ورغم بؤسها فإن الإبتسامة لا تكاد تفارقهما.
مرت ثلاثة أشهر، ولم تعد فضيلة تطيق الجلوس في حفشها وحدها؛ خصوصا وأن أباها يخرج مند بزوغ الفجر ولا يعود إلا عندما يجن الليل... وبينما هي تتضور في فراشها هبت – ولأول مرة ــ لكابوس يداهمها؛ فهي لم تتزوج بعد رغم أنها جميلة، بل هي أجمل بنات الحي؛ فلماذا لم تتزوج إذن؟ آلأنها لا تخرج إلا لأداء واجب فاتورة الكهرباء؟ أم لأنها لا تخرج مع الشباب؟.... ربما!!لا بل هذا هو السبب، وإلا فلماذا "زينب" إبنت جارتها تزوجت، وهي لا تكاد تعود إلى منزلها إلا في تباشير الصبح وتختلف، كل غرة ليل، إلى الملاهي الليلية، والى السينما والى...؟!. هكذا بدأت الأوجال تتهاوى- كأكوام ثلج - مقتحمة ذاكرة فضيلة.
مرت أيام وليال مرت فيهما فضيلة في إنهيار عصبي، ومحنة نفسية، ترى الدنيا ظلال وظلام، عاشت فيهما الرعب والألم والبكاء...فأصبح أملها مفقود ، وحلمها منكسر، لم تحقق ما تصبو إليه؛ من حياة سعيدة، وعش جميل ...أزمعت أن تغير نمط حياتها، فقد مرت سبعاً وعشرين سنة ضاع فيهما الحلم، وترجرج فيهما الأمل، فلما لا تعش بقية عمرها في نمط جديد؟!.
ترددت فضيلة مرارا قبل أن تختلف إلى السينما ولكنها ذهبت، واعتبرت ذلك خطوة كبيرة في طريق تغيير حياتها، أو ربما اعتبرته إنتقاما من الزمن الذي أبى إلا أن يقسو عليها...
عاشت المسكينة في هذه الحياة البائسة سنوات ليست بقليلة، وأيام طويلة، تعرفت خلالهما بفئة كثيرة من الرجال...لقد تغيرت كثيرا؛ فهي الأن ترتدي ملابس ضيقة، ينفر منهما جسدها نفرا، ولعل ما يدل على مغالآتها في التغيير هو تلطيخ وجهها بالكثير من المساحيق، بعد أن تمزنت و تلقت دروسا من إحدى صديقاتها عن طريقة استعمالها.
بدأت فضيلة تمضي ليلتها مع هذا، وأخرى مع ذاك. وتختلف إلى المرقص كل ليلة؛ خصوصا أن أباها قد ذهب به المنون؛ إثر سقوطه فوق أحد المنازل التي كان يعمل بها.
... مرت عقارب الدهر معلنة عن مرور عشرين سنة من امتهانها لهذه الحرفة الذميمة... مرت الأيام، وعمل الزمن عمله...فهي الأن إمراة في الأربعينات، وقد تغيرت أكثر مما كانت ترغب فيه؛ فغدت مشحوبة الوجه، شوهاء المنظر، بارزة العضام، يخيل إليك أنها هيكل عضمي في ثوب إنسان، أو أنها جثة من جثت الموتى...
كانت تختار زبون ليلتها، ومعاشرفراشها، وبدون مساومة في الثمن، مع عشاء وبعض علب "البيرة، وحمام سخون ف الصباح...".
أما الآن – بعد أن سلبها الزمن شبابها، وجمالها، وتحولت من شب إلى دب ـــ زال حقها في الإختيار، لم يعدمن حقها أن تختار، بل إنها ملزمة أن تقبل"باللي موجود وصاف"!.
أحست المسكينة أن ذئاب الجمال لم يعد احدهم يطمع فيها، فهي "عيانة ما تصلح ما تسوى...". تدنت أجرتها إلى أقل مما تتصور، لم يعد من حقها طلب العشاء أو" البيرة"، لم تعد تستطيع أن تستنشق دخان السجائر، إلا بعد أن يؤدن لها، أما "الدوش"فلم تعرفه مند سنين، ولا تطمع في معرفته. والأسواء من ذلك أن الزمن قد يقسو عليها فتحرم من أجرتها الهزيلة، فتعوض لها بالضرب والشتم والسب...
في غرة شهر يوليوز، بينما أنا جالس في مقهى" الزعفران"، قرأت في جريدة الصباح أن "فضيلة" حكم عليها بست سنوات سجنا؛ لأن غنيا متربا إتهمها بالسرقة... تعجبت كثيرا من قصة هذه المرأة فبعد أن كانت مشهورة لدى الكبير والصغير، غدت مغمورة؛ فطمس ذكرها، ومحي أثرها، و... كأنها لم تكن.
لقد كان بإمكان تلك المرأة أن تجمع قدرا من المال في موعة شبابها، فتتخذ لنفسها متجرا صغيرا تعيش به ولو على الكفاف... وكان بإمكانها أن تخدع رجلا غرا مكسعا فتتخده لها زوجا، ولكنها لم تفعل؛ لأن الدهر أبى لها إلا أن تكون ضحية من ضحايا الزمن، فيسجل إسمها في صفحة من صفحات جريدتي"البغاء"و"الصباح"...
علي أيت لاشكر
07/10/2005
|
 |
| |